سيدتي الفاضلة:
أكتب لك رسالتي هاته لأشكرك على حسن ضيافتك لنا وعلى كرمك، لأن شكر الناس واجب، قال صلى الله عليه وسلم: “من لم يشكر الناس لم يشكر الله”، وأقول جزاك الله عني سيدتي خير الجزاء ورزقك عنده حسن الثواب، وجعل بيتك محجا للملائكة والأصحاب، وبارك لك في أولادك وفي أهلك والأحباب.
سيدتي الفاضلة:
لقد كان اهتمامك بإكرامنا وحرصك على راحتنا يفوق كل تصور، فقد أنزلتنا منزلة الإخوة، واعتنيت بنا عناية الأم بصغارها، ولو وجدت مكانا خيرا مما لديك ما بخلت به علينا، وكأننا بنزولنا عندك جئناك بالهناء وبشرناك برضا الله والجنة، وإن كنا فقط ضيوفا عابري سبيل، شاءت الأقدار أن ننزل عند سيدة من الفاضلات. أدهشنا حرصك على إعداد الطعام بنفسك، وعلى ترتيب البيت والعناية به، والإعداد الجيد لمكان نومنا واختيار أحسن لحاف وغطاء ووسادة، رغم أن عندك من الخدم ما يعفيك من التعب والمشقة، فتكفي منك الإشارة، ليقمن بما تأمرين وزيادة، وما أدخل الحب إلى قلوبنا هو فرحك بنا وبشرك الدائم في وجوهنا، فأدركت بعد مجالستي لك، وحديثي المتواصل معك، أنك تملكين الجواب الكافي لما أدهشنا من تصرفك. أدركت أنه رغم بساطتك ورغم مستواك في الدراسة الذي لم يتجاوز سنة في دروس محو الأمية، أنك بحر غزير من علم آخر ومعرفة أخرى تغيب عن كثيرات ممن وصلن إلى مستويات راقية في العلم الدنيوي والدراسات العليا.
سيدتي الفاضلة:
لا يسعني إلا أن أقبل يديك، وأجلس على حصير متواضع لأخذ العلم النافع من امرأة حق لي أن أسميها سيدتي الفاضلة، سيدة ذكرتني بأمي وبجدتي، ذكرتني بما نسيت من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، من عبر وعظات ومواقف بقيت حبرا على ورق أو انتهت بعد خروجي من امتحاناتي متفوقة، لأتوه عنها وأنساها في درب الوظيفة والثقافة العصرية والماديات.
لقد عرفت أن ما تقومين به ليس نفاقا ولا رياء، ولكن حبا لعمل أردت به وجه الله تعالى، لأنك علمت أن إكرام الضيف واجب، فعند كل يوم ينادي ملك فيقول “اللهم أعط منفقا خلفا”، علمت أن الله سيخلف عليك ما ضاع من جهد وتعب ومال انفقته على ضيف أو عابر سبيل.
تعلمت منك سيدتي أن اعتناءك براحة ضيفك وسعادته لأنك تريدين أن يغفر لك الله وأن تستغفر لك الملائكة ما دام الضيوف عندك يأكلون طعامك ويجلسون أو ينامون على فراشك.
تعلمت منك سيدتي أن تغيير أثاث وألحفة وديكورات البهو الخاص بضيوفك ليس من أجل التباهي أمام العامة، فما غيرت وما جددت رياء ولا مفاخرة، ولكن فرحا بملائكة يدعون لك كل يوم بأن يخلف الله عليك، فأنت تحرصين على فعل كل شيء لفرح الملائكة و إرضاء للكريم سبحانه ولذلك تعتنين بجمال بيتك ونظافته ورائحته الطيبة.
غابت عني سيدتي الفاضلة هذه المعاني النبوية الصافية المبنية على حسن النية وسلامة الفطرة وحسن الاتباع للحبيب صلى الله عليه وسلم، غابت عني لدرجة كنت أغبطك على ما أنت فيه من سكينة وأنت تراقبين ما يدور من هيجان سياسي واقتصادي واجتماعي خارج بيتك ظننتها غفلة منك، إلى أن أعلمت أنك تتابعين كل جديد يقع في بلدك وفي أمتك وتتحرقين على كل شيء يؤلم هذه الأمة، وتقومين الليالي ذوات العدد تطلبين النصر لأمة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، بل وتمرضين لدرجة قد يعودك الناس، حينما علمت أن الحبيب صلى الله عليه وسلم يمس بأذى وسوء. تعلمت منك سيدتي الفاضلة الشيء الكثير في تلك الأيام القلائل التي قضيتها بصحبتك، تعلمت أنك تسعدين أيضا بما تقدمينه من خدمة وتفان لزوجك ولأولادك. حرص كامل ورقي في التعامل، وأدب واحترام يدل على حب حقيقي يجمع هذه الأسرة الرائعة التي يسعى كل فرد فيها لإرضاء الآخر وإسعاده.
فلم أر وأنا معكم تأففا أو تضجرا لتعب أو مشقة من أي أحد منكم، وحتى حينما عانيت تلك الليلة من نزول في الضغط لم يهنـأ لزوجك ولا لولديك البال ولا أغمض لهم جفن حتى عدت كما كنت وأخذ الضغط مستواه الطبيعي، كانوا يحفون حول سريرك ويسعون بكل حنان وحب للتخفيف عنك.
حقا إنها صورة مثالية لأسرة فهم أفرادها أن العمل عبادة، وأن لكل فرد في الأسرة دوره الذي يجب أن يتقنه، علمت الأم أن دورها مقدس فالجنة تحت قدميها، فكانت نعم الأم، وعلمت أن حسن تبعلها لزوجها يجعلها في مرتبة المجاهدين في سبيل الله فدأبت على إسعاد زوجها لتنال درجة المجاهدين وعلمت أن للمرأة أدوار ينبغي أن تقوم بها خدمة لأمتها ومجتمعها، وعلم الزوج أن الرسول صلى الله عليه وسلم قارن الخيرية بحسن التعامل مع الأهل حيث قال صلى الله عليه وسلم “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”، فحرص على أن يكون كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأدرك الأولاد أن طاعة الوالدين ورضاهما مفتاح من مفاتيح الجنة، فعملوا لجنتكم وأعدوا لها حسن السمع والطاعة والأدب مع الوالدين.
أعلمت سيدتي كم درسا أخذت منك!!. أو أدركت أنك حقا مدرسة الفطرة السليمة والنية الصافية؟!! تمنيت أن أمكث عندك أكثر من تلك الأيام لأنني حقا أحببتك، لأنني حقا خجلت من نفسي أنا التي تدعي أنها من المثقفات!! خجلت حينما وجدت نفسي جاهلة بأبسط أمور ديني وأعظمها قدرا وقيمة عند الله عز وجل، جاهلة بقيمة الأعمال التي أقوم بها في منزلي من مطبخ وترتيب وعناية بالأولاد والزوج، وكنت أعتبرها من المتاعب التي تثقل المرأة، فتقوم بها مضطرة، لا عن حب ورضا ولكن للاضطرار فقط. فتكثر حينها الشكوى والتأفف، وحتى إن أتقنت عملها فلإرضاء الناس فقط والخوف من تعليقات الآخرين واتهامهم إياها بالتقصير. حقا سيدتي لقد قلبت موازين تفكيري ووضعت قدمي على أول خطوة لأحقق التوازن في حياتي وأقوم بما تقوم به كافة النساء وأنا مطمئنة محبة وراضية طبعا لأنني أعلم الآن أن الكل يسجل في ميزان حسناتي، وأن عملي داخل البيت سبب لرقيي في سلم الإحسان، أضف إلى ذاك عملي خارج البيت.
سيدتي لقد كان خيط رفيع يفصل بين أمسي قبل رأيتك وحاضري بعد أن عاشرتك وصحبتك وتعلمت على يدك الدروس والعبر، خيط رفيع سبب في الرقي أو النزول، فيكفي أن تكون نية المرأة في عملها داخل أو خارج البيت لله تعالى حبا ورغبة في نيل اجر اٍلآخرة، ليسجل كل عملها صغيره وكبيره في سجل حسناتها: كنسها وطبخها وعجنها وسعيها لإسعاد أسرتها كل ذلك بالأجر والثواب.
سيدتي الفاضلة:
لقد وجدت معرفتك واسعة بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، معرفة بكل ما يتعلق بالمرأة وخصوصياتها التي لم تبخل السنة بها على النساء، والتي تدل على مدى الحرص والعناية التي أولاها الإسلام للمرأة.
حرصه على كرامتها وعلى إنسانيتها وتفهمه لطبيعتها وللأدوار والمهام التي تليق بها، وسعيه لفتح المجال أمامها، وانتشالها من براثن الظلام والجهل إلى نور معرفة الله تعالى. فدفعني هذا إلى البحث في كتب الأحاديث والسيرة مستنيرة بما أخذته منك من علم كنت قد أخذته عن جدتك التي كانت تلقب بالفقيهة في زمانها، فكان للمعاني التي تشربتها منك يا صاحبة القلب الصافي والنفس الطيبة الفضل في بحثي وتدبري والتأمل في حقيقة نفسي وإصلاح نيتي.
وفي الختام أحمد الله عز وجل أن كتب لي لقاءك، ومتعني بفرصة الجلوس معك، لأستفيد من خيرك. والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى، من علمنا أن الأعمال بالنيات وأن لكل امرئ ما نوى، وعلى آله الطيبين الطاهرين.