الإمام عبد السلام ياسين: الكلمة التي أنجبت تربية، والتربية التي صنعت أثرا

Cover Image for الإمام عبد السلام ياسين: الكلمة التي أنجبت تربية، والتربية التي صنعت أثرا
نشر بتاريخ

حين نستلهم سيرة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، لا نقف عند حدود الفكر المجرّد، ولا عند جماليات القلم وحدها، بل نقف عند نموذج إنساني نادر؛ جمع بين الكلمة والتغيير، وبين الشعر والتربية، وبين الحلم والواقع. لقد كان الإمام صاحب مشروع متكامل، بدأ من إصلاح القلب لينتهي إلى إصلاح المجتمع، وامتد أثره من صفحات الكتب إلى حركة التاريخ.

أولا: القلم الذي كتب للتغيير

لم يكن الإمام كاتبا بالمعنى التقليدي، ولا شاعرا يبحث عن التصفيق الأدبي، بل كان صاحب رسالة، فكتب لأنه كان يرى أن الكتابة مسؤولية، وأن الكلمة موقف، وأن البيان أمانة. فجاءت نصوصه متحررة من الزخرفة الفارغة، ومشبعة بروح التربية والصدق والهمّ الجماعي، والبحث عن طريق الخلاص للأمة.

كان يكتب ليوقظ الهمم، وليس ليُمتع فقط، وكان يُجمّل اللغة بنية الإقناع والإعداد للسير في طريق التغيير

ثانيا: شاعرية الإمام وجدان يسبق الخطاب

لم يكن الإمام شاعر دواوين، لكنه كان شاعر الروح، في مناجاته، وفي خطاباته الإيمانية، وفي لغته القلبية، يتجلى الحسّ الشعري في أنقى صوره: لغة تخرج من القلب إلى القلب، تعبيرات تفيض شوقا إلى الله، وجدان يربط التربية بالسماء، أسلوب يستنهض الأمل دون صخب. كان شعره تربية خفية لا ضجيج فيها ولا ادعاء.

ثالثا: من الكلمة إلى الجماعة حين تتحول الفكرة إلى واقع

لم تتوقف رسالة الإمام عند حدود الكتابة، بل أنجبت واقعا حيا، فمن رحم فكره التربوي والدعوي، نشأت جماعة العدل والإحسان، كـمدرسة تربوية ومشروع قيمي ومسار طويل النفس في الإصلاح.

لقد راهن الإمام على أن الإنسان قبل السلطة، وأن التربية قبل التغيير السياسي، وبناء الضمير قبل تغيير القوانين، فخرجت جماعة تحمل مبادئ المنهاج النبوي وتدعو إليها، جماعة تنبذ العنف وترفض الفوضى، وتلتزم بالسلمية والصبر الاستراتيجي.

رابعا: الدولة والاستقرار الذي صنعته التربية في صمت

رغم أن الجماعة تصنّف في خانة “المعارضة”، إلا أنها لا تنتهج أسلوب “الفوضى” وإثارة القلاقل والتوترات بل تؤسس خياراتها السياسية والاجتماعية والنضالية على منطق التدافع المتكئ على السلمية من جهة وعلى الإعداد الطويل للإنسان في محاضن التربية والتعليم والتوجيه من جهة ثانية. وقد ساهم فكر الإمام عبر أتباعه في تحصين فئات واسعة من تطرف الشباب وإشاعة خطاب اللاعنف، وترسيخ ثقافة الصبر الممزوج بالاقتحام والعمل الميداني المستند إلى التضحية، وتوجيه الغضب الاجتماعي في أفق سياسي راشد وأساس تربوي قاصد.

وهكذا تحقق ما يشبه التوازن الصامت، من خلال معارضة بلا عنف، وحضور مجتمعي بلا فوضى، ومنهج يصانع واقعه دون تهور عنيف يضر المجتمع أو تصالح بليد مع النظام. وهنا تتجلّى عبقرية المشروع.

خامسا: الأدب عند الإمام.. حين تخدم الجمالية الرسالة

جمالية الأسلوب عند الإمام كان اختيارا واعيا لوظيفة الجمال الذي يخدم المعنى. فقد أدرك رحمه الله أن الكلمة حين تُصاغ بميزان الجمالية، تكتسب قدرة على النفاذ إلى الوجدان قبل العقل.

فجمالية الأسلوب عنده كانت وسيطا تربويا؛ تُلطف حدة الخطاب دون أن تفرغه من مضمونه، وتبني الجسور بدل تكريس القطيعة، وتفتح نوافذ الأمل في سياقات يغلب عليها الانسداد. لذلك لم يكن القارئ أمام خطاب يملي أو يدين، بل أمام نص يستدعي المشاركة.

بهذا المعنى، يمكن القول إن جمالية الأدب عند الإمام التقت بحكمة الدعوة، باعتبارها استراتيجية وعي تجعل الرسالة أقدر على البقاء والتأثير، وتُعيد وصل الخطاب الدعوي بالإنسان في أفقه الإنساني والأخلاقي العميق.

خاتمة

خلاصة القول؛ إن الإمام عبد السلام ياسين استطاع أن يجعل من الكلمة أداة تربية قبل أن تكون وسيلة إقناع، ومن الجمال اللغوي جسرا يعبر به المعنى وإلى القلوب دون عنف أو استعلاء، فظل أدبه شاهدا على أن الخطاب حين يسمو في لغته يسمو في أثره، وحين يتصل بالوجدان، يصبح أقدر على البقاء وصناعة التغيير المأمول.