الإمام المربي والمجاهد الصادق

Cover Image for الإمام المربي والمجاهد الصادق
نشر بتاريخ

منذ أزمان وعقود خلت، منذ تفرق السلطان والقرآن، أذعنوا في تلقين الأجيال مبدأ الصمت. “الصمت من ذهب والكلام من فضة”.. يطبعون شخصية المرء مع الخوف ويعتبرون الكلام علة يجب تجنبها، والخوف على النفس والتزام الأنا حذر ورعاية، المشي بجانب الحائط وقاية، الانزواء والخنوع وعدم الصراخ في وجه الظلم طيبوبة وشهامة… هكذا تم ترويض أجيال وأجيال خانعين مستكينين مستغنين عن أبسط حقوقهم. فصار المنكر سيد الموقف؛ يرتدي بدلته الأنيقة وينتشي وسط العموم منتصب القامة، يمد يده للعقول البلهاء، تقبلها من الأمام والوراء، تنحني أمام سيادته بكل ولاء، لا أحد يتكلم، الكل في شرود وانزواء…
والمعروف عاش في صمت رهيب ومخيف وكئيب لسنوات، يغزو القلوب المؤمنة كالأمل الصامت، ينبض كالحنين، ينمو كاليرقة، يحلم بالخروج إلى الوجود في أبهى حلة، وينبت كالزهر الجميل في روضة غناء…

ويحكي التاريخ، في المغرب الأقصى، شمال إفريقيا، زمن عصيب وُصف بسنوات السوط والرصاص، لا شيء يسود سوى العصا لمن عصى، الظلم والسجن في الأقاصي لمن بادر وتكلم… خرج رجل أربعيني، إمام مربٍّ ومجاهد صادق، يحمل شعار النصح والخير للأمة، حاول التوحيد ولمّ الشمل، فلم يستسغ قومٌ الفكرة، عنون مشروعه بشعار “العدل والإحسان”، عدلا: تمكين الناس من حقهم في عيش حر، كريم وعادل، وإحسانا: حقهم في معرفة ربهم وعبادته عن علم، وبلوغ المقامات فوزا برضى الله ورؤية وجهه سبحانه وتعالى في الآخرة.

كانت النواة الأولى أسرة تأسست على يدي الإمام وثلاث من صحبه، وبفضل الله ومنه صارت جماعة. حذر من الطغيان الذي يولد الحرمان، ونصح بالإسلام أو الطوفان، واستشرف برؤية حكيمة لمستقبل الأمة، ولم يستكن للظلم والبهتان. رفض رغد العيش وزيف الألقاب والمناصب، فكانت الضريبة كبيرة نالت من حرية الرجل؛ فحوصر واضطهد، وضعوه في سجون واتهموه بالجنون. ورغم كيد الكائدين نور وجهه وفكره سطع في الوجود، وغزى القلوب المؤمنة، استنهض بفضل الله إرادة وهمم شباب ورجال آمنوا بأن دوام الحال من المحال، وأن الله سبحانه وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

شباب ورجال ونساء اتخذوا من محمد الأمين قدوة إلى يوم الدين، ومن كتاب المنهاج النبوي الذي سطره الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله دربا لنصرة المستضعفين ومكافحة الظالمين. جعل من التربية أساس بناء الإنسان الذي سيقود التغيير، والتنظيم طريقا للعمل من أجل التحرير ثم الزحف الذي عنوانه “لا للعنف” راية بناء العمران، ثم قومةً في وجه أركان الجبر والطغيان. رجال ونساء مرابطون ومرابطات على ثغر اليقين بأن النصر والعزة لهذه الأمة، مهما تجبر الظالمون وعتوا في الأرض الفساد، مهما استشرى سرطان الجاهلية في جسد الأمة وتمددت روحها، فالصحوة الإسلامية من صنع أيدي المؤمنين إيمانا ويقينا روح جديدة ستنعش جسد الأمة. فإذا كان الصمت من ذهب فالكلمة الحرة الصادقة في وجه الظلم جهاد ونُصرة؛ ابتداء بتربية جيل الصحوة الإسلامية على الرجولة والأخلاق والمروءة، والانتظام في صف جند الله، الذي يقود البناء نحو التحرير والنصر.

رحم الله الإمام المجدد، المربي، العالم، المفكر، الناصح، المجاهد. وجعلنا على دربه وخطاه في التربية والبناء. وجعلنا من عمله الصالح الذي لا ينقطع أبدا، جيلا بعد جيل.