الانتخابات في المغرب: قراءة تاريخية (4)

Cover Image for الانتخابات في المغرب: قراءة تاريخية (4)
نشر بتاريخ

انتهت الحلقة الثالثة من هذه القراءة عند محطة 1977 بوصفها أول عودة نسبية للاستقرار البرلماني بعد سنوات الاستثناء والانقلابين الفاشلين. غير أن فحص الملابسات التي أحاطت بهذه العودة يكشف أن استئناف الحياة النيابية لم يعن بالضرورة استئناف الاصطفاء الحر الذي يفترضه المعنى اللغوي لكلمة “انتخاب”، بل حمل معه أدوات جديدة لضبط نتائج الصندوق سلفا.

بعد سنوات من الانقطاع الفعلي للحياة النيابية، وبعد استرجاع المغرب لأقاليمه الصحراوية سنة 1975 في سياق شهد التفاف وطني واسع حول القضية، أعلن الملك الحسن الثاني عما سمي آنذاك “المسلسل الديمقراطي”، الذي انطلق بالانتخابات الجماعية لسنة 1976 ثم تلته الانتخابات التشريعية في 3 يونيو 1977. ومنذ ذلك التاريخ لم يعرف المغرب انقطاعا كليا آخر عن الاستحقاقات الانتخابية كما وقع في مرحلة الاستثناء، لكن استمرارية الصندوق لم تكن كافية وحدها لضمان نزاهة ما يفرزه.

شكلت الانتخابات الجماعية لسنة 1976 محطة كاشفة في هذا الصدد. فقد روى شهود سياسيون من ذلك الجيل، في شهادات نُشرت لاحقا، أن نتائج مكاتب التصويت في عدد من الدوائر عُدّلت قبل إعلانها من طرف وزارة الداخلية، وأن ضغوطا مورست على عدد من الفائزين المحسوبين على الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لحملهم على إعلان الحياد أو التعاون مع التيار الذي انتزع الصدارة، والذي عُرف وقتها باسم “الأحرار”، قبل أن يتحول لاحقا إلى حزب سياسي مهيكل.

مع اقتراب موعد التشريعيات لسنة 1977، تكرر النمط الذي رصدته الحلقة الثانية من هذه القراءة في محطة 1963: تشكل، من صفوف عشرات النواب الذين ترشحوا دون انتماء حزبي معلن وشكلوا أغلبية البرلمان الجديد، تنظيم سياسي جديد حمل اسم “التجمع الوطني للأحرار”، بقيادة أحمد عصمان، صهر الملك الحسن الثاني آنذاك، ليخلف بذلك “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” في موقعها كإطار سياسي قريب من دوائر القرار. وقد وصفته المعارضة اليسارية باستمرار بـ”الحزب الإداري”، في إشارة إلى استفادته من نفوذ الإدارة الترابية في حسم النتائج لصالحه، وهي التسمية التي رفضها قادته باستمرار.

من الأمثلة الأكثر دلالة على حجم التوجيه الذي طال بعض محطات هذه المرحلة، ما أورده باحث فرنسي في دراسة أكاديمية عن تشريعيات 1970، حين تتبع نتائج خمس وثمانين دائرة انتخابية شهدت تعدد الترشيحات، ليخلص إلى أن الدعم الذي حظي به المرشحون “الرسميون” من السلطات كان جليا لدرجة لا تدع مجالا للشك. وساق كمثال دال حالة دائرة الحسيمة، حيث فاز مرشح لم تكن تربطه أي صلة بالمنطقة، لكنه كان يشغل منصبا في كتابة الدولة بوزارة الداخلية، بما يقارب عشرين ألف صوت، مقابل ستة عشر صوتا فقط حصل عليها منافسه المنحدر من المدينة نفسها. هذا التفاوت الصارخ، الذي يصعب تفسيره بمنطق انتخابي عادي، يختزل بدقة السؤال الذي افتتحت به هذه السلسلة: أي معنى يبقى لكلمة “انتخاب” حين تنقلب المعادلة إلى هذا الحد بين وزن النفوذ الإداري ووزن الصلة الحقيقية بالناخبين؟

تكشف هذه المرحلة عن تحول نوعي في طبيعة الإشكال الذي تتبعته هذه القراءة منذ حلقتها الأولى. فبعد أن كان الانقطاع، في مرحلة حالة الاستثناء، انقطاعا صريحا ومعلنا عن الاقتراع بالكامل، أصبح الإشكال في هذه المرحلة اللاحقة أكثر تعقيدا والتباسا: الصندوق حاضر، والحملات الانتخابية تُنظم، والنتائج تُعلن، لكن الآليات التي تفرز هذه النتائج، وفق ما توثقه شهادات الفاعلين ودراسات الباحثين، لم تكن دائما آليات اصطفاء حر بالمعنى الذي يفترضه أصل الكلمة، بل كانت في كثير من الأحيان آليات توجيه مسبق للنتيجة عبر النفوذ الإداري والترابي. وهذا ما يفسر لماذا ظل التنظيم الفائز في كل محطة كبرى، من “الفديك” سنة 1963 إلى “الأحرار” سنة 1977، تنظيما وليد اللحظة الانتخابية نفسها، لا حزبا راكم شرعيته عبر مسار نضالي أو برنامجي طويل. هذه الدينامية ستستمر بأشكال متجددة عبر عقد الثمانينيات، وهي المرحلة التي شهدت أيضا ميلاد حركات إسلامية جديدة على الساحة المغربية، وهو ما ستتناوله الحلقة الخامسة من هذه القراءة.