الأسس النظرية والمبررات الواقعية للمقاومة في فكر الإمام عبد السلام ياسين

Cover Image for الأسس النظرية والمبررات الواقعية للمقاومة في فكر الإمام عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

أ- تقديم

في تصور وكتابات الإمام المجدد عبد السلام ياسين، رحمه الله، يرتكز الأساس النظري والمبرر الواقعي للمقاومة على رؤية منهاجية شاملة تربط بين الإصلاح الداخلي للأمة والمواجهة الخارجية، حيث يكون تحرير الأرض نتيجة طبيعية لتحرير الإنسان وبناء المجتمع القوي مجتمع العدل والكرامة.

وفي تصوره يمتد الخط الزمني للمقاومة من منظور إسلامي من عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، مرورا بصحابته الكرام وآل بيته الأطهار إلى كل قائم في وجه الظلم وصولا لمقاومة الاستعمار وختاما بالمقاومة الفلسطينية.

ويعتبر القضية الفلسطينية المحرك المركزي والقلب النابض للأمة والتحدي الحقيقي للعالم وأنها غير معزولة أو مجرد شأن سياسي خاص، بل هي كانت وستبقى الميزان العملي الذي يقاس به صدق الأمة ونجاح أي مشروع تحرري نهضوي.

ب- الأسس النظرية للمقاومة في فكر الإمام المجدد عبد السلام ياسين

يرتكز الفكر المقاوم عند الإمام عبد السلام ياسين على منظومة نظرية متكاملة، تجمع بين البعد الروحي والأخلاقي والتحليل الحضاري والمنهج العملي.

لم تكن المقاومة في تصوره مجرد رد فعل عسكري، بل كانت حركة تغيير شاملة تهدف إلى إعادة بناء الأمة من الداخل لمواجهة التحديات الخارجية.

1. الأساس العقدي والقرآني:

أسس الأستاذ عبد السلام ياسين لقراءة -بمرجعية قرآنية خالصة- القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عقائدية في جوهرها، في تمايز مع القراءة المادية والعلمانية للصراع.

فقد دعا إلى تحرير العقل المسلم من المناهج الوضعية في تحليل الأحداث، وقراءة الصراع من خلال مفاهيم قرآنية أصيلة كالابتلاء والتمكين والوعد الإلهي والتمحيص والعدل. فالنكبة والهزائم لم تكن حوادث عشوائية، بل هي امتحان إلهي لصدق الأمة وإيمانها، وسُنة من سنن الله في التدافع، ووصف المعركة قائلا: “هي بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل، بين الجاهلية والإسلام. مع الجاهلية تنَبؤٌ يهودي بمملكة صهيون الألفية، ومع الإسلام وعد الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بالنصر المبين، وبالخلافة على منهاج النبوة، وبظهور هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون.” 1

ونظر إلى الجهاد على أنه فريضة شرعية وركيزة أساسية في مشروع التحرير لكن في إطار أوسع، فهو يبدأ بجهاد النفس تربية ويصل إلى جهاد المواجهة بعد استكمال الشروط الداخلية.

“القومة تعني نهضة، ولا ينهض الجسم العليل المفكك. القومة تعني حركة إرادية، ولا يتحرك المشلول. القومة تعني تغييرا للمنكر، ولا يغير المنكر من لا يعرف المنكر في أسبابه، ودخائله، وماضيه، وحاضره، وحماته. القومة تعني جهادا منظما، ولا جهاد بدون تربية الأمة وتعبئتها للجهاد المرير الطويل” 2

وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ[سورة آل عمران آية 140] استند الإمام المجدد إلى هذه الآية الكريمة ليؤصل لسنة “تداول الأيام” كقانون للتغيير، هذه السُّنة تؤكد أن هيمنة الباطل ليست أبدية، وأن موازين القوى قابلة للتبدل. لكن هذا التبدل ليس أمان تدرك بالتقاعس والقعود والخمول بل هو مشروط باستحقاق النصر.

2. الأساس المنهاجي:

المقاومة منهاجيا “قومة” تغييرية تحيل على القوة والثبات والثقة، وهي مغايرة للثورة المتسمة بالعجلة والعنف والاضطراب.

يقدم الإمام المجدد مفهوم “القومة” كإطار نظري لبناء الإنسان المقاوم بتحريره من أنظمة الحكم الفاسد من خلاال الأمر بالمعروف وتغيير المنكر: “إن الهدف الرئيسي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو اجتثات الحكم الفاسد وتقويض دعائمه شرطاً لكل الشروط… والمعروف هو العدل والبر والمجتمع الأخوي وإنصاف المحرومين وإغاثة الملهوفين ورفع المستضعفين إلى المرتبة الإيمانية المكرَّمة التي يستحقون بها منة الله بالاستخلاف في الأرض والسيادة فيها.” 3                      

هذه القومة بمفهومها التغييري لا يمكن تحقيقها إلا بإعداد شروط موضوعية أساسية، “ووعد الله جلي في كتاب الله، لكن تحقيقه رهين ببضعة شروط: بالإيمان، بالمؤهلات السياسية والاجتماعية، بالمقاومة والاستشهاد، وبالإعداد الطويل المتأنِّي إلى أن يحل يوم «التداول»” 4

* الإعداد الروحي والمعنوي بالتربية الإيمانية الإحسانية التي هي الأساس والمنبع الذي يغذي كل حركة تهدف إلى بناء الشخصية المسلمة المتكاملة القوية روحياً وأخلاقياً.

 * الإعداد المادي والعلمي الشامل بما هو استجابة لأمر الله بالإعداد وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[سورة الأنفال آية 60]. ويشمل بناء القوة في جميع المجالات: الفكرية والتنظيمية والعلمية والتكنولوجية والاقتصادية والعسكرية.

 * الإعداد التنظيمي والحركي المتين لعمل جماعي منظم يكتشف الطاقات ويوزع الأدوار ويبني القيادات، استعداداً للمواجهة مع قوى الاحتلال والاستبداد.

ت- المبررات الواقعية للمقاومة في فكر الإمام المجدد عبد السلام ياسين

في تصور الإمام عبد السلام ياسين، تستند المبررات الواقعية للمقاومة على تحليل عميق للعدو الخارجي وحالة الأمة الداخلية، حيث يرى أن طبيعة المشروع الصهيوني وتحالفاته الدولية ووظائفه في قلب الأمة فلسطين هو أكبر حافز موضوعي لفعل المقاومة.

* خارجيا كان ولا يزال الدعم الغربي للمشروع الصهيوني بدوافع مادية وعقدية بروتستانتية متشددة ومسكونة بأساطير توراتية .

“التقى الاضطهاد العنصري بالفرصة التاريخية لتسكت السياسة الاستعمارية البريطانية الطموح اليهودي بإيوائه في فلسطين…أما الولايات المتحدة، فقد دعمت الدولة اليهودية منذ نشوئها لثلاثة أسباب أكثر أهمية من دوافع أوربا لمؤازرتها. أولها أن نشوء مملكة صهيون عقيدة يشارك اليهود فيها البروتستانتيون المنكبون على تلاوة التوراة. وثانيها أن الأرض العربية تتوفر على أكبر حقول النفط في العالم وتحتاج لذلك إلى حارس «أمين» يحفظ الكنز إلى أن تهب «عاصفة الصحراء».” 5

* أما داخليا فقد كانت “الهزيمة الحضارية” عقب سقوط الدولة العثمانية مؤذنة بتفتيت آخرنواة للمسلمين وعلو اليهود وتفكك المجتمعات العربية وعجز “المشروع القومي العربي” و”المشروع اللائيكي الحداثي” وانطلاق المقاومة.

“لا ينتظر أعداء الله قيامَ دولة القرآن ليناوشوها الحرب، بل هم سعوا بتفتيت آخر نواة كانت تمثل دولة الإسلام في العالم وهي الدولة العثمانية. دخلوا ذلك الهيكل تسربا من نوافذ اليهود أهل الذمة الذين خانوا الذمة، وتسربوا بالاستعمار والغزو للأرض والفكر، والتفوا علينا التفاف أكَلَةِ القصعة، وتقاسموا طعامَها وإدامها. والحربُ الصليبية اليهودية علينا تزداد ضراوة بعد أن ترشح لنادِيهم، وتجند في عسكرهم، دعاة جهنم من بني 322جلدتنا.” 6

* ثم هذا التحالف اللقيط المعلن والمضمر بين الأنظمة الاستبدادية العربية والصهيونية والاستكبار الذي يسعى لإضعاف الأمة وتحويلها لرعية مسلوبة الإرادة عاجزة عن مواجهة تحديات الخارج  ومتطلبات بناء الداخل.

“أصبحت الأمة سجينة نظام الملكية، وأصبح السجان سجينا، وذلك من طبـيعة العض كما جاء في لفظ النبوة، كان القهر والاستبداد قد أديا إلى موت كل شهامة وكل إرادة حرة في الأمة، فصارت “الرعية” مجموعةَ يتامى تحت وصاية حاشية البلاط وسيفها” 7

ث- بشائر انتصار المقاومة من بين العدوان والخذلان:

الإنجاز الكبير للمقاومة في نسختها الأحدث، ”طوفان الأقصى” يمثل قدوة عظيمة وحالة إلهام للأجيال التي عاينت لأول مرة في التاريخ مقاومة مبادرة للهجوم على الكيان المحتل في سابقة أرعبت أركان نظامه وأسقطت أسطورة ”الجيش الذي لا يقهر” برغم سنوات الحصار الطويلة وتخاذل أنظمة سايس بيكو.

فبرغم كل الدمار والدماء والدموع والشهداء والمصابين سجلت ذاكرة الأمة نقطة بداية سقوط مشروع الاحتلال واستشعرت خطورة التطبيع معه وخطره على البشرية جمعاء، وأن ”طوفان الأقصى” يوم السابع من أكتوبر حدث تاريخي مفصلي غير مسبوق، حتى العدو الصهيوني نفسه أدرك مغزى المعركة التي حطّمت نظريته الأمنية والعسكرية، ما دفع قادته للحديث عن “حرب الاستقلال الثانية”، وشن حرب هستيرية وحشية ودموية على قطاع غزة، لاستعادة بعض هيبتهم، واستعادة الثقة بمبرر وجودهم ودورهم الوظيفي كقاعدة عسكرية غربية استعمارية متقدمة في المنطقة.

“إن دورة وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ تلوحُ بشائرُ حركتها التاريخية من خلال حيرة فيزياء الباحث، كما تلوح من خلال سَأَمِ المترفين في أمتعة استهلاكهم، وآلات «ربوط » مساكنهم، ومن خلال الظلم الفظيع والبؤس الشنيع الذي تعانيه إنسانية المستضعفين في الأرض ومن خلال إفساد الحضارة المادية الدوابية لأخلاق الإنسان، وتلويثها للبيئة وتبذيرها لخيرات الأرض.” 8

ولأن المشروع الصهيوني لا يستهدف فلسطين لوحدها وهو الذي ليست له حدود رسمية بل حدوده حيث تصل قطعان عساكره وآليات دماره فإن مواجهته هي مهمة الأمة بأكملها إذ لا تحرر ولا نهضة ولا تقدم ولا قوة للمنطقة ما دام هذا الكيان قائمًا، لأن بقاءه يعني ضعف ما حوله وتسخير شعوب المنطقة لخدمة مصالحه، وشرط نهضة الأمة مرتبط بإزالته.


[1] عبد السلام ياسين، سنة الله، ص 67.
[2] عبد السلام ياسين، رجال القومة والإصلاح، ص 26.
[3] عبد السلام ياسين، الإحسان، ج 2، ص 127-128.
[4] عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص 98.
[5] عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة ص 92 و93.
[6] عبد السلام ياسين، جماعة المسلمين ورابطتها، ص 17.
[7] عبد السلام ياسين، الخلافة والملك، ص 47.
[8] عبد السلام ياسين، الرسالة العلمية ص 37.