الإعلام بين التضليل والتلميع: صناعة الواقع وإخفاء الحقيقة

Cover Image for الإعلام بين التضليل والتلميع: صناعة الواقع وإخفاء الحقيقة
نشر بتاريخ

منذ اللحظة التي يصبح فيها الصباح ضبابيا فوق الأزقة القديمة والأسواق المكتظة، يبدأ الإعلام في ممارسة دوره، ليس كمرآة للحقيقة، بل كراسم لإطارها، كمن يعيد تشكيل الواقع حسب رؤية السلطة، كنافذة صغيرة ترى من خلالها الصورة التي تريد الدولة أن تراها، لا الصورة التي يعيشها الناس. الإعلام الرسمي هنا هو أكثر من مجرد أداة نقل الأخبار؛ إنه تجربة فلسفية، تجربة في إعادة تعريف الوعي الجمعي، في رسم حدود الممكن والمسموح، في اختيار ما يرى وما يخفي، في تقسيم الواقع إلى ما هو “رئيسي” وما هو “هامشي”، وكأن حياة المواطن، وأحلامه، ومعاناته، وكرامته، ليست سوى هامش في كتاب كبير يكتب على دفاتر الحكومة.

منذ سنوات ما بعد الاستقلال، مر الإعلام بمحطات متشابكة، حيث تحولت الصحافة والتلفزيون والإذاعة إلى أدوات لتنظيم الرأي العام، بدل أن تكون مساحة حرية للفكر والنقد. الحكايات المحلية، الصرخات الخفية للريف والجنوب، أصوات العمال المعطلين والنساء المهمشات… بقيت حبيسة الجدران والأزقة، بينما تصاغ الأخبار الرسمية بلغة مؤسسية متكلفة، تخفف من وقع الفقر، وتزين أحداث الفساد والتجاوزات السياسية، وكأن الواقع ذاته يجب أن يكون صقيلا، بلا نتوءات، بلا أصوات حقيقية.

الإعلام، بهذه الطريقة، أصبح جزءا من منظومة السلطة النيوليبرالية. فالنيوليبرالية ليست مجرد سياسات اقتصادية؛ إنها إعادة تشكيل للعلاقات بين الإنسان والدولة، بين الفرد والسوق، بين الهامش والمركز. والإعلام، هنا، يتحول إلى صانع للوعي، لكنه وعي محدود، وعي يقنع الناس بأن القهر الاقتصادي والاجتماعي طبيعي، وأن النجاح والحرية مرتبطان بالقدرة على الاستهلاك والتكيف مع السوق الحر، وليس بالحق في العيش الكريم. كل تقرير إخباري، كل نشرة رسمية، كل صورة مصورة بعناية، تحمل رسالة ضمنية: أن الواقع يدار من الأعلى، وأن صوت الهامش، مهما علا، لا وزن له إلا حين يتجاوز حدود الصمت، حين يصرخ في الميادين والأزقة والفضاءات البديلة على الإنترنت.

وفي هذا السياق، يصبح الهامش نفسه فلسفة مقاومة. فالأخبار التي لا تنقل، والصور التي لا تعرض، والقصص التي تحجب، تصبح علامات على حياة حقيقية، حياة تتجاوز حدود ما يسمح به، حياة تتحدث بلغة الصمت، بلغة الرفض، بلغة المواجهة غير المرئية. حراك الجزائر، حركة 20 فبراير، الثورات، احتجاجات المعطلين، صرخات النساء اللواتي يكافحن ضد التهميش المزدوج… كلها أصوات هامشية لم يلتقطها الإعلام الرسمي في الوقت الحقيقي، لكنها تبقى حية، تعيد كتابة التاريخ، وتعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتثبت أن الهامش لا يموت، حتى لو حاول الإعلام الرسمي أن يمحو أثره.

الفضاء الإعلامي إذا هو مساحة صراع؛ صراع بين الحقيقة والصورة الرسمية، بين الواقع والهامش، بين ما يعرض وما يخفى. كل قصة يتم حذفها، كل حدث لا يسجل، كل صوت يسكت، يترك فراغا فلسفيا، يدعونا للتفكير، للتساؤل، للتأمل: ما هي الحقيقة إذا لم يُروَ كل ما يحدث؟ ما قيمة الإعلام إذا كان مجرد مرآة مشوهة للسلطة؟ هل يمكن للإنسان أن يفهم واقعه، ويعيش وعيه، إذا كان يعيش في ظل إعلام يحدد له ما يرى وما يسمع وما يعتقد؟

وعندما نتأمل هذا الإعلام، نجد أن صمته ليس مجرد غياب للمعلومة، بل ممارسة عملية للقوة. الصمت هو جزء من الهيمنة، الإخفاء هو شكل من أشكال التحكم في الوعي، التزييف هو فن تحويل الفشل إلى نجاح، والمعاناة إلى رقم أو تقرير. لكن الهامش، رغم كل ذلك، يبقى حيا؛ في الأزقة، في القرى، في صفحات التواصل الاجتماعي، في قلوب الشباب والنساء الذين لا يرضون أن يكونوا مجرد أرقام، في صرخاتهم التي لا يمكن لأي كاميرا رسمية أن تلتقطها بالكامل.

الإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل تجربة فلسفية في فهم العلاقة بين السلطة والمجتمع، بين الحقيقة والتمثيل، بين الفرد والجماعة. إنه اختبار للوعي الجمعي، ومكان لمراجعة معنى الحرية والعدالة والكرامة. كلما حاول الإعلام الرسمي أن يخفي الهامش، كلما أثبت الهامش وجوده، وكلما أصبح السؤال أكبر: هل الحقيقة موجودة في البث الرسمي، أم في أصوات الصمت، في الزوايا الخفية، في الهامش الذي يرفض أن يموت؟

الإعلام، كما في كثير من المجتمعات، لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار والمعلومات، بل أصبح أداة قوية لإعادة إنتاج السلطة لصناعة الواقع وفق مصالحها، والتحكم في وعي المجتمع. بين التضليل والتلميع، تتشكل صور الحياة اليومية بطريقة تخفي الفوارق الطبقية، وتخفف من أثر الفقر والهشاشة، وتخلق شعورا زائفا بأن كل شيء يسير وفق خطة محكمة ومتوازنة، بينما الواقع الحقيقي يصرخ في الشوارع، في الاحتجاجات، وفي حياة الفقراء والمهمشين.

التضليل هنا يظهر في كيفية تقديم الأخبار، وفي اختيار الأحداث التي تعرض أو تحجب، وفي إعادة صياغة الأحداث بطريقة تجعل المواطن العادي يرى العالم من منظور محدود، بعيد عن جذور المشاكل، بعيد عن فساد السلطة، بعيد عن تأثير السياسات النيوليبرالية، وبعيد عن نضالات المعطلين. الإعلام غالبا ما يختزل الاحتجاجات في صراعات صغيرة، ويغيب عن المشهد دور المجتمع المدني، ويركز على التفاصيل الشكلية بدل العمق الاجتماعي والسياسي للقضية، ليبقى المواطن في دائرة من المعلومات الجزئية التي لا تكشف الحقيقة كاملة، ولا تعكس أصوات الهامش.

أما التلميع، فهو الوجه الآخر للإعلام، حيث يستخدم لإخفاء العيوب الهيكلية للدولة، لتقديم السياسات النيوليبرالية، ولتسويق صور زائفة للنجاح الاقتصادي أو الاجتماعي، بينما الواقع الحقيقي يعاني من البطالة والفقر والهشاشة. البرامج الموجهة، والأخبار المصاغة بعناية، والمقابلات الانتقائية، جميعها أدوات لتجميل الصورة العامة، لتقليل الضغط على السلطة، ولإعادة إنتاج الصمت، بحيث يعتقد المواطن أن القهر، والتهميش، والفوارق الطبقية هي واقع طبيعي أو حتمي، وليس نتيجة سياسات مقصودة وممارسات منهجية.

ومع ذلك، الإعلام ليس مجرد أداة للطغيان على الوعي، بل هو أيضا ساحة للنضال والمقاومة، إذا ما تم استثماره بشكل واعٍ. منصات المجتمع المدني، الإعلام البديل، الشبكات الاجتماعية، والمبادرات المستقلة، أصبحت بمثابة فضاء آخر لصوت الهامش، لتسليط الضوء على الفساد، على الزبونية، على نضالات المعطلين، لتقديم صورة أقرب للواقع، وتشكيل وعي جماعي قادر على فهم أبعاد القهر، والفوارق الطبقية، والهشاشة الاجتماعية، وربطها بالسياسات النيوليبرالية وممارسات السلطة.

الإعلام إذن بين التضليل والتلميع هو ساحة صراع مستمرة بين السلطة والمجتمع، بين القهر والمقاومة، بين الصمت والوعي، بين التزييف والحقائق. وفي هذا الصراع، يبقى المواطن هو الفاعل الأهم، الذي يحتاج إلى الوعي النقدي، ليكشف التزييف، وليعيد بناء صورته عن العالم، وليحول المعرفة إلى قوة فعلية، تحركه نحو المطالبة بالحقوق، والمساهمة في الحراك المدني والاجتماعي، وإعادة تعريف الكرامة والعدالة في وطن يصرخ فيه الهامش من أجل الاعتراف، ومن أجل الحقيقة.