الانتخابات في المغرب: قراءة تاريخية (١)

Cover Image for الانتخابات في المغرب: قراءة تاريخية (١)
نشر بتاريخ

لم تكن مسألة اختيار من يتولى القيادة أو يمثل الجماعة يوما مسألة هامشية في تاريخ الاجتماع الإنساني، بل كانت وما تزال إحدى أكثر القضايا التصاقا بجوهر العمران البشري ذاته. فمنذ أن عرف الإنسان الاجتماع القبلي والعشائري، طرح على نفسه سؤالا محوريا: من يقود؟ ومن يقرر؟ وبأي سند تكون له هذه السلطة على غيره؟ وقد تفتقت العقول البشرية، عبر أحقاب متعاقبة، عن صيغ متعددة للإجابة عن هذا السؤال، تراوحت بين التوريث والغلبة والقرعة والتشاور، إلى أن استقر جانب كبير منها على فكرة الاختيار الجماعي بوصفها الأقرب إلى العدل والأكثر ضمانا لرضا المجتمع عن قيادته.

ففي المجتمعات القبلية القديمة، كان “شيخ القبيلة” أو “سيدها” يُختار غالبا عبر مجلس من الشيوخ والوجهاء يتداولون فيمن تتوفر فيه خصال الحكمة والشجاعة والنسب الرفيع، في صيغة بدائية لكنها دالة على وعي إنساني مبكر بأن القيادة أمانة تستوجب اصطفاء لا فرضا. وقد شهدت أثينا القديمة، في القرن الخامس قبل الميلاد، واحدة من أبكر التجارب المنظمة لهذا الاصطفاء الجماعي، حين اعتمد نظامها السياسي على مزيج من الانتخاب المباشر والقرعة لشغل المناصب العامة، فيما عرفت روما، عبر جمعياتها الشعبية “الكوميتيا”، صيغا مشابهة لاختيار القناصل وكبار الموظفين. وفي الجزيرة العربية قبل الإسلام، لم تكن العرب بمعزل عن هذا الوعي؛ فقد جرت عادتها أن يجتمع سادات القبيلة في ما يشبه “دار الندوة” ليتشاوروا في أمر الرئاسة والحرب والسلم، وهو ما يكشف أن فكرة التشاور الجماعي في اختيار القيادة لم تكن غريبة عن الوجدان العربي قبل أن يأتي الإسلام فيهذبها ويرفع من قيمتها.

ومع مجيء الإسلام، اكتسب هذا المبدأ بعدا تأسيسيا جديدا تمثل في مفهوم “الشورى” الذي نص عليه القرآن الكريم، وفي آلية “البيعة” التي تجسدت عمليا في اختيار الخلفاء الراشدين، حيث لم يكن انتقال السلطة توريثا بل اجتهادا جماعيا يراعي الكفاءة والصلاح والسبق، وإن اختلفت صيغه من خليفة إلى آخر. وقد ظلت هذه الروح حاضرة، بتفاوت وتراجع أحيانا، عبر تحولات التاريخ الإسلامي اللاحق. وفي أوروبا الوسيطة، تطورت المجالس النيابية والبرلمانات المحلية تدريجيا من رحم صراع الطبقات مع السلطة الملكية، لتفضي، بعد قرون من التطور، إلى صيغة الاقتراع العام كما نعرفها اليوم، والتي لم تكتمل ملامحها الحديثة إلا مع القرنين التاسع عشر والعشرين، حين اتسعت دائرة المشاركة تدريجيا لتشمل فئات كانت مستبعدة منها كالفقراء والنساء.

هذا المسار التاريخي الطويل يقودنا إلى سؤال لغوي بالغ الدلالة: ماذا تعني كلمة “انتخاب” في أصلها العربي؟ الفعل “انتخب” مشتق من الجذر “ن خ ب”، ومنه “النخبة”، وهي خلاصة الشيء وأجوده وأخلصه. يقال “انتخبت الشيء” إذا اخترت أفضله وأصفاه من بين أمثاله، و”النخبة من الناس” هم خيارهم وصفوتهم. فالانتخاب في أصله اللغوي ليس مجرد تصويت أو عد أصوات، بل هو فعل اصطفاء دقيق يفترض في القائم به تمييزا وحسن نظر، ويفترض في المُنتخَب أن يكون بالفعل من “النخبة”، أي من الأخيار الأكفاء الذين يستحقون هذا الاختيار بمزاياهم الحقيقية.

وهنا يبرز التساؤل الجوهري الذي ستحاول هذه السلسلة أن تقاربه: هل ما يجري اليوم تحت مسمى “الانتخابات” منسجم فعلا مع هذا المعنى اللغوي العميق؟ أم أن هناك فجوة تتسع كل استحقاق بين اسم العملية ومضمونها؟

هذه الفجوة بين اللفظ ومدلوله ليست مسألة نظرية أو ترفا لغويا، بل هي المدخل الحقيقي لفهم أزمة الثقة التي باتت تلازم الاستحقاقات الانتخابية في أكثر من تجربة، والتجربة المغربية ليست استثناء. فحين يلاحظ المواطن، دورة بعد أخرى، أن من يصل إلى قبة البرلمان أو إلى رئاسة مجلس جماعي ليس بالضرورة الأكفأ ولا الأنزه ولا الأقدر على تدبير الشأن العام، بل ربما كان الأقدر على الإنفاق الانتخابي أو على تعبئة الشبكات الزبونية أو الاصطفاف الحزبي المناسب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أي معنى تبقى لكلمة “انتخاب” إذا لم تعد النتيجة انتقاء لنخبة صالحة، بل ترسيخا لمعادلات قوة لا علاقة لها بالكفاءة أو الأمانة؟ إن هذا التفاوت بين الاسم ومسماه هو ما يجعل شريحة واسعة من المغاربة تطرح، بمرارة متصاعدة، سؤال الجدوى: ما جدوى انتخابات لا تفرز في غالب الأحيان من يستحق فعلا أن يمثل الناس ويدبر شؤونهم؟

يزداد هذا السؤال إلحاحا حين ننتقل من لحظة التصويت إلى ما بعدها، أي إلى لحظة الممارسة الفعلية للسلطة. فالمواطن الذي يذهب إلى صندوق الاقتراع إنما يذهب، من حيث المبدأ، ليفوض من يختاره بتدبير الشأن العام وفق برنامج وتوجه يرتضيه. لكن التجربة المغربية، كما في تجارب أخرى مشابهة، كشفت مرارا عن مفارقة لافتة: حكومة منبثقة عن صناديق الاقتراع، لكنها تجد نفسها، في كثير من الملفات المفصلية، محكومة أكثر مما هي حاكمة، مقيدة بهوامش ضيقة لا تملك معها أن تفي بما وعدت به الناس الذين انتخبوها. وحين تتكرر هذه المعادلة دورة بعد دورة، يترسخ في الوعي الجماعي انطباع بأن صوت الناخب، مهما بلغت نسبة المشاركة أو نزاهة الفرز، لا يترجم فعليا إلى قرار، وأن السلطة الحقيقية تدار من مواقع أخرى بعيدا عن المؤسسة المنتخبة، فتتحول الحكومة إلى واجهة تنفيذية أكثر منها جهة تقرير، وهو ما يفرغ الفعل الانتخابي من مضمونه العميق ويرد السؤال اللغوي الذي بدأنا به: أي “اصطفاء” هذا الذي لا يفضي إلى سلطة فعلية لمن اصطُفي؟

ولا تقف المفارقة عند حدود العلاقة بين الحكومة ومن فوقها، بل تمتد إلى العلاقة بين النائب البرلماني ومن انتخبه. فكثيرا ما يجد المواطن نفسه أمام مشهد يصعب تفسيره بمنطق التمثيل السليم: نواب يصوتون، بانضباط حزبي أو بحسابات مصلحية ضيقة، على قوانين أو قرارات تمس مباشرة مصالح الفئات التي أوصلتهم إلى مقاعدهم، سواء تعلق الأمر بالقدرة الشرائية أو بالخدمات الأساسية أو بالحقوق الاجتماعية. وهنا تنقلب المعادلة رأسا على عقب: بدل أن يكون النائب صوتا للناخب في مواجهة السلطة، يتحول أحيانا إلى أداة لتمرير قرارات السلطة في مواجهة الناخب نفسه. وإذا كان أصل الكلمة يقتضي أن يكون “المُنتخَب” هو “الأمين” على مصلحة من اختاره، فإن هذا الانفصال المتكرر بين التصويت البرلماني ومصلحة القاعدة الانتخابية يمثل، من زاوية لغوية ودلالية، انقلابا على المعنى الأصلي لكلمة “انتخاب” ذاتها.

هذه الإشكاليات مجتمعة، التاريخية واللغوية والواقعية، هي ما ستحاول هذه السلسلة أن تتقصى جذوره في التجربة المغربية تحديدا: كيف تطورت الانتخابات في المغرب منذ فجر الاستقلال إلى اليوم؟ وهل كانت، في محطاتها المتعاقبة، اصطفاء حقيقيا أم إجراء شكليا أُريد به تدبير التوازنات أكثر مما أُريد به تمثيل الإرادة الشعبية؟ هذا ما ستحاول الحلقات المقبلة من هذه القراءة التاريخية أن تجيب عنه، محطة تلو أخرى.