الإنسان الرسالي بين الحرية والفاعلية في التصور المنهاجي

Cover Image for الإنسان الرسالي بين الحرية والفاعلية في التصور المنهاجي
نشر بتاريخ

يُعدّ سؤال بناء الإنسان محورا مركزيا في مختلف المشاريع الفكرية والإصلاحية، إذ لا يمكن لأي مشروع تغييري أن يحقق أهدافه دون تأسيس نموذج إنساني قادر على حمل الرسالة وتحقيق مقاصدها في الواقع. وفي هذا السياق يبرز التصور المنهاجي لجماعة العدل والاحسان باعتباره تصورا متكاملا يهدف إلى إعادة بناء الإنسان على أساس يجمع بين الإيمان والوعي والحركة. وقد أولى هذا المشروع عناية خاصة لمفهوم “الإنسان الرسالي”، باعتباره الفاعل الأساسي في عملية التغيير، والقادر على الجمع بين الحرية كقيمة وجودية، وباعتبارها أساس التحرر من القيود الداخلية والخارجية، والفاعلية كوظيفة تاريخية، وباعتبارها أساس تحويل هذه الحرية إلى ممارسة واقعية ذات أثر.

فكيف إذن يؤسس التصور المنهاجي لمفهوم الإنسان الرسالي في ضوء العلاقة التكاملية بين الحرية والفاعلية؟

أولا- الإنسان الرسالي: محور المشروع المنهاجي

تعد المقاربة الشرعية المنطلق التأسيسي الذي اعتمد عليه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في بناء تصوره الفكري والتربوي، حيث يقوم مشروعه التجديدي على مرجعية مركزية يتمثل جوهرها في القرآن الكريم والسنة النبوية، باعتبارهما المصدرين الرئيسيين للفهم والتغيير. ولا ينظر هذا التصور إلى النصوص الشرعية بوصفها أحكاما متفرقة أو جزئيات مستقلة، بل يربطها ضمن نسق منهجي متكامل يؤسس لرؤية شمولية للإنسان – رجلا وامرأة – في أفق الاستخلاف والعمران وبناء الأمة.

إن استيعاب هذه الرؤية يقتضي تعمقا في فهم أبعاد مفهوم الإنسان الرسالي من خلال الوقوف عند دلالاته التأسيسية ومرتكزاته البنيوية، التي تحدد معالمه ضمن مشروع جماعة العدل والإحسان. وفي هذا الإطار، يحتل مفهوم “الإنسان الرسالي” موقعا محوريا داخل البناء النظري للمشروع، حيث يعتبر حجر الزاوية في عملية التغيير المنشود.

ويشير هذا المفهوم إلى الإنسان الذي يدرك غايته الوجودية إدراكا واعيا، ويؤدي مسؤوليته في إعمار الأرض وفق مقتضيات القيم الإسلامية ومقاصدها الكلية. فلا يختزل هذا الإنسان في كونه كائنا تعبديا منغلقا على ذاته، بل يتجاوز ذلك ليصبح فاعلا ملتزما برسالة إصلاحية شاملة، تستهدف الارتقاء بالذات الإنسانية وتغيير الواقع الاجتماعي. وهو بذلك إنسان واع بمقاصد وجوده ومرجعياته، ومنخرط في قضايا مجتمعه وأمته، وساع لتحقيق العدل والإحسان ضمن مشروع تغييري منظم.

كما يقوم بناء الإنسان على منظومة متكاملة من المرتكزات، تتصدرها:

التربية باعتبارها مدخلا لتزكية النفس وتحريرها من مختلف أشكال الاستلاب، سواء كانت فكرية أو نفسية أو اجتماعية. من خلال هذه التربية، يصبح الفرد قادرا على استعادة حريته الحقيقية، ليكون بذلك مؤهلا لتطوير قدراته، وتحمل مسؤوليته في الإصلاح.

العلم الذي يزود الإنسان بأدوات الفهم والتحليل النقدي، فهو لا يقتصر على المعرفة النظرية فحسب، بل يشمل القدرة على استيعاب الواقع، وتقييم المعلومات، ومواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية بوعي عميق. العلم هنا يمثل الجانب العقلي الذي يكمل البعد الإيماني، مما يجعل الإنسان قادرا على التفكير المستقل واتخاذ قراراته المبنية على تحليل دقيق ومرجعية واضحة.

العمل الذي يترجم القيم والمبادئ المكتسبة من التربية الإيمانية والعلم إلى ممارسات فعلية في الحياة اليومية. فالعمل ليس مجرد نشاط اقتصادي أو اجتماعي، بل هو وسيلة لتحقيق الغاية الرسالية للإنسان من خلال تطبيق القيم الإسلامية في واقع الحياة، والمساهمة الفاعلة في إصلاح الذات والمجتمع وبناء الأمة.

ومن خلال التفاعل بين هذه الأبعاد، يتشكل نموذج الإنسان القادر على حمل الرسالة والاضطلاع بمتطلباتها.

ثانيا- الحرية كشرط تأسيسي لبناء الإنسان الرسالي

يحتل مفهوم الحرية مكانة محورية في البناء الفكري والتربوي عند الإمام ياسين رحمه الله، حيث يتجاوز الدلالات الضيقة المرتبطة بالبعد السياسي أو القانوني، ليؤسس ضمن رؤية شمولية تجعل منه عنصرا بنيويا في عملية بناء الإنسان وإعداده للقيام بوظيفته.

فالحرية في فكره ليست مجرد حق يطالب به، بل هي قيمة وجودية تعبر عن تحرر الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله، وتمكنه من استعادة إنسانيته وكرامته. ومن هذا المنطلق، تتأسس الحرية على مبدأ العبودية لله وحده، باعتبارها المدخل الحقيقي للتحرر، إذ لا يتحقق الانعتاق من القيود الخارجية إلا بعد التحرر من القيود الداخلية. وهذا التكامل يجعل الحرية أساسا لبناء شخصية متوازنة، قادرة على الاستيعاب والمبادرة والتأثير.

ومن هذا المنطلق، لا تفهم الحرية في تصور جماعة العدل والإحسان بوصفها غاية في ذاتها، بل باعتبارها وسيلة لتحقيق إنسانية الإنسان واستعادة فاعليته في بناء الأمة. وفي هذا الإطار، تتخذ الحرية طابعا مركبا يتجاوز الأبعاد الاختزالية، حيث تشمل مستويات متداخلة ومتكاملة، وهي كالتالي:

التحرر الداخلي الذي يشكل الركيزة الأولى للحرية، إذ يعنى بتحرير الإنسان من كل القيود التي تحد من إرادته. ويشمل ذلك التحرر من سلطان الهوى، أي تحرير الإرادة من الانقياد الغريزي للشهوات والرغبات اللحظية، ومن القيود النفسية مثل الخوف والضعف الداخلي، بما يمكن الفرد من مواجهة تحديات الحياة بوعي وثبات.

التحرر الفكري الذي يشير إلى قدرة الإنسان على تجاوز الجمود العقلي الذي يقيده، والتحرر من عادة التقليد الأعمى للآراء والممارسات دون وعي أو تمحيص. ويعتمد هذا التحرر على تنمية الوعي النقدي، أي القدرة على تقييم الأفكار والمواقف وتحليلها بناء على مرجعية إسلامية واعية، مما يمكن الإنسان من التمييز بين الصواب والخطأ واتخاذ قراراته بشكل مستقل ومسؤول.

التحرر الاجتماعي والسياسي الذي يشير إلى قدرة الإنسان على التحرر من كل أشكال الظلم والاستبداد التي تحد من كرامته وحقوقه، سواء أكانت مؤسساتية أو اجتماعية أو سياسية. ويشمل ذلك تجاوز القيود الهيكلية والتقليدية التي تمنع الإنسان من ممارسة حقوقه الأساسية والمشاركة الفاعلة في المجتمع. ويتيح هذا التحرر للفرد الانخراط الواعي في الشأن العام بروح المسؤولية.

وعليه، فإن “كل تغيير في السياسة والاقتصاد فإنما هو تبَعٌ لهذا التغيير الكلي الجوهري للإنسان، ونفسيته وعقيدته وأخلاقه وإرادته، وحركته كلها على الأرض لتكون حركةً لها غاية ومعنى، وارتباط بمصيره بعد الموت، وبمصير أمته في التاريخ” 1. ويظهر من هذا التكامل أن الحرية تشكل ركيزة أساسية لبناء شخصية متوازنة، قادرة على الفهم العميق والمبادرة والتأثير الإيجابي، وشرطا تأسيسيا لتحقيق الفاعلية الفردية والمجتمعية.

ثالثا- الفاعلية بوصفها ترجمة عملية للرسالية

تعد الفاعلية مفهوما محوريا في بناء الإنسان الرسالي، إذ لا يكتمل هذا البناء إلا بانتقال الفرد من مستوى التلقي النظري إلى مستوى الممارسة العملية المؤثرة. فالإنسان الفاعل هو الذي يجسد القيم في سلوكه، ويسهم في إصلاح محيطه انطلاقا من ذاته، ومرورا بأسرته، وصولا إلى مجتمعه. ومن ثمّ، فإن الفاعلية تتخذ طابعا تدرجيا تكامليا، يعكس وحدة المشروع الإصلاحي في أبعاده المختلفة. وتتجلى هذه الفاعلية في عدة مستويات:

الفاعلية في بناء الذات إذ تعتبر الذات نقطة الانطلاق في كل مشروع تغييري، حيث إن بناء الإنسان لنفسه شرط أولي لقدرته على التأثير في غيره. وتتمثل الفاعلية على هذا المستوى في قدرة الفرد على تحقيق الانسجام بين قناعاته وسلوكه، عبر الالتزام بالقيم الأخلاقية والضوابط الدينية.

وتتحقق هذه الفاعلية من خلال:

– التأهيل التربوي، ويقصد به ترسيخ الالتزام الديني والقيمي لدى الفرد، بما يحقق الانضباط الذاتي.
– التأهيل المعرفي، من خلال اكتساب المعرفة التي تمكن الفرد من فهم واقعه.
– التأهيل العملي عبر ترجمة القيم إلى ممارسات يومية، بما يحقق الاتساق بين النظرية والتطبيق.

وتُفضي هذه العناصر إلى تكوين شخصية متوازنة، قادرة على المبادرة وتحمل المسؤولية، وهو ما يُشكل الأساس لكل أشكال الفاعلية اللاحقة.

الفاعلية في بناء الأسرة حيث تعتبر الأسرة المجال الأول الذي تنتقل فيه الفاعلية من بعدها الفردي إلى بعدها الجماعي، حيث يمارس الإنسان تأثيره المباشر في أقرب دائرة اجتماعية إليه. فالأسرة ليست فقط وحدة بيولوجية، بل هي فضاء تربوي وأخلاقي تتشكل داخله القيم والسلوكيات.

وتتجلى الفاعلية في هذا المستوى من خلال:

– التربية الإيمانية والسلوكية التي تشمل الالتزام بالعبادات ونقل القيم عمليًا.
– الاستقرار العاطفي الذي يتحقق عبر توفير بيئة أسرية آمنة ومليئة بالمحبة والدعم.
– المشاركة المجتمعية التي تعكس قدرة الأسرة على الانخراط الفاعل في محيطها الاجتماعي.

وبذلك، تصبح الأسرة مجالا حيويا لتكريس الفاعلية، حيث يُعاد إنتاج القيم في إطار جماعي، مما يضمن استمراريتها واستقرارها.

الفاعلية في بناء المجتمع إذ يمثل المجتمع المجال الأوسع لممارسة الفاعلية، حيث ينتقل الفرد من التأثير المحدود إلى التأثير العام، من خلال الانخراط في قضايا الشأن العام والمساهمة في تحقيق الصالح المشترك.

وتتجسد الفاعلية المجتمعية في:

– المشاركة المدنية: عبر الانخراط في المبادرات الاجتماعية، والعمل التطوعي، والأنشطة الإصلاحية.
– نشر الوعي: من خلال الخطاب التوعوي الذي يعالج القضايا الاجتماعية والثقافية.
– الإسهام في الإصلاح: عبر تقديم مبادرات أو مواقف تسعى إلى معالجة الاختلالات وتحقيق العدالة.

وتُفضي هذه الممارسات إلى تعزيز دور الفرد كفاعل اجتماعي، يسهم في بناء مجتمع متماسك قائم على القيم المشتركة.

ومن هذا المنظور، تصبح الفاعلية امتدادا طبيعيا للتحرر الداخلي والحرية الواعية، ومؤشرا حاسما لشمولية الإنسان الرسالي، الذي تتكامل أبعاده الروحية والمعرفية والاجتماعية ليصبح فاعلا مسؤولا، قادرا على المبادرة وتحمل المسؤولية في كل ميادين الحياة.

وفي مجمل القول؛ يجعل التصور المنهاجي لجماعة العدل والإحسان من الإنسان مدار التغيير ومنطلقه، باعتباره كائنا قادرا على إعادة تشكيل ذاته وصياغة تاريخه. فهو لا يختزل في شروط واقعه، بل يتجاوزها بما يمتلكه من طاقات كامنة ومؤهلات باطنة.

ومن هذا المنطلق يصبح التغيير عند جماعة العدل والإحسان فعلا تربويا قبل أن يكون فعلا سياسيا أو اجتماعيا، إذ لا يمكن – في نظرها – إحداث تحول حقيقي في بنية المجتمع دون إصلاح عميق للإنسان في ذاته وقيمه وسلوكه. فالتزكية، وبناء الوعي، وإحياء الضمير الإيماني تشكل الأسس التي ينبني عليها أي مشروع تغييري أصيل.

وعليه، فإن الإنسان في هذا التصور ليس مجرد متلق لآثار الواقع أو ضحية لإكراهاته، بل هو فاعل مركزي في صنع التحول، يمتلك القدرة على تجاوز العوائق الموضوعية من خلال الإرادة الواعية والتربية المستمرة. ومن هنا تتكامل الأبعاد الروحية والتربوية والتنظيمية في بناء الإنسان القادر على حمل مشروع التغيير، بما يحقق الانسجام بين إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع، في أفق إقامة نموذج حضاري قائم على العدل والإحسان.


[1] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص 86.