البصيرة القلبية والحكمة العقلية والرؤية المستقبلية للإمام ياسين من خلال كتاب “سنة الله”

Cover Image for البصيرة القلبية والحكمة العقلية والرؤية المستقبلية للإمام ياسين من خلال كتاب “سنة الله”
نشر بتاريخ

عُرف الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله منذ صباه بالرجاحة والبصيرة، توفيقا من الله واصطفاء منه، أرشده سبحانه وتعالى وهو في سن العنفوان والشباب، سن الأربعين، لهبة ويقظة روحية جعلته يتساءل ويبحث عن حقيقة الوجود، وبأي منهاج يمكن للمرء أن يحيى لتحقيق سر وجوده، توصل الرجل رحمه الله بعد رحلة طويلة وشاقة ومخاض عسير واستغراق في العبادة والذكر والمجاهدة والتلاوة زمانا، وصحبة الصاحب أعواما،  إلى السلوك المنهاجي الذي يجمع بين التربية والجهاد معا، كما عبر عنه في كتابيه الإسلام بين الدعوة والدولة (1972) والإسلام غدا (1973)، وتلتهما بعد ذلك سلسلة من الكتب التي تجاوزت ثلاثين كتابا ورسائل علمية وفكرية وتربوية. كلها تعبر عن تصور تربوي وتنظيمي وسياسي لمشروع اجتهادي تجديدي يتوخى تحقيق الخلاص الفردي بالارتقاء في مدارج الدين، من إسلام لإيمان لإحسان، وفي الوقت نفسه يهدف إلى تجميع طاقات الأمة الإيمانية والعلمية والجهادية نحو استشراف أفق الخلافة الثانية على منهاج النبوة التي بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. من أهم هذه الكتب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا 1982، الذي قدم تصورا جامعا شاملا لهذا المشروع. ثم قام رحمه بتفصيل قضايا المشروع في مجموعة من الكتب الأخرى.

نحن بصدد إلقاء إطلالة على فكر ورؤية الإمام رحمه الله من خلال كتاب “سنة الله”. يعد الكتاب من أمهات الكتب المؤسسة لفكر جماعة العدل والإحسان في التدافع بين الحق والباطل، يسعى من خلاله الإمام إلى التقييم العميق للماضي والدعوة للاستفادة منه والتحليل الرشيد للواقع وفهمه والرؤى الاستشرافية المتميزة للمستقبل التي تميز بها الإمام وتفرد في سنة الله الكونية والنفسية والآفاقية. “في هذا الكتاب نتتلمذ للقرآن وحده… ونخضع لسلطة السنة المطهرة باذلين الجهد لكيلا تطغى اللغة المحملة في هذا العصر بالماديات على خطابنا” (كتاب سنة الله، ص 152). إذ شرع رحمه الله في كتابته صيف سنة 1987 وانتهى منه سنة 1989، بينما لم يتم إصداره إلا سنة 2005، رغم الفرق الشاسع بين سنة الكتابة والإصدار، إلى جانب عقدين من الزمن عن سنة الإصدار، فالكتاب لما تقرأه وتسبر أغواره، تجد أن معالمه إلى حدود الساعة لم تتغير، بالفعل وقعت متغيرات كثيرة وأحداث عديدة، لكن فحوى الكتاب تبرز المواجهة بين الإسلام وروح الجاهلية الصهيونية الجاثمة على جسد الجاهلية، التي بدأت منذ عهود خلت ولا زالت إلى حد الساعة، دلالة على أن إرادة الله الكونية ثابتة باقية في تعاقب سنة النصر والهزيمة وأن الإخلال بواجبات النصر تؤدي إلى الهزيمة.

يشير رحمه الله بقلبه المتعلق بالقرآن والسنة إلى ضرورة معالجة القضايا من منظور القرآن والسنة، ويتجلى ذلك في المفاهيم المنهاجية المحضة التي عنون بها محاور الكتاب، فكل محور على حدى يعد وقفة متأنية لننفض عن القلب والعقل معا ما قد يكون علق بهما من غبار الفتنة أمام تسلط اليهود وتجبرهم وفحشهم وكيدهم، وقفة لنتطهر يقينيا قلبيا من الذهول أمام قوة العدو وتسلطه..

ينتقد الإمام من يدعو إلى نهوض الأمة وتنميتها وتطورها دون ربط ذلك بإصلاح القلب وتصحيح العقيدة وابتغاء وجه الله (أمثال أصحاب الإسلام الثوري الحركي السياسي)، كما ينتقد التحليل المادي الصرف دون إعطاء أهمية للغيبيات والكرامات وموعود الله ووعد الآخرة، دون تقييم الماضي وتحليل الواقع وفق سنة الله وشرع الله ومصير الإنسان وذكر الآخرة والإيمان، ودون الرجوع إلى استقراء متفحص لسنة الله في الكون وأن الغلبة لهذا الدين. يدعو الإمام رحمه الله إلى القراءة الإيمانية للتاريخ وأنها تنطلق من الغيب، وهو ما غاب في الواقع وغاب على العقل إدراكه الذي أخبر به الوحي قرآنا أو حديثا، ثم الانطلاق لتحليل معطيات الواقع بأدوات قرآنية وعيون نبوية.

 نستشف من خلال الكتاب غزارة علم ومعرفة الإمام رحمه الله في زمن كان فيه شح المعلومة وصعوبة التوصل إليها، وأنت تتصفح الكتاب ستبهرك الكثير من المعارف والعلوم والأحداث التاريخية والوقائع التي وثقتها صفحات الكتاب، دلالة على أنه كان رحمه الله حريصا على الإلمام بالأحداث والوقائع التاريخية عموما والآنية التي وقعت في عصره خصوصا، لم يكن هذا مجرد إلمام سطحي وترف فكري ثقافي، وإنما معرفة عميقة وتحليلا رصينا مرتبطا بسنة الله، برؤية شاملة جامعة، وبعين ثاقبة متفحصة ملمة؛ تربط الماضي بالحاضر ثم المستقبل بحكمة عقلية قلما نجدها، استنهاضا لهمم وإرادات الأفراد والجماعات إلى الإقبال على الله ومعرفته وربط القصد بالله سبحانه وتعالى، تأكيدا على التربية الإيمانية والإحسانية. كما نلمس حكمة الإمام رحمه الله، في الحرص على الصدق وتوثيق الحقائق باستنباطها من كتب الأعداء، والابتعاد عن الذاتية والتزام الموضوعية.

نلمس في كتب الإمام عامة وفي هذا الكتاب على وجه الخصوص، تفرد الإمام بمنهجية خاصة متميزة يصفها الإمام نفسه بأنها لولبية نسقية شمولية تعتمد على التحليل الأفقي العمودي البنيوي الوظيفي، تُقَدم في قالب بديعي متداخل ومركب. بنى الإمام رحمه الله تعالى الكتاب حول قضيتين مركزيتين أساسيتين: الأولى: الكتاب من بدايته إلى نهايته يسافر بالقارئ في اكتشاف سنن الله وتجلياتها في تاريخ الأمة وواقعها ومستقبلها. الثانية: يرصد الإمام عدو الأمة “الصهيونية” وتاريخها القديم وجذورها وفي الواقع الحاضر واستشرافات المستقبل، ويبرز صفاتها ومخاطرها. بهذه الأفكار المركزية انبنت فصول الكتاب، التي قد تتقلص في فصل وتتسع في آخر، تربط بينها علاقات نسقية متشابكة ليس على مستوى الأفكار فقط، وإنما على مستوى الوقائع والأحداث على أرض الواقع. ولن يستطيع الكتابة بهذه المنهجية إلا عالم ملم يملك أفكارا سَلسة مطواعة لقضية عادلة يؤمن بها ويسخر قلمه للدفاع عنها، وتوطينها للأجيال لتبقى حية للمدارسة والتأسي واستنباط العظات والدروس.

 تتميز رؤية الإمام رحمه الله بالمستقبلية، من خلال الاستشراف لمستقبل الأمة، على ضوء سنة الله. في هذا الكتاب ننظر إلى المستقبل بخاصية التفكير المنهاجي قراءة تاريخية للواقع والأحداث ليس للتنظير والترف العلمي الثقافي، وإنما للاستفادة من وقائع التاريخ، لاستنباط آليات العمل والتفعيل على أرض الواقع بالإرادة والهمة، ولن يتأتى ذلك إلا بأفئدة تتربى على اليقين في موعود الله والانضباط لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، في ظل تربية إيمانية إحسانية جهادية.

يقدم الإمام رحمه الله تعالى خطة عملية واستراتيجية محكمة شاملة استشرافية، بناء على العلم والعمل، بناء على شرعة القرآن ومنهاج نبيه صلى الله عليه وسلم، لكي نكون البديل الحضري للعالم، ولابد لهذا البديل أن يكون الأقوى والأنجع على كافة المستويات: نظام حكم شوري يضمن الحرية ويقوم على العدل بين الناس، اقتصاد منتج للبدائل الاقتصادية الغربية يحقق الازدهار والرفاهية. وتحقيق التنمية ومواجهة الثقل التكنولوجي ومنافسة أعداء الله، بل والتفوق عليهم، لن يتم إلا بالعلم والتخطيط، والكتب والمحاضرة، والاجتهاد والاستنباط. وإعادة بناء العقل الإسلامي لن يتم إلا بالتربية وتعمير المساجد والذكر والتسبيح لتحقيق الرجولة القرآنية الحاملة لمشروع الأمة الناهضة به، ولكي نكون أولي بأس شديد؛ لابد من  نهضة روحية علمية عملية إيمانية إحسانية تقتحم العقبات، تلبي نداء الله في سنته الرحيمة، وتستمطر نصر الله الذي لا يتخلف متى توفرت الشروط السنية… (كتاب سنة الله، ص242).

هذه الأسطر مجرد إضاءات على أحد كتب الإمام رحمه الله، الذي مر ما يقارب أربعة عقود على كتابته، ولا زالت دفتي الكتاب شاهدة على عمق فكر الرجل “الذي رحل إلى ربه منذ 13 سنة” ويقظته القلبية المتعقلة بسنة الله التي لا تحابي أحدا، وأن الله ينصر عباده وينصر جنده متى اتخذوا الأسباب، وأننا في طريقنا إلى وعد الله ووعد الآخرة ووعد رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلما مرت الأحداث تلو الأحداث إلا لاحت في الأفق تباشير هذا النصر، دليل على نزول مدد الله الموعود متى توفرت الشروط. قد لا يبدو للبعض أن ما تعيشه الأمة اليوم مقدمات النصر لأن الثمن الذي دفعه المسلمون كبير، لكن هل من اعتبار في سنة الله؟ وهل من  تدبر في القرآن؟ وإعادة قراءة القرآن قراءة متدبرة مستبصرة لسنة الله تفيد ” أن القرآن ما خصص لذكر اليهود والنصارى ذلك الحيز الضخم ليس لمجرد أن يقص علينا تاريخا قد مضى وانقضى ولا لمجرد العبرة بالغابرين، وإنما فعل لهدايتنا إلى المسار الذي يجب أن نتبعه أفرادا للفوز بالنجاة في الآخرة، وأمة لنفوز بالاستخلاف الموعود، وإقامة دين الله في الأرض على منهاج النبوة، تلك الخلافة التي يراها غيرنا بعيدة، ويراها من يقرأ سنة الله ويثق بوعد الله وبشارة رسول الله قريبة” (كتاب سنة الله، ص238).