البرج الاستراتيجي وتبرج الجاهلية

Cover Image for البرج الاستراتيجي وتبرج الجاهلية
نشر بتاريخ

يحمل مفهوم الجاهلية عند الأستاذ عبد السلام ياسين _ رحمه الله تعالى- معنيين اثنين: معنى الجهل ضد العلم، ومعنى الجهل ضد الحلم، حيث يقول –رحمه الله تعالى-: “وردت كلمة الجاهلية في القرآن الكريم مقترنة بالحمية والعصبية (..) الجاهلية بعد هذا تحمل معنيين آخرين: الجهل ضد المعرفة، فهي لا تعرف الله تعالى، والجهل ضد الحلم، وهو العنف” 1، ويتسع مفهوم الجاهلية عنده ليعم مجالات مختلفة، وليرتكز على خصائص أربعة هي: ظن الجاهلية، حكم الجاهلية، وحمية الجاهلية وتبرج الجاهلية.

ومن أهم هذه الخصائص خاصية تبرج الجاهلية التي حملها الأستاذ دلالات مختلفة، وجعلها آلية منهاجية للتحليل والتأويل القرآني والاجتماعي والسياسي والسلوكي، ومن هنا يطرح السؤال: ما علاقة المرأة بتبرج الجاهلية؟ 

يقول الله سبحانه وتعالى مخاطبا نساء النبي وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[سورة الأحزاب- الآية: 33].

ويتفق أهل اللغة والتفسير على معنى واحد لمفهوم التبرج مفاده إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال، وقد اشتقت الكلمة من البرج ومعناه القصر والحصن قال الله تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ[سورة النساء- الآية:78].

المطلب الشرعي هو استقرار المرأة في بيتها، أما خروجها وإظهار زينتها بقصد الإغراء يجعلها تساهم في الفسق والفساد الأخلاقي ونشر الجاهلية. يقول الإمام المرشد «إظهار الزينة بقصد الإغراء وكشف ما يجب ستره من أعضاء الجسم معاص وفسق، ومشاركة في نشر الجاهلية، ومساهمة في الحياة الجاهلية» 2.

وقد حدد لنا –رحمه الله تعالى- البرج الذي خصصه القرآن للمرأة المسلمة والذي إن خرجت منه تعتبر متبرجة تبرجا كليا، وهو خروجها من برجها الإسلامي مظهرا ووظيفة وأخلاقا ودينا، وبهذا نفهم أن معنى البرج ينتقل من المفهوم العادي المتعارف عليه إلى مفهوم قرآني شامل يرتقي بالمسلمة إلى مدارج الإحسان،فالبرج الذي ألزمها به القرآن وحددته لها السنة ليس سجنا وجدرانا تخنق حريتها وإرادتها، إنما هو موقع استراتيجي تدافع به عن عقيدتها لتتصدى لحكم الجاهلية، وتبتعد عن حمية الجاهلية وعصبتيها الرعناء.

ويقدم الإمام-رحمه الله تعالى- مفهوما آخر للتبرج وهو تخلي المؤمنة عن دورها الجهادي، حيث ساوى بينها وبين المرابط في الجهاد الدفاعي، فالمرابط يرابط في برجه دفاعا عنه، وكذلك المرأة المسلمة ترابط في برج الدفاع التربوي إلى جانب مشاركتها الرجالَ في الشؤون الجهادية، يقول –جزاه الله خيرا-: «إن كان على المسلمين الرجال أن يرابطوا في أبراج الدفاع الخشن الجسدي العسكري، فإن  على المسلمات أن يرابطن في أبراج الدفاع التربوي أساسا، ثم مساعدة المسلمين الرجال في الشؤون الجهادية الأخرى» 3.

وبرج المؤمنة هو الحافظية مصداقا لقوله تعالى: فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله[سورة النساء- الآية:34]. فصلاح المرأة وخروجها من تبرج الجاهلية لن يتأتى إلا بحافظتيها، حفظا للبيت والنسل.

ولكي ترتقي المؤمنة من الجاهلية إلى الإسلام وتكون مؤهلة للجندية والبطولة يجب أن تتحرر من النظرة الدونية التي تهمّشها وتلغي إرادتها وتحوّلها إلى كائن ضعيف مضطهد.

ثمّ يقدّم الأستاذ المرشد العتاد الذي يجب أن تتسلح به المؤمنة لتتحرر من قيود الجاهلية وتقاوم غزوها، وهو أن تعرف ماهية الجاهلية وحقيقتها، ولن تتمكّن من ذلك مالم تعرف ما فرضه الله عليها من فروض وما وكّلت به من مهام، وما حقيقة وجودها على ظهر البسيطة وما مصيرها بعد الموت.فيقول: «لكي تدفع المؤمنة في صدر الجاهلية وتقاوم غزوها وترد كيدها لا بد أن تعرف ما هي الجاهلية، لكن هذه المعرفة النظرية تأمل وحلم ما لم تعرف المرأة المسلمة من هي وما فرض عليها، وما لم تتذكر ما خلقت من أجله وما ينتظرها بعد الموت، وما وكل إليها من مهمات، وما عاقبة الوفاء بها في تلك الدار» 4


[1] عبد السلام ياسين- الإسلام والقومية العلمانية – ص 153.
[2] عبد السلام ياسين – تنوير المومنات، ج الأول، فصل تبرج الجاهلية ص 111.
[3] عبد السلام ياسين – تنوير المومنات، ج الأول،  ص 111.
[4] عبد السلام ياسين – تنوير المومنات، ج الأول،  ص: 126.