1- تقديم
اشتدت الحاجة في السياق الراهن ـــ الإسلامي والإنساني على السواء ــــ إلى خطابٍ تربويٍّ يعيد للإنسان توازنه النفسي والفكري والروحي، ويستنهض فيه معاني الأمل واليقين، في واقعٍ مثقل بالنزاعات، موسوم بالفرقة، مطبوع بأشكال متعددة من الظلم والقهر والشماتة والاستبداد والتشهير المغرض، ومشحون بأزمات صحية واقتصادية واجتماعية وثقافية… وهلم جرا؛ تعمق مشاعر الخوف واليأس والقنوط، وثقافة الهزيمة، وتضيق مجاري الاستبشار والتبشير.
فيا ترى ـــ في ظل هذا السياق ــــ هل من فرص للسعي إلى نشر خطاب التبشير تربويًا وسلوكيًا لمواجهة اليأس والقنوط؟ وهل لا يزال بالإمكان، حين نسمع المنادي يبث اليقين بموعود الله، أن نستشعر الطمأنينة رغم قسوة الواقع؟ وهل من وسائل واقعية عملية لفهم الارتباط بين سنة الابتلاء والتمحيص وسنة التدرج في تحقيق موعود الله بالنصر والتمكين؟ وكيف نستفيد من النموذج النبوي والصحابي في بث اليقين والاستبشار بموعود الله؟
لا أزعم الإجابة عن الأسئلة وإعطاءها حقها من البيان، لكن حسبي إثارة نهم القارئ، لعلنا ندرك مكمن الخلل، فنتدارك جميعا ما يمكن تداركه، فنكون على بصيرة من أمرنا…
2- التبشير والاستبشار لغة واصطلاحا
التبشير لفظة مشتقة من بشر بمعنى فرح وتهلل، ومنه البِشَارة، وهي الخبر السار الذي لا يعلمه المخبَر، والبُشرى هي ما يبشَّر به أو ما يُعطاه المبشَّر، قال الرازي: “التبشير في عرف اللغة مختص بالخبر الذي يفيد السرور، إلا أنه بحسب أصل اللغة عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه، ومعلوم أن السرور كما يوجب تغير البشرة فكذلك الحزن يوجبه. فوجب أن يكون لفظة التبشير حقيقة في القسمين 1“.
وﻳﻘــﺎل ﺑﺸــﺮت ﻓﻼﻧــﺎ أُﺑﺸــﺮﻩ ﺗﺒﺸــيراً، وذﻟــﻚ ﻳﻜــﻮن ﺑــﺎلخير، وربمــﺎ ﺣﺼــﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﻏيرﻩ ﻣﻦ اﻟﺸـﺮ، وﻳﻘـﺎل أﺑﺸـﺮت اﻷرض إذا أﺧﺮﺟـﺖ ﻧﺒﺎتهـﺎ، وﻳﻘـﺎل ﻣــــــﺎ أﺣﺴــــــﻦ ﺑﺸــــــﺮة اﻷرض، وﻳﻘــــــﺎل ﺑﺸــــــﺮت اﻷديم إذا ﻗﺸــــــﺮت وﺟﻬــــــﻪ وﺗﺒﺎﺷير اﻟﺼﺒﺢ أواﺋﻠﻪ والمبشرات اﻟﺮﻳﺎح اﻟتي ﺗﺒﺸﺮ ﺑﺎﻟﻐﻴﺚ، واﻟﺒﺸــــﺎرة اﺻــــﻄﻼﺣﺎ: ﻛـــــﻞ ﺧــــبر ﺻــــﺪق ﺗﺘﻐـــــير ﺑــــﻪ ﺑﺸــــﺮة اﻟﻮﺟـــــه، وﻳﺴﺘﻌﻤﻞ في الخير واﻟﺸﺮ وفي الخير أﻏﻠﺐ، والرؤيا الصالحة بشارة. وأعظم البشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ روى الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: “أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام 2“.
والاستبشار بموعود الله هو الثقة التامة بأن ما وعد به الله سيتحقق، سواء كان في أمور الدين أو الدنيا، وهو جزء من الإيمان بالغيب الذي يحرك القلوب ويدفعها للعمل الصالح، بغض النظر عن الظروف الحالية، قال الإمام ياسين رحمه الله: “يَحْيَى قلبُك بحب الله ورسوله وبتصديق وعدهما وترتفع همتك لتكون ممن يحبهم الله ويقربهم إليه فيرتفع عملك وجهادك ليسامي جهاد السابقين وعملهم. والله عز وجل الفاعل لا غيره 3“.
3- اليأس أزمة إيمانية وسلوكية أم حالة نفسية عابرة؟
ينطلق الإمام رحمه الله من تشخيصٍ واقعيٍّ صارمٍ لحال الأمة في تاريخها الحديث والقديم، حيث يصف المرحلة بأنها مخاض عميق وهزات عنيفة وزلازل حضارية، لا تخلو من ألم واحتضار بقوله: “أيّ مخاض هذا وأيّة هزة وأي زلزال وأي احتضار..! المسلمون غرقى في لجج البؤس واليأس والإخفاق والفشل 4“.
ولا يُراد بهذا التشخيص تكريس ثقافة الهزيمة، بل كشف عمق الأزمة بوصفها مقدمة لازمة لإعادة البناء. فالوعي بحجم الانكسار شرطٌ لتجاوز الوهن، والانطلاق في مشروع التغيير على أساسٍ تربويٍّ صادق، يقول رحمه الله: “من أول الأسباب أن نكُف عن التعلق بالأحلام وعن إناطة مستقبل بالبطل المحرر، تداعب مِخيالَنا المكبوتَ صُوَرُ صلاح الدين، عند أقدامه نطرَحُ خيباتِ ماضينا وخسارةَ حاضرنا. من طفولة الشعوب، أو قل من هَرَف الشيخوخة، أن يُعْبَدَ البطلُ الوَثن. وقد عبد القوميون عبد الناصر وصداما وأزلاما أخرى صغرى في مدة جيل واحد، فقد آن أن نعبد الله وحده لا شريك له ونغْسِلَ وصْمَةَ الهزائم في طَهور توبة عامة، نتضرع إلى المولى جل وعلا، ونأخذ بأيدينا مقادَة مصيرنا ننتزعه من الأيدي المجرمة. فعدوُّنا الأول منا. وما أُتِيَ المستضعفون من جهة هي أنكى فيهم من أنفسهم، من حكامهم المجرمين، أجرموا وعتـوا في الأرض واستكبروا استكبارا وتحالفوا مع المستكبرين لقعود المسلمـين عن الطلب ولهبّتهم الطفولية مع كل ناعق 5.”
قد لا نختلف إذا قلنا ولو انطباعا أوليا: إن الإمام لا يتعامل مع اليأس باعتباره مجرد حالة شعورية، بل يراه انحرافًا إيمانيًا وسلوكيًا، من أين أتيت بهذا بعد انطباعك؟ نجد ذلك ــ غفر الله لي ولك ـــ في تعليله رحمه الله قائلا: “إن مما يثبط العزائم ويدخل اليأس في الأمة تراخيها عن منافسة السلف الصالح وتلذذها بذكرهم وتسليها بتقديس أمجادهم، تعويضا عن ضآلة الحاضر وهوانه، وتحولا عن مواجهة أنفسنا لنحملها محمل الرجال. يقرأ بعضنا الأحاديث النبوية التي تشير لفضل الصحابة وفضل القرون الأولى، وينسى أن يتلقى الأحاديث الواردة في فضل الأجيال اللاحقة بما تستحقه من فرح واستبشار وتحفز للجهاد 6.” فالأمر جلل؛ قد يكون لا قدر الله إما:
- انقطاع الصلة بوعد الله؛
- انقطاع التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛
- اختزال التدين في ردود أفعال آنية؛
- أو اللجوء إلى التسرع والعنف بوصفهما بديلين عن التربية والصبر.
- أو كل ما سبق وغيره…..
لذلك، وسدا لباب الذريعة على من هؤلاء صفاتهم أو بعضها، قرر الإمام القاعدة الحاسمة التالية: “لا يُزال ظلم بظلم، ولا ينصر المستضعفين من بُني أساسه على عنف الصراعية الطبقية 7“، لماذا يا إمامي؟ لأن اليأس والعنف الأعمى يعمّقان المأزق ويستعديانه ولا يرفعانه، والأفق البديل هو الأمل المؤسس على الوحي: قرآنا وسنة.
4-المدخل: توبة جماعية
يربط الإمام بين التبشير بالموعود وبين التوبة العامة بوصفها شرطًا لإزالة آثار الهزيمة الداخلية، لا مجرد ممارسة فردية معزولة: “آن أن نعبد الله وحده… ونغسل وصمة الهزائم في طَهور توبة عامة… فعدونا الأول منا 8“.
فالهزائم، في نظره، ليست قدَرًا مفروضًا من الخارج فقط، بل نتيجة خللٍ داخليٍّ في الوعي والسلوك. ومن ثم فإن التبشير لا يكون صادقًا إلا إذا اقترن بمراجعة الذات، وتحمل المسؤولية، واستئناف السير التربوي؛ يقول رحمه الله: “أول خطى التربية التوبة ثم اليقظة. كانت التوبة في عصور الفتنة بعد الخلافة الراشدة الأولى عبارة عن التوبة من الذنب والمعصية، والتائب في مأمن وعافية، لا هم له إلا صراعهُ الداخلي ووخز ضميره ومعاملته مع الله، يُؤَرِّقُه هم الآخرة. في عهد النبوة والخلافة الراشدة كانت التوبة من الشرك والمعاصي هَمّاً مزدوجا، لأن الجهاد وواجبه وضروراته وحضور الموت واحتماله في كل خروج في سبيل الله تُكَوِّن ظروفا يلتحم فيها مصير الفرد بمصير الجماعة، ويتميز فيها المنافقون من الصادقين. في زماننا صحوة إسلامية يغلب فيها الهم الاجتماعي الجماعي السياسي على الهم الفردي الأخروي، ويأتي مصطلح “الالتزام” الغريب عن القرآن ليمحو المعالم. فلا تمييز يرجى 9.”
5- منطق القرآن الكريم في صناعة الأمل وفق سنن الابتلاء والتدافع
يؤكد الإمام أن الشدائد ليست دليل خذلان، بل سنة إلهية للتربية والتمحيص، كما دلّ القرآن الكريم: وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ(الأنعام 42).
وفي السياق نفسه تأتي سنة التدافع باعتبارها قانونًا تاريخيًا يحفظ التوازن ويمنع الفساد، قال سبحانه: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ(البقرة:251)، وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ…(الحج:40)، فالتبشير بالموعود ليس تعطيلًا للتدافع، بل تأطيرٌ تربويٌّ له يمنع انحرافه إلى الفوضى أو اليأس.
وفي ضوء هذه السنن، يضع الإمام وعد الله بالاستخلاف في موضعه الصحيح: وعدٌ حقٌّ لا يتخلف، لكنه مشروط بالإيمان والعمل والصبر: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ…(النور: 55)، ومن ثم فالتبشير بالموعود لا يعني استعجال النتائج، ولا إسقاط الوعد على واقع غير مهيأ، بل بناء طويل النفس يزاوج بين التربية والتنظيم والعمل.
6- الجمع بين القدر والأسباب
يختم الإمام هذا التصور بالتأكيد على أن التغيير لا يتحقق بالتوكل المغشوش، ولا بالفعل المجرد عن الإيمان واتخاد كل الأسباب، بل بالجمع بين الأمرين حيث يقول: “عيننا الواحدة على سنته وسوط قدره، والعين الأخرى على التماس أسباب القوة الحسية والمعنوية لتغيير موازين القوى لصالحنا 10“، وهذا هو جوهر التبشير: أملٌ واعٍ، وصبرٌ عامل، ويقينٌ منضبط بالسنن في أشَدِّ لحَظاتِ الألمِ والاستِضعافِ؛ عن خَبَّابِ بنِ الأرَت، قال: “شَكَونا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهُو مُتوسِّدٌ بُردَةً له في ظِلِّ الكَعْبةِ، قُلنا له: ألَا تَسْتَنْصِرُ لنا؟ ألَا تَدْعو اللهَ لنا؟ قال: كان الرَّجلُ فيمَنْ قبلَكم يُحفَرُ له في الأرْضِ، فيُجعَلُ فيه، فيُجعَلُ فيه، فيُجاءُ بالمِنشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فيُشَقُّ باثنتَينِ، وما يصُدُّه ذلك عن دِينِه، ويُمشَطُ بأمشاطِ الحَديدِ ما دُونَ لَحمِه مِن عظْمٍ أو عَصَبٍ، وما يصُدُّه ذلك عن دِينِه، واللهِ لَيُتِمَّنَّ هذا الأمرَ، حتَّى يَسيرَ الرَّاكبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوتَ، لا يَخافُ إلَّا اللهَ أو الذِّئبَ على غَنَمِه، ولكنَّكم تَستعجِلونَ 11“.
7- خلاصة
إن الاستبشار أصل والتشاؤم من خلق الجاهلية، واليقين في الله الواحد المتصرف في ملكه كيف يشاء أن الخير قادم لا محالة، يقول الإمام: “إن أمة الإسلام أمة تؤمن بالغيب، ولا هدي في القرآن لمن لا يؤمن بالغيب. وما آمن من آمن إلا بالغيب: بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر. كل ذلك غيب. غيب ينفعل له عالم الحس والشهادة بالإيمان الفاعل المحرك. تخاف الله وعقابه فتنفعل. ترجو جنته ورضاه فتنفعل. يحيى قلبك بحب الله ورسوله وبتصديق وعدهما وترتفع همتك لتكون ممن يحبهم الله ويقربهم إليه فيرتفع عملك وجهادك ليسامي جهاد السابقين وعملهم. والله عز وجل الفاعل لا غيره 12….”
لذلك مهما طال ظلام الليل البهيم يتبعه فجر الحرية وإشراقات الانعتاق، وأنه بإزاء كل قوة تدميرية سلبية قوة بانية إيجابية، يلزمنا أن نعي بها أفرادا وجماعات حتى نتمكن من فهم الواقع المحيط والأحداث المتوالية بفهم ساطع ويقين ناصع، وتفاؤل وبشر واستبشار، لذلك فإن التبشير بموعود الله، في جماعتنا، رافعة تربوية مركزية:
- تحفظ الأمل والعمل من الانكسار،
- وتمنع الأمل من الانزلاق إلى التمني أو العنف،
- وتؤسس لاستمرارية مشروع العدل والإحسان في أفق تاريخي واعٍ وواعد؛ موعود بالخلافة على منهاج النبوة.
فالوعد الإلهي حق، لكن طريقه تربيةٌ، وابتلاءٌ، وتدافعٌ، وعملٌ جماعيٌّ طويل النفس، مع تفويض النتائج لله سبحانه، والثقة بوعده الذي لا يخلف.
[2] صحيح: أخرجه أحمد 5/262، والحاكم (4230)، انظر: أبو أسماء محمد بن طه، الأغصان الندية شرح الخلاصة البهية بترتيب أحداث السيرة النبوية، تقديم: وحيد عبد السلام بالي، عبد الباري محمد الطاهر، دار ابن حزم (القاهرة)، دار سبل السلام (الفيوم)، الطبعة: الثانية، 1433 هـ – 2012 م، ص: 25.
[3] ياسين عبد السلام، مقدمات لمستقبل الإسلام، ص 37-39.
[4] ياسين عبد السلام، العدل، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة: الثالثة: 2018، ص: 432.
[5] العدل، ص: 433.
[6] مقدمات لمستقبل الإسلام، ص 37-39.
[7] العدل، ص: 431.
[8] العدل، ص: 433.
[9] ياسين عبد السلام، الإحسان 1، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الثانية: 2439هـ/2018، ص 100.
[10] العدل، ص: 433.
[11] أخرجه البخاري (3612).
[12] مقدمات لمستقبل الإسلام، ص 37-39.