التأصيل القرآني لمشروع العدل والإحسان عند الإمام عبد السلام ياسين

Cover Image for التأصيل القرآني لمشروع العدل والإحسان عند الإمام عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

لعل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله من الأعلام المعاصرين الذين تميزوا في الاستمداد من كتاب الله تعالى على نحو غير معهود، بحيث كان رحمه الله يصدر في كل اجتهاداته التأصيلية والتنزيلية لمشروع العدل والإحسان، عن نظر عميق في مرجعية القرآن الكريم، وذلك وفق منهج كلي، ينتظم تفاريق الموضوع من مختلف سياقاته في سلك المفهوم القرآني الناظم.

فما معالم منهج الإمام في الاستمداد من القرآن؟ وكيف أصل لتفاصيل مشروع العدل والإحسان؟

منهج الإمام ياسين في الاستمداد من القرآن

يتأسس منهج الإمام في الاستمداد من القرآن تأصيلا وتنزيلا على الأصول الآتية:

الاحتكام والامتثال للقرآن حالا ومقالا

من المداميك الأولى المؤسسة لمنهج الإمام ياسين في النظر في القرآن تدبرا وتأصيلا واستدلالا واستنباطا تحقق حالة قلبية وعقلية من التفاعل الإيماني مع القرآن للناظر في القرآن امتثالا لمقتضياته واحتكاما لتكاليفه حتى ينفتح باب الفهم والعطاء، يقول: “إنما يحتكم إلى القرآن، ويرقي فهمه إلى التلقي عن القرآن، ويحفظ حرمة القرآن، من كان القرآن ربيع قلبه، والنظر فيه قرة عينه، والامتثال له راحة روحه” 1.

قد يستغرب البعض من عد هذا النوع من الحالة الذاتية الروحية الممزوجة بالعاطفة قاعدة منهجية في البحث والتأصيل، ذلك إن كنا نروم تسطيح معنى المنهج، أما إن كنا نتوخى روح المنهج وعمقه المفضي إلى الإبداع، فلا يمكن تجاوز حالة التفاعل القلبي والعقلي للباحث مع الموضوع، خصوصا إذا تعلق الأمر بالخطاب الإلهي للإنسان عبر الزمان والمكان وفي كل الأحوال، فتلقي الخطاب الإلهي غير تلقي الخطاب البشري من حيث لزوم الإيمان والامتثال في الأول دون الثاني، لذلك ظل الإمام ياسين يلح على هذه القاعدة الإيمانية في تلقي الخطاب القرآني، لأنه أدرك من النص القرآني نفسه أن تفهيم معانيه عطاء من الله ابتداء على شرط الافتقار والاضطرار إليه، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا (الأنبياء: 78).

كما أوعب من الخطاب القرآني أن اكتمال التلقي بقدر اكتمال الترقي عبودية وامتثالا بدليل قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (فاطر: 28)، وقوله سبحانه في بيان مسالك التلقي: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (الزمر: 9).

فأول خطوة منهجية في حسن التلقي عن القرآن إضمار قصد التعبد حتى يكون العلم المتلقى نافعا، فقيمة العلم من حيث هو وسيلة إلى التعبد كما قال الشاطبي رحمه الله 2، فالإمام ياسين أدرك تماما أن قضايا العلم والمعرفة لا تخرج عن إطار التعبد الناظم للشرائع كلها، قال الشاطبي: “الشرع إنما جاء بالتعبد، وهو المقصود من بعثة الأنبياء عليهم السلام” 3، فكلما صح القصد صح العلم المتلقى ونفع، وهو لا يخرج عن كونه عملا ناشئا عن الإيمان، وعليه كان الكفر في نظره مانعا من موانع الفهم والتلقي 4.

استقراء المعاني الجزئية لبناء المعرفة الكلية

إن من معالم منهج الإمام ياسين رحمه الله في النظر في القرآن إصراره على التماس المعارف الكلية الناظمة للمعارف الجزئية، وذلك استجابة منه لمقتضى حال واقع الأمة الذي بلغ من التعقيد والتركيب في حاجياته وأسئلته ما تتعذر معه الإجابات الجزئية، وهذا ما أعلنه بوضوح في قوله: “لكن الذي نحن بحاجة إليه هو الفقه الكلي الذي يشمل كل العبادات الفردية والمعاملات الجزئية، في نسق واحد يؤدي وظيفة إحياء الأمة وإعادتها إلى حضن الشريعة وصراط الله” 5.

من هذا المنطلق تعامل مع آيات كتاب الله تعالى ملتمسا منها على جهة الاستقراء الأجوبة الكلية الشافية لحال الأمة لتقوى على استئناف النهوض الحضاري، فلم يكن رحمه الله ممن يتتبع المعاني الجزئية من ألفاظ آيات كتاب الله تعالى، كما هو ديدان أهل المدونات التفسيرية الذين يتتبعون معاني القرآن آية آية من بدايته إلى نهايته وفق المنهج الجزئي، وإنما يستعرض آراء المفسرين من هذا القبيل في الآية أو المقطع القرآني، لينتقل بعدها إلى الآفاق الدلالية للآيات في ضوء الكليات الشرعية الشاهدة.

فعند تدبره وتفسيره لما جاء في سورة البلد، ذكر بالمنهج الفقهي الجزئي في استنباط ما بالآيات من المعاني الجزئية الفردية، حيث قال: “فلا نقاش في أن فك الرقبة المؤمنة في الكفارات وغيرها قربة، والصدقة على اليتيم والمسكين عمل صالح، وصحبة المؤمنين ومشاركتهم في الحق والصبر انضمام للجماعة مأمور به، الأحكام التفصيلية باقية على وجهها” 6، فهي جزء من مدلول الآيات وليست نهاية مدلول الخطاب الإلهي الحاكم المرجعي على الزمان والمكان والحال، يقول رحمه الله: “للفقيه أن يدرج فك الرقاب في باب الكفارات، ويدرج إطعام اليتيم والمسكين في باب الصدقات، ويدرج انضمام المؤمن للجماعة في باب الوعظ والرقائق” 7، لكن منشود الإمام من النظر الكلي المنهاجي لا يسعه “ما يسع الفقيه، لا يسعه أن يقف عند ذلك التصنيف. وإلا ضاعت من أمامه معاني النداء والاستجابة والعقبة والاقتحام” 8، فقيمة المعاني الجزئية المستنبطة في نظر الإمام ياسين بمقدار اندراجها في سلك الفقه الكلي؛ حيث يقول: “وما فرعوا من الأحكام ثمرة مذكورة مشكورة إن لم يتعارض شيء منها مع منهاج السنة الكلي: الشورى والعدل والإحسان” 9.

فالإمام يرى أن النظر في آيات الله يلزم أن يكون نظرا مقاصديا كليا للتمكن من استمداد معالم الهداية لواقع الأمة وحالها من خلال المفاهيم القرآنية الحبلى بالمعاني الشاملة الشافية، ومنها مفهوم “اقتحام العقبة” الذي عده مفهوما قرآنيا ناظما لمعاني مشروع نهوض الأمة، حيث يقول: “اقتحام العقبة إذن تحرك إرادي تتعرض له العقبة فتمانعه ويغالبها حتى يتم الاقتحام. حركة الفرد المؤمن في سلوكه إلى الله عز وجل، وحركة الجماعة المجاهدة في حركتها التغييرية، وحركة الأمة في مسيرتها التاريخية” 10.

فالمفهوم مركب من شطرين أولهما الاقتحام بما هو سلوك إرادي جهادي في اتجاه مقام الإحسان والاستخلاف، وثانيهما العقبة التي تمثل الواقع الموضوعي الطبيعي والإنساني المطلوب اقتحامه، وبهذا الاقتحام يتقدم الإنسان في مقامات الإيمان إلى ذروة الإحسان 11، ولذلك فالمعاني الكلية لمكونات العقبة وأبعادها الواردة في السورة عند الإمام ثلاثة: أولها: الرق الذي يستعبد الإنسان فإذا هو رهين بإرادة غير إرادته، وثانيها: العوز الذي يقعد بالمسكين واليتيم، تمنعهم المسغبة والاهتمام بالقوت عن كل خير. وثالثها: الانفراد عن جماعة المؤمنين الذين يتأتى السفر والاقتحام في كنفهم 12.

بعد ذلك نجد الإمام يصوغ المعاني الكلية لمكونات مفهوم العقبة بلغة إجرائية معاصرة تجيب عن أسئلة الزمان، حيث يقول: “فك الرقبة تحرير الإنسان من العبودية لغير اللّه عز وجل، إطعام اليتيم والمسكين، تحرير لطاقاته لينتج ما به يستطيع أن يطعم المعوزين ابتداء من إطعام نفسه، الكينونة مع الذين آمنوا تحرير للإنسان المؤمن الفرد من العزلة والخمول والانفراد، وإدماج له في الجماعة ليتحزب لله عز وجل. ثلاث مجالات: المجال النفسي، والمجال الاقتصادي، والمجال السياسي” 13.

قراءة التراث التفسيري في سياقه التاريخي

يميز الإمام ياسين بين نص القرآن التأسيسي ونص بيانه التفسيري، فالنص الأول إلهي المصدر، مرجعي أبدي شامل لكل الأزمنة والأمكنة والأحوال، بخلاف النصوص التفسيرية التي ترجع إلى الاجتهاد البشري النسبي الذي لا يتجاوز حدود وعائه الزمني والمكاني ثقافة ومعرفة، فهذه النسبية للنصوص التفسيرية تقتضي منهجيا قراءته والاستئناس به وفق شروطه الزمانية والمكانية التي أنتج فيها، دون الانحسار في مذاهبه وحدود أفقه، لأن ذلك في نظر الإمام من شأنه أن يؤدي إلى آفة التقليد التي تحرم صاحبها من الإفادة المباشرة من كتاب الله.

فتقليد الرجال وتقديس اجتهاداتهم ونزع النسبية عنهم في نظر الإمام ياسين، من شأنها أن تشكل حجبا معرفية ومنهجية بين المقلد ومصدر الهداية المعرفية في كتاب الله، يقول الإمام رحمه الله: “لا يستطيع التجرد لحاكمية القرآن المباشرة وتحكيمه المقلدة الذين رقدوا عند قدمي فحل من فحول العلماء الماضين إلى عفو الله إن شاء الله، جاهلين نسبية ذلك الفحل أو ذلك المذهب ومحدوديته في إطار تاريخه، وتاريخ الحكم في عهده، وملابسات اجتهاده السياسية والاجتماعية والشخصية والصراعية المذهبية التي خاضها” 14.

فالنظر إلى التراث عموما والتراث التفسيري خصوصا في نسبيته يمكن الباحث من النظر النقدي للتراث العلمي باكتساب القدرة على التمييز بمعيار القرآن بين أصيله ودخيله، وبين المفيد المناسب وبين غيره، فنفيد من تراث سلفنا ما ينفع واقعنا وقضايانا مما يشهد له القرآن، يقول الإمام: “في تجارب سلفنا الصالح من العلماء وفي محاولاتهم واجتهاداتهم ما هو حريّ بإثراء تجربتنا، وتقويم محاولاتنا، وتوجيه اجتهادنا إن نحن وضعناها جميعا أمام القرآن والقرآن يحكم، نفحصها على ضوئه، في نشوئها وتسلسلها، وتعاقب أشكالها ومناهجها، وتأثرها بحركة الحياة العامة وتأثيرها فيها، وإقدامها وإحجامها، ونتائج صوابها وخطئها” 15.

التفسير وفق السياق المعاصر

انطلق الإمام ياسين في النظر في آيات كتاب الله تعالى من واقع حال الأمة وإشكالاته الكبرى ومطالبه الكلية لأنه المقصود الزمني بخطاب الله في كتابه، ومنه تستمد الهداية المطلوبة لهذا الواقع، من أجل الانتقال بالأمة من درك الفتنة تحت الحكم الجبري إلى التمكين الحضاري تحت الخلافة الثانية على منهاج النبوة، فجاءت نظراته التأصيلية بعيدة عن المقاربات النظرية المجردة، ومرتبطة بما يجيب عن أسئلة الزمان الحاضر التي منها انطلق أصلا في مشروعه التجديدي.

وقد أفصح الإمام ياسين بوضوح تام عن أصل مراعاة واقع الأمة في منهج نظره في التراث التفسيري حين قال: “نرجع إلى تأصيلاتهم ناظرين إليها من إزاء القرآن والسنة، ناظرين إليها أيضا من زاوية واقعنا وظروفنا” 16.

فإدراك الواقع واستيعاب خصوصياته وحيثياته مقدمة لازمة عليها يتأسس إدراك وجه المصلحة المرجو جلبها أو المفسدة المطلوب درؤها من أحكام كتاب الله تعالى، وذلك بناء على أن “شرع الله أينما كانت مصلحة المسلمين. ومن لا يعرف واقع المسلمين ومنابع الفتنة في تاريخه، وحاضرهم في العالم وحضورهم، وطبيعة الصراع الدائر بين الإسلام والصليبية اليهودية، لا يستطيع أن ينزل شرع الله على واقع يستعصي، ويمتنع، ويماطل” 17.

ومقتضى القول بمراعاة الواقع وظروفه الانطلاق من إشكالاته وأسئلته في النظر إلى كتاب الله تعالى التماسا للهداية، خصوصا وأن المطلوب منا “تحليل مجتمعاتنا لتشخيص أمراضنا، وإعداد النظرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنظيمية الكفيل تطبيقها بعلاج الأمة، ضرورة” 18، كما أن زماننا له خصوصيات يفارق بها أزمنة المفسرين والفقهاء من علمائنا، فلزم النظر في كتاب الله بهذا المقتضى، يقول الإمام: “نحن في زماننا نقدر أن ما ضاع منا كثير وأن ما بقي آئل إلى ضياع إن لم ننهض للطلب، طلب الإسلام كله، طلب الإيمان بشعبه، طلب الخلافة على منهاج النبوة، طلب الشورى والعدل والإحسان” 19.

معارف تأصيلية من القرآن عند الإمام ياسين

شكل المنهج السابق عند الإمام ياسين الإطار الذي حكم نظره في آيات كتاب الله تعالى فأثمر به معارف نوعية تأصيلية لمشروع العدل والإحسان في المنهاج النبوي، ويمكن عرض أهم تلك المعارف على النحو الآتي:

1) النظر إلى العدل والإحسان في القرآن مشروعا حضاريا

فقد ألفينا الإمام ياسين يقرر بالقطع كلية العدل في الشريعة 20، فيقول: “العدل أم المصالح التي يقصد إليها الشرع. هو صُلب الدين، وحوله تُطيفُ همومُ المسلمين، وبه بعث الله الرسل والنبيئين، مبشرين ومنذرين” 21، كما أن العدل في نظر الإمام أساس الصلاح “وركن ركين في صرح الدولة الإسلامية، وعلى إقامتهما مدار صلاح الحكم، والاقتصاد، والشورى، والإدارة، والأمر كله” 22، فلا يحمي “الأمن الاقتصادي والعسكري، والاستقرار السياسي والاجتماعي، سوى العدل الذي يبني ما خربه الظلم، ويحيي ما أماته، ويحرك ما أخمده، وينير ما أظلمه” 23.

كما تتبع الإمام موارد لفظة الإحسان في القرآن فوجدها “غاية الغايات ومحط نظر ذوي الهمم العالية” 24، فهي دالة على معاني متعددة شاملة، منها، المعنى الاجتماعي ممثلا في تحسين العلاقة بخلق الله، ابتداء بالوالدين وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (الإسراء: 23)، فالأقربين واليتامى والمساكين والناس أجمعين، كما أمر الحق سبحانه في قوله: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا (البقرة: 83)، ومعنى المهارة والإتقان كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة” 25، ومنها وعلى رأسها المعنى التعبدي، وهو أعلى درجات الدين كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور: “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.

فقد أدرك رحمه الله أن العدل والإحسان ولازمتهما الشورى كليات ناظمة لتفاصيل الشريعة من جهة وإجابات كلية عن عمق الأزمة في واقع الأمة من جهة أخرى، فبالعدل يؤمن مصير الأمة في التاريخ، وبالإحسان يأمن الفرد على مصيره عند ربه.

وسيلة تحقيق هذا المشروع في نظر الإمام ياسين هو مفهوم “الصحبة والجماعة” الذي استقاه على سبيل الاستقراء والتتبع من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويفسر هذا المفهوم بقوله: “لقاء رجل يربيك وجماعة مؤمنة تؤويك تحضنك، حتى يسري بصحبة المربى والجماعة إلى قلبك وسلوكك أول سلك من أسلاك نور الإيمان، وأول نفحة من عبيره، وأول فيض من مائه” 26، فبذلك يندمج مفهوم الصحبة في مفهوم الجماعة ليشكلا مفهوما مركبا متكاملا نظرا وعملا، تماما كما كان الأمر زمن التأسيس النبوي للجماعة الأولى وفق مقتضى الخطاب القرآني الموجه في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (الفتح : من الآية 29).

وموجب القول بمشروع الجمع بين الصحبة والجماعة تحقيق الجمع بين العدل والإحسان من حيث هو شرط لاقتحام العقبة 27، وقد جمع الإمام أبعاد هذه العقبة في أمرين: عقبة في الأنفس وفي آفاق الكون، فلزم الجمع في مشروع الاقتحام بين عقبة الأنفس وعقبة الآفاق لتجاوز سلوك الصوفية الذين زاغوا عن فتنة الآفاق حين اعتزلوا المجتمع 28.

أما قبلة المشروع الاستراتيجية فيحددها الإمام في الخلافة الثانية على منهاج النبوة انطلاقا من البشارة النبوية في حديث الخلافة على منهاج النبوة الذي اتخذه الإمام محور مشروعه ونظره.

2) ثنائية القوامة والحافظية

وقد استمد الإمام ياسين هذه الثنائية من قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ (النساء: 34)، فلم ينظر الإمام إلى تلك الثنائية نظرة تجزيء وتفريق بينهما، وإنما نظر إليهما نظرة مقاصدية من حيث هي ثنائية متعاضدة متكاملة، فحافظية المرأة حكما ووظيفة ومقصدا هي الوجه الداخلي لوحدة الأسرة، بينما وجهها الخارجي المكمل هو درجة القوامة للرجل، فلا تفهم الواحدة إلا في سياق الأخرى 29.

أما الدرجة فقد كشف الإمام ياسين عن مقصدها الاجتماعي، فقال: “”الدرجة” إمارة في القافلة الاجتماعية الزوجية السياسية. هي بمثابة أمير السفر الذي أوصت به السنة النبوية. إمارة بدونها تكون الفوضى في القافلة، فتضعف، فيجد العدو فيها مغمزا، فيعدو عليها ويمزقها” 30.

وأما الحافظية فتنتظمها في نظر الإمام مقاصد شرعية عظمى وكليات ضرورية عليا، أسماها مقصد العبودية لله تعالى الذي ينتظم الرجل في قوامته والمرأة في حافظيتها في سياق رحلتهما من الدنيا إلى الآخرة، يقول: “مهمة كبيرة تلك التي تَعْدِلُ بين قوامة الرجل وحافظية المرأة ليحمل الرجل والمرأة عبئها. هذه المهمة هي عبادة الله تعالى، تلك العبادة المعلولة بخوف العقاب الأخروي ورجاء الجنة ورضى المولى وقربه” 31.

أما المقاصد الأخرى الناظمة للحافظية، فمنها حفظ النوع البشري، وحفظ فطرته، وقد أسند الله هذه المهمة الجليلة للمرأة بمقتضى حافظيتها، يقول الإمام: “النساء بفطرتهن يحفظن استمرار الجنس البشري بما هن محضن للأجنة، وحضن للتربية” 32، ففي ذلك حفظ الدين والنفس والعقل، يقول الإمام: “الدين الذي هو رأس المقاصد وغاية الغايات، يُرْضَع من ثدي الأمهات الصالحات القانتات الحافظات. وتعهُّدُهن لجسوم الأطفال ونباتها وغذائها وصحتها كتعهدهن للعقل الناشئ، يأمرن بالحسن، ويزجرن عن القبيح، ويجبن عن الأسئلة، ويلقِّنَّ اللغة” 33.

ومن واجبات الحافظية في نظر الإمام حفظ النسب، وهو كلية من الكليات الضرورية الخمس، فأنفس “ما تحفظه نساء الأمة أنساب الأمة… الحفاظ عليها، والعفة، وحفظ الفروج، والتحصن من فاحشة الزنى، واجب مقدس في مقدمة واجبات الحافظية” 34، وتكتمل مقاصد الحافظية بمقصد المال المأخوذ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالِكَ” 35، فقد رأى الإمام في نص الحديث ما يشير إلى كفاءة المرأة في تدبير الشأن المالي والاقتصادي للأسرة 36.

3) مسألة تعدد الزوجات

نظر الإمام رحمه الله إلى المسألة وفق منهجه المقاصدي بإنصاف، فميز بين ممارسات الناس لمسألة التعدد في سياقاتهم الاجتماعية والثقافية، وبين ما تأصل في شريعة الله حكما ومقصدا، فلم يغض الطرف عن مآسي المرأة وظلمها عبر قرون من الزمان باسم مشروعية التعدد، حين كانت تستبدل المرأة كما تستبدل الأحذية 37، ورأى أن في دعاوى أهل التغريب من الحداثيين والعلمانيين في مناهضة تعدد الزوجات الكثير من الصواب الذي أريد به باطل، من حيث ما لحق بالمرأة من صنوف الظلم بسبب التعدد الظالم من الرجل المستهتر، لكن ليس ذلك من الشريعة، قال رحمه الله: “فإن استغل بعض الرجال هذه التوسعة الشرعية ليُشبِعوا أنفسهم لذة ويشبعوا النساء ظُلما فالحَيف منهم لا من الشريعة” 38.

فتعدد الزوجات في نظر الإمام من حيث هو مباح 39 في الشريعة الإسلامية بمقتضى قوله تعالى: “انكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ” (النساء: 3)، ومن حيث موقع المسألة في النسق التشريعي العام فهو حل استثنائي لحالات استثنائية، لما يمكن أن يلقاه الرجل، أو يعانيه المجتمع من مشاكل: كأن تقوى في الرجل “الحاجة فلا تكفيه امرأة واحدة، أو تمْرَض وهو صحيح، أو تعقُم وهو يطلب الولد. والمجتمع يربو فيه عدد النساء على عدد الرجال، فتجيء شريعة التعدد لتصون حِصّةً منهن عن العنوسة والشارع. تكون شريعة التعدد هي الحل الوحيد إن حصدت الحربُ الرجال كما حدث في الحربين العالميتين في قرن العجائِب والعنف” 40.

وقد يرتقي حكم التعدد في نظر الإمام إلى مرتبة الضرورة “لحل مشاكل خاصة، ضرورة لوقاية النشْء وكفالته. إنه حفاظ على الذرية أنْ تضيع في حضن أم زانية مهما أصبحت الأم الزانية في المجتمع الدوابي محطّاً لِلتكريم” 41، وهذا خلافا لمن يجعل التعدد في الإسلام أصلا وزواج الواحدة استثناء، فلا يعدل عن الأصل إلى الاستثناء إلا لضرورة 42، وخلافا لمن يذهب إلى إنكار تقييد التعدد إلى حد اعتباره بدعة ضالة 43.

وهكذا عالج الإمام رحمه الله قضية التعدد معالجة مقاصدية تربوية بنائية على نحو غير مسبوق في حدود علمي، فأبان عن حكم المسألة فقهيا، وعن وظيفتها في النسق الاجتماعي العام، وعن المقاصد الشرعية المرجوة منها.

والحمد لله رب العالمين.


1- ياسين عبد السلام. نظرات في الفقه والتاريخ: مطبعة فضالة، المحمدية، ط1/1989م، ص23.
2- ينظر الشاطبي، أبو إسحاق. الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة3، 2003، 1/41.
3- الشاطبي، الموافقات 1/41.
4- ينظر ياسين عبد السلام. نظرات في الفقه والتاريخ، ص24.
5- ياسين، عبد السلام. المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، طبعة 2/1989 بدون المكان، ص 222.
6- ياسين، عبد السلام. مقدمات في المنهاج، ص57.
7- ياسين، عبد السلام. المصدر السابق، ص58.
8- ياسين، عبد السلام. المصدر السابق.
9- ياسين عبد السلام. نظرات في الفقه والتاريخ، ص17.
10- ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص16.
11- ينظر ياسين، عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، مطبعة الأفق، البيضاء، ط 1/2000م. ص23.
12- ينظر ياسين، عبد السلام. مقدمات في المنهاج، ص57.
13- ياسين، عبد السلام. المصدر السابق.
14- ياسين عبد السلام، المصدر السابق، ص22.
15- ياسين عبد السلام. المصدر السابق، ص 33.
16- ياسين عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، ص 109.
17- ياسين، عبد السلام. تنوير المؤمنات، ص65.
18- ياسين، عبد السلام. المنهاج النبوي، ص329.
19- ياسين عبد السلام. نظرات في الفقه والتاريخ، ص 96.
20- فقد تحدث الإمام عن مفهوم العدل الشامل لنظام الحكم وللقضاء وللاجتماع والاقتصاد، ينظر دراستنا: مراجعة التراث الأصولي والمقصدي في ضوء الكليات القرآنية عند الأستاذ عبد السلام ياسين، أعمال المؤتمر الأول: مركزية القرآن في نظرية المنهاج النبوي عند عبد السلام ياسين، استانبول 2012م.
21- ياسين عبد السلام. العدل، ص202.
22- ياسين، عبد السلام. في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، ط 2/2003م، البيضاء، ص 190.
23- ياسين، عبد السلام. المصدر السابق، ص197.
24- ياسين، عبد السلام. الإحسان: مطبعة الأفق، البيضاء، ط 1/ 1998م. 1/18.
25- مسلم في الجامع الصحيح، كتاب الصيد والذبائح باب الأمر بإحسان الذبح والقتل.
26- ياسين، عبد السلام. المنهاج النبوي، ص123.
27- يعد اقتحام العقبة المستفاد من سورة البلد مفهوما مركزيا في الجهاز المفهومي للإمام ياسين، ينظر كتابه مقدمات في المنهاج.
28- ينظر ياسين، عبد السلام. الإحسان 1/94.
29- في كتابنا قيد الطبع” مراجعات في التراث المقاصدي والأصولي والفقهي عند الإمام ياسين كلام مفصل عن هذه الثنائية في الفصل الرابع.
30- ياسين، عبد السلام. تنوير المومنات 1/203.
31- ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 2/99.
32- ياسين، عبد السلام. تنوير المومنات 2/88.
33- ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 2/92.
34- ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 2/91.
35- أخرجه الطبري في تفسيره 8/295 بسند فيه أبو معشر وهو ضعيف، لكن له شواهد تقويه، منها ما ذكره الألباني في صحيح النسائي ضمن السلسلة الصحيحة.
36- ينظر ياسين، عبد السلام. المصدر السابق.
37- ينظر ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 1/33.
38- ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 2/189.
39- ينظر ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 2/190.
40- ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 2/189.
41- ياسين، عبد السلام. المصدر السابق.
42- ينظر الطويل، محمد بن مسفر. تعدد الزوجات في الإسلام، ص8.
43- ينظر أبو زهرة، محمد. تنظيم الإسلام للمجتمع، طبعة 1385هـ، القاهرة، ص77-79.