الأساليب الخاطئة في تربية الأبناء

محتويات المقال
مقدمة
الولد الصالح ثمرة الأسرة الصالحة، والأسرة الصالحة أب صالح وأم صالحة وعمل صالح. يقول رسول الله في حديث جاء عند الإمام مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتَفَع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له"، ويقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله معلقا على هذا الحديث "أول علم نستقيده من هذا الحديث الكريم هو أن الولَدَ من عمل الإنسان. الولَدُ خلْقُ الله وعمل الإنسان. الإنسان مسؤول عن ذنوبه يُعاقب عليها إلا أن يتوب فيغفرَ الله له، مجازىً على حسناته إن تقبلّها الله الكريم قَبولا حسنا... وإذا استقر لدينا، والحديث دليـل قاطع، أن الذريَّة -صالحةً أو فاسدةً- هي من عمل الإنسان، لا ينفي كونُها خلقا لله كونَها عمَلاً للإنسان، فقد توجّه أمامَنَا عِظَمُ مسؤولية الإنسان عن ذريته: تصلح إن أصلحها، وتَفْسُدُ إن أساء تنشِئتها. فيترتب على هذا المنطقِ المستنير بنور الوحي ونور التوجيه النبوي منهاج المسؤولية البشرية عن صلاح الأجيال وفسادها. لا يهدي للصلاح إلا الله، لكن الهداية الإلهية يقيض الله لها بشرا يهدون. والغَوَايَةُ تضليل من شيطان جن أو شيطان إنس" (1).
إن شخصية الطفل تتشكل خلال الخمس سنوات الأولى من عمره، لذا كان من الضروري أن تلم الأسرة بالأساليب التربوية الصحيحة التي تنمي شخصية الطفل وتجعل منه شابا واثقا من نفسه صاحب شخصية قوية وفاعلة في المجتمع، صانعا لمجد الأمة وعزتها، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: "والولَد الصالح ذخْر للأمة في الدنيا ولوالديه في الدنيا والآخرة" (2). إلا أنه قد يمارس بعض الآباء و الأمهات أساليب غير سوية وخاطئة في تربية أبنائهم؛ إما عن جهل بها أو لاتباع أسلوب الأجداد والجدات ظنا منهم أنهم بسلوكهم هذا يحسنون صنعا، فالأب عندما يحرم من الحنان في صغره تراه يغدق على طفله بهذه العاطفة أو العكس، فبعض الآباء والأمهات يريدون تطبيق نفس الأسلوب الذي تربوا به هم على أولادهم ،متجاهلين المقولة المشهورة "ربوا بنيكم غير تربيتكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم".
ومن بين الأساليب الخاطئة التي تؤثر سلبا على شخصية الطفل نذكر ما يلي: القسوة والتسلط، الحماية الزائدة ، الإهمال، الدلال الزائد، التذبذب في معاملة الطفل والمزاجية، التفرقة بين الأبناء، إثارة الألم النفسي.
وسأحاول إعطاء بعض التعاريف البسيطة لهذه الأساليب الخاطئة، وما يترتب عنها من آثار سلبية على نفسية الطفل وشخصيته.
1- التسلط والقسوة
ويعني تحكم الأب أو الأم في نشاط الطفل والوقوف أمام رغباته التلقائية ومنعه من القيام بسلوك معين لتحقيق رغباته التي يريدها حتى ولو كانت مشروعة، أو إلزام الطفل بالقيام بمهام وواجبات تفوق قدراته وإمكانياته، ويرافق ذلك استخدام العنف أو الضرب أو الحرمان أحيانا، وتكون قائمة الممنوعات أكثر من قائمة المسموحات. ومن نتائج ذلك أن الطفل ينشأ ولديه ميل شديد للخضوع واتباع الآخرين؛ لا يستطيع أن يبدع أو أن يفكر، وغير قادر على إبداء رأيه ومناقشة الآخرين، فاقد للثقة في النفس، غير قادر على اتخاذ القرارات المصيرية في حياته، يصاحبه وشعور دائم بالتقصير وعدم الإنجاز (شخصية قلقة خائفة دائما من السلطة تتسم بالخجل والحساسية الزائدة).
2- الحماية الزائدة
يعني قيام أحد الوالدين أو كلاهما نيابة عن الطفل بالمسؤوليات التي يفترض أن يقوم بها الطفل لوحده، حيث يحرص الوالدان أو أحدهما على حماية الطفل والتدخل في شؤونه، فلا يتاح للطفل فرصة اتخاذ القرارات بنفسه، ولا تُعطاه حرية التصرف في كثير من أموره. هذا الأسلوب بلا شك يؤثر سلبا على نفسية الطفل وشخصيته، فينمو بشخصية ضعيفة غير مستقلة، يعتمد على الغير في أداء واجباته الشخصية، ولا يقدر على تحمل المسؤولية ويرفضها، إضافة إلى فقدانه الثقة في قراراته التي يصدرها مقابل وثوقه في قرارات الآخرين، ويعتمد عليهم في كل شيء، وتكون نسبة حساسيته للنقد مرتفعة.
3- الإهمال
ويعني أن يترك الوالدان الطفل دون تشجيعه وتحفيزه على سلوك مرغوب فيه، أو الاستجابة له، وتركه دون توجيه وإرشاد عند قيامه بسلوك غير مرغوب فيه، مما يفقد الطفل مكانته في الأسرة، ويشعر تجاهها بالعدوانية وفقدان الحب، وعندما يكبر هذا الطفل يبحث عمن يلبي له حاجياته (ظاهرة هروب الأبناء من المنزل). ومن نتائج اتباع هذا الأسلوب في التربية ظهور بعض الاضطرابات السلوكية لدى الطفل؛ كالعدوان والعنف، أو الاعتداء على الآخرين، أو العناد، أو السرقة والكذب، وعدم الاكتراث بالأوامر والنواهي التي يصدرها الوالدان.
4- الدلال الزائد
ويعني أن نشجع الطفل على تحقيق معظم رغباته وعدم توجيهه، وعدم كفه عن ممارسة بعض السلوكيات غير المقبولة سواء دينيا أو خلقيا أو اجتماعيا، والتساهل معه في ذلك، ومهما يكون السبب فاتباع هذا الأسلوب مع الطفل يجعله ينشأ غير قادر على تحمل المسؤولية، لا يعتمد على نفسه، بحاجة لمساندة الآخرين ومعونتهم، كما يتعود أن يأخذ دائما ولا يعطي، وعلى الآخرين أن يلبوا طلباته وإن لم يفعلوا ذلك يغضب ويعتقد أنهم أعداء له، ويكون شديد الحساسية وكثير البكاء، ويعتقد الكمال في كل تصرفاته وأنه منزه عن الخطأ، ولا يتقبل الفشل والإحباط في الحياة الخارجية حيث تعود على أن تلبى كافة مطالبه.
5- التذبذب في معاملة الطفل والمزاجية
ويعني عدم استقرار الأب أو الأم من حيث استخدام أساليب الثواب والعقاب؛ فيعاقب الطفل على سلوك معين مرة ويثاب على نفس السلوك مرة أخرى، وتكون هناك مزاجية في تقويم سلوك الطفل، فيصبح الطفل في حيرة من أمره لا يعرف هل هو على صواب أم على خطأ، فمرة يثيبانه على السلوك ومرة يعاقبانه على نفس السلوك. فيجد صعوبة في معرفة الصواب من الخطأ مما يترتب على هذا النوع من التعامل شخصية متقلبة مزدوجة في التعامل مع الآخرين في حياته الشخصية والعائلية والمهنية، وتكون الميزة الرئيسة هي التذبذب في المعاملة رفقا وحنانا تارة وتارة أخرى قسوة وشدة بدون أي مبرر.
6- التفرقة بين الأبناء
ويعني عدم المساواة بين الأبناء جميعا، والتفضيل بينهم بسبب الجنس أو ترتيب المولود أو السن أو غيرها، فنجد بعض الأسر تقوم بتفضيل الأبناء الذكور على الإناث، أو تفضيل الأصغر على الأكبر، أو تفضيل ابن من الأبناء بسبب من الأسباب، وهذا بلا شك يؤثر على نفسيات الأبناء الآخرين وعلى شخصياتهم؛ فيشعرون بالحقد والحسد تجاه هذا المفضل. وينتج عن هذا السلوك شخصية أنانية تتعود على أن تأخذ دون أن تعطي، وتحب أن تستحوذ على كل شيء لنفسها حتى ولو على حساب الآخرين، ويصبح الطفل لا يرى إلا ذاته فقط والآخرين لا يهمونه، فينتج عنه شخصية تعرف ما لها ولا تعرف ما عليها، تعرف حقوقها ولا تعرف واجباتها.
7- إثارة الألم النفسي
ويكون ذلك بإشعار الطفل بالذنب كلما أتى سلوكا غير مرغوب فيه أو كلما عبر عن رغبة سيئة، أيضا تحقير الطفل والتقليل من شأنه والبحث عن أخطائه وتعرضه للنقد الدائم لشخصه وليس لسلوكه يُفقده ثقته بنفسه، فيكون مترددا عند القيام بأي عمل خوفا من حرمانه من رضا الكبار وحبهم، وعندما يكبر هذا الطفل يكون ذو شخصية انسحابية منطوية غير واثق من نفسه، يوجه عدوانه لذاته، ولا يشعر بالأمان، ويحسب أن الأنظار دائما موجهة إليه فيخاف كثيرا، ولا تجده يحب ذاته، وبالمقابل يمتدح الآخرين ويفتخر بهم وبإنجازاتهم وقدراتهم، أما هو فيحطم نفسه ويزدريها .
وفيما يلي بعض الأساليب الصائبة والوجيهة في تربية الأولاد
1- تشجيع وتقبل سلوكات الأولاد، وتعويدهم على المناقشة وإبداء الرأي.
2- الاعتدال في تلبية رغبات الأولاد، والتشجيع على الاستقلال والتعلم من الأخطاء.
3- التعامل مع الأولاد بالمساواة، وعدم تمييز أحدهم على الآخر وعدم المقارنة بينهم.
5- تخصيص وقت كاف لمصاحبة الأولاد ومشاركتهم في حل المشاكل.
6- رفع المعنويات وزرع الثقة بالنفس يحصن الولد ضد السخرية.
7- عدم إخضاع عملية التربية والتنشئة للمزاجية.
8- اعتماد الرفق وتجنب العنف.
خاتمة
أبناؤنا استمرار لنا وثمرة عملنا، فهم غراس الحياة وقطوف الأمل؛ ومستقبل الأمة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أولادكم من أطيب كسبكم”، ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: "النشء من بنات المسلمين وأبنائهم أثمن ما تملك الأمة، والقتال العلمي لكسبه من أولويات الجهاد" (3)، ثم يبين لنا رحمه الله أهمية تربية النشء، بأنها عبادة تقرب إلى الله، وذخر لوالديه دنيا وآخرة، حيث يقول: “إن كان الوَلَدُ الصالح الواحد ذخرا باقيا للآخرة وعملا يرضاه الله، فكيف بإصلاح أمة وإحيائها وصناعة مستقبلها (4).
(1) ياسين عبد السلام، تنوير المومنات، ج 2، ص220.
(2) نفسه، ص224.
(3) نفسه، ص72.
(4) نفسه، ص222.




