الاحتفال بالمولد النبوي

Cover Image for الاحتفال بالمولد النبوي
نشر بتاريخ

هلت علينا أيام مباركة ونفحات ربانية مع بزوغ هلال الربيع النبوي، هذا الشهر الذي عرف فيه الكون ميلاد أحب خلق الله إلى الله، سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم والذي أضيئت بنور ولادته قصور الشام، وسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة، ورأت اليهود نجم مولده في السماء، كل ذلك كان إيذانا من المولى عز وجل على أهمية الحدث، حدث المولد النبوي وحتى تبقى لهذا الحدث ذكرى في القلوب والعقول كما له ذكرى في الزمان والمكان. جاء محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وجعل حبه وحب آل بيته معلوما من الدين، فلا مناص من الوقوف على بابه للدخول على المولى الكريم، بل إن تعظيمه وتكريمه والتفاني في محبة شخصه الكريم والتي لا حدود لها لمما يطوي المسافات ويقرب المراد، وهذه شهادة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم في أبي بكر تأتينا ناصعة معبرة لمن أراد أن يصل من أقرب الطرق “ما فاتكم أبا بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في صدره”

بقي في الأمة شيء مما وقر في صدر أبا بكر من محبة وتعظيم الجناب الشريف عبر قرون مضت، وإن خمدت مظاهر هذه المحبة من إتباع هديه وإحياء سنته، ولكن الخير باق في هذه الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

من مظاهر ولاء الأمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إحياء ذكرى مولده واعتبارها يوم عيد هلت على الكون أنواره، فاختلفت مظاهر هذا الاحتفال من زغاريد النساء فجر هذا اليوم فوق سطوح المنازل، إلى الاهتمام بالمظهر بلبس أحسن الملابس، إلى الزيارات وتقديم أطايب الطعام والحلوى، إلى الإكثار من الصلاة عليه ومدحه عبر أناشيد وأهازيج شعبية رائعة. هذه هي الأمة وهذا حالها مع أغلى وأعز ذكرى في الوجود.

ولكن مع كامل الأسى والأسف طلع عليها من يضيق هذا الواسع ويسد باب أجر عظيم وخير عميم إن كانت هناك النية الصادقة المصدقة بمحبة النبي والآل، وذلك باعتبار الاحتفال بذكرى المولد النبي الشريف تارة حراما وتارة أخرى بدعة مستحدثة يحسن تجنبها وعدم إظهار أي نوع من الفرح أو الاهتمام بها. فهل يا ترى لهذا الأمر أصل في الدين أم هي حجب الشيطان والغفلة تجعل من الفهم فهما غير سوي ومن النظر نظرا قاصرا؟

 

أما عن التحريم فكيف يعقل أن يحرم شيء كان ولا يزال من لب الدين، فمحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم كانت دأب الصحابة والصالحين والعارفين في كل زمان ومكان، بل إن أخبار هؤلاء في التعبير عن هذه الروابط القلبية كثيرة وغريبة حتى ملأت الآفاق بنظائرها وعجائبها وكل شيء في الشرع حلال في أصله حتى يحرم بنص.

وهذا الإمام الشافعي كباقي الأئمة العظام له هيام لا ينتهي بالجناب الشريف وبالذرية والآل:

 

إذا في مجلس نذكر عليا

وسبطيه وفاطمة الزكية يقال تجاوزوا يا قوم هذا

فهذا من حديث الرافضية برئت إلى المهيمن من أناس يرون

الرفض حب الفاطمية

أما عن كون الاحتفال بذكرى المولد النبوي بدعة وإن الصحابة رضوان الله عليهم لم يفعلوا ذلك، فلا بد من العودة لمفهوم البدعة والسنة لنجد كم من الأمور الكثيرة التي لم يفعلها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعلها الصحابة من بعده بنية “من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة”. فهلا اعتبرنا هذا الاحتفال من السنة الحسنة التي نحي بها ذكرى الحبيب المصطفى في القلوب، ونحي بها الأمة بتذكيرها بأنها خير أمة أخرجت للناس بحمل الرسالة المحمدية، وبشهادتها على العالمين، وبأنها وارثة الرحمة النبوية، وأن على عاتقها بذل النفس والنفيس لتبليغ هذه الأمانة كما فعل من نحتفل بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم.

 

لهذه الأسباب وغيرها رأى كثير من علماء الأمة السابقين والمعاصرين بأن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف جائز شرعا وإن لم يكن له أصل بمعنى أنه لم يحتفل به الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم. إلا أنه ينبغي التذكير والتوضيح بأن هذا الاحتفال هو ليس عبادة من العبادات ولا سنة نبوية وإنما هو من الأمور التي يستحدثها الناس فيأتي الشرع بإباحتها إن لم يكن فيها حراما، أو بمنعها إذا اشتملت على محرمات. والأصل في الاحتفال بهذه الذكرى التذكير بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وبأخلاقه. وفي هذا من الأجر إن شاء الله ما لا يخفى.

وأخيرا نختم قولنا بحديث كبير عظيم يأصل للب العمل في هذا الدين “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه” 1

 

نجدد النية في هذا الاحتفال حتى يكون احتفال محبة وتعظيم وتوقير ووصلة قلبية مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ونعبر عن هذا التعظيم وهذه المحبة بكل مظاهر الفرح بهذا اليوم العظيم لا حدود في ذلك ولا تضييق، وتكفينا إن شاء الله نية خالصة تطوي لنا المسافات وتقربنا من مهجة القلب ونور الأبصار وطبيب النفوس الكريم على الله تعالى عسانا نكون ممن يرد الحوض ويشرب شربة هنية لا يضمأ بعدها أبدا، ونكون من الأحباب المقربين الذين يهنأون بالنظر لوجه الله الكريم فذلك رجاؤنا فيه وظننا به.

اللهم من علينا بمحبتك ومحبة نبيك حتى لا نرى في الوجود سواك. 

آمين.


[1] رواه البخاري ومسلم.