الأخلاق في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى

الاجتماع فطرة بشرية فطر الله الناس عليها، وجبلهم على حب جلب المنافع وكراهية المفاسد، ومن ثم كان الإجماع حاصل على أن الأخلاق مظهر من مظاهر الكمال الإنساني والجمال البشري والجلال الآدمي، لا يعترض أحد على أهميتها في بناء شخصية متزنة تملك من المؤهلات ما يجعلها تسهم في إيجاد بيئة سليمة صالحة للعيش المشترك. وجاءت الشرائع السماوية لترسخ هذه الحقيقة وتربط الدين بالخلق ارتباطا وجوديا، وتجعل الأخلاق برهان صدق التدين وتجليا من تجلياته. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق رحمة للعالمين، لتكون سيرته النموذج العملي الذي يقتدى به لتحصيل المصالح في المعاش والمعاد.
وقد أولى الأستاذ عبد السلام ياسين عناية خاصة لموضوع الأخلاق، ولو لم يفرد له سفرا خاصا ولا كتابا مستقلا، بل نجد الحديث عنها مبثوثا لزوما أو بالضمن في كل الكتب التي ألفها، وكذا الأحاديث التي حدث بها في جل لقاءاته مع أحبائه حيث آمن بمقولة (من زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين)، وعدّ الأخلاق والقيم شرطا لازما في طريق السالك إلى الله تعالى، ووسيلته لبلوغ الكمال الإيماني الضامن للدرجات العليا في الجنة، ومن ثم اعتبر أن أسمى حقوق الإنسان أن يعيش في بيئة سمتها التخلق بالمكارم ليستمد منها ما به يصلح حاله ومآله، قال رحمه الله تعالى: (.. حقٌّ آخر أساسيٌّ للإنسان في أن يعيش في مجتمع فاضل تحكمه قوانين أخلاقية، لأن حق الإنسان الأول الأسمى، وهو انتقاله من بهيميته إلى إنسانيته، لا يناله الإنسان إن كان المجتمع فاسدا، تعيث فيه حرية الغرائز البهيمية.. وهذا حق ضائع، بل غير معترف به أصلا في المجتمعات الجاهلية التي تبني فلسفتها على أن الإنسان قرد متطور فلا معنى لحرمانه من اللذة البهيمية) (1). فالأخلاق غايتها وضع مبادئ للحياة الإنسانية يحتكم إليها للوصول إلى خيرية أفضل للإنسان. ومن ثم كان اختياره شعار العدل والإحسان كلية جامعة لأمهات الأخلاق، واهتمامه بشعب الإيمان بيان لها على وجه التفصيل.
شعار العدل والإحسان جامع لكليات الأخلاق
إن اختياره رحمه الله تعالى للآية الكريمة من سورة النحل التي يقول فيها الله عز وجل: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي (سورة النحل، الآية 90) شعارا لدعوته فيه إشارة قوية تومئ إلى جعل الإحسان بمعانيه الثلاثة: إحسان العبادة، والإحسان إلى الناس، والإحسان في العمل أساس بناء شخصية المؤمن، فالآية عدها العلماء جامعة لكليات الأخلاق، جاءت لتحدد (القيم والمثل العليا والغايات والمقاصد العامة للحياة البشرية مع التطرق إلى أمهات المفاسد وأصول الانحرافات التي تهدد الإنسان) (2). وقد اعتبر الإمام العز بن عبد السلام أن شجرة الشريعة تتفرع إلى قواعد كلية تشملها هذه الآية، يقول رحمه الله تعالى معلقا: (كل من أطاع الله، فهو محسن إلى نفسه بطاعته، فإن كانت طاعته نفع لغيره فهو محسن إلى نفسه وإلى غيره، وإحسانه إلى غيره قد يكون عاما وقد يكون خاصا، والإحسان عبارة عن جلب مصالح الدارين أو إحداهما ودفع مفاسد الدارين أو إحداهما) (3). وقد فصل الدكتور الريسوني القول في الآية باعتبارها كلية أخلاقية جامعة آمرة بأمهات الأخلاق وناهية عن أمهات الرذائل، فقال: (نجد فيه الأمر بقضيتين كليتين كبيرتين هما العدل والإحسان، إذ هما تشملان كل شيء وتدخلان في كل شيء، فما من مجال، وما من عمل قلبي أو حسي، إلا ويدخله العدل والإحسان، وما من قول يقوله الإنسان إلا ويدخله العدل والإحسان، وهما مطلوبان ومأمور بهما في كل المجالات وفي كل الحالات وعلى كل الأحوال، ثم نجد الأمر بإيتاء ذي القربى وهي قضية جزئية بدليل أنها داخلة في العدل والإحسان، فإيتاء ذي القربى هو جزء أو جزئي من العدل والإحسان، ولكن هذا الجزئي يمثل قضية كلية لما ينبثق عنه ويندرج فيه، مثل بر الوالدين، وصلة الأرحام، والإنفاق الواجب والمندوب على الأقارب والمحتاجين...) (4)، ثم استرسل يبين القضية الكلية المتضمنة في الآية الكريمة فيقول: (ونجد في الآية النهي عن قضيتين كبيرتين هما الفحشاء والمنكر، وهما تجمعان كافة الشرور والمفاسد، ما ظهر منها وما بطن، في المعتقدات والعبادات والمعاملات بين الأفراد والجماعات، ثم نهت عن البغي وهو داخل في الفحشاء والمنكر، فهو مسألة جزئية لهما، ولكنه يمثل قضية كلية لما يندرج فيه من أنواع البغي وحالاته وأشكاله وجزئياته التي لا تنحصر) (5). فالآية الكريمة تجمع ما يمكن تفصيل الحديث عنه فيما يخص الأخلاق، أمرا بالتزام مكارمها عدلا وإحسانا، ونهيا عن الاقتراب من مساوئها فحشاء ومنكرا وبغيا.
الأخلاق روافد نهر الإيمان
اهتم الإمام رحمه الله تعالى بشعب الإيمان التي تمثل منظومة أخلاقية متكاملة ومستغرقة لكل مفاصل الحياة البشرية، تنظم العلاقات بين الناس على أساس الإحسان، فما شعب الإيمان إلا أخلاق سلوكية عملية تصلح بها دنيا المؤمن، ومن وصل درجة الكمال الأخلاقي بلغ درجة الكمال الإيماني، وكل نقص في الأخلاق يعد نقصا في الإيمان، يقول الإمام رحمه الله تعالى أثناء حديثه عن شعبة (البر وحسن الخلق) ضمن خصلة (الصحبة والجماعة): (من المؤمنين من ينقص إيمانهم لسوء خلقهم، وغلبة الطبع الغضبي عليهم، حتى لا تجد لهم حظا من هذه الشعبة) (6). كما اعتبر السلوك الإحساني الأخلاقي برهان صدق التوبة، ووسيلة لدعوة الخلق إلى التوبة، يقول رحمه الله تعالى: (وإحسان المؤمنة والمؤمن بعد توبتهما أشد تأثيرا على أهلهما من التعنيف، فإذا اكتشف الأقارب مع التوبة أن صاحبهم أو صاحبتهم صارا أوطأ كنفا، وأحسن خلقا، وألطف معشرا، وأوفى عهدا مما يعهدون فقد أوشكوا أن يحبوا الدعوة ويأنسوا بها) (7).
ومن ثم دعا رحمه الله إلى اكتساب مجموع فريد من شعب الإيمان وأخلاقه، وأن يكون للمؤمن حظ من كل هذه الشعب لما لها من أثر في الرقي الاجتماعي، وأن يكون السلوك الإحساني خلقا راسخا ومنهجا عاما في الحياة (وأسلوب في التصرف فرضه الضمير أو فرضه الاقتناع العميق) (8)، لأن الأخلاق باعتبارها خصالا نفسية يعبر عنها بواسطة السلوك العملي المستمر لابد في تحققها من جانبين: الجانب النفسي والجانب العملي؛ فالجانب النفسي يتضمن الاقتناع والتعلق بالخلق وبقيمته وفائدته وضرورته، والجانب العملي هو الترجمة والثمرة الفعلية للإيمان بالخلق ومحبته والرغبة فيه، وبدون تحقق عملي مستمر تكون الأخلاق مجرد تمنيات وادعاءات، وبدون اقتناع وتعلق نفسي تكون الأخلاق مجرد تصنع وتظاهر ونفاق) (9)، فالسلوك الخلقي ينبثق عن قناعة بأن ما نفعله واجب مقدس وعبادة طوعية، ترفع المؤمن لدرجة الخيرية، وتؤهله لنيل منزلة القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفوز بمعيته يوم القيامة. فاللهم حسن أخلاقنا كما حسنت خلقنا، واهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
(1) ياسين عبد السلام، إمامة الأمة، الطبعة الأولى، ص 98.
(2) الريسوني أحمد، الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية، طبعة 2007، ص 24.
(3) ابن عبد السلام العز، شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال، دار ماجد عسيري بجدة، ط1، ص 187.
(4) الريسوني أحمد، الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية، ص 25.
(5) نفسه، ص 26.
(6) ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص 144.
(7) نفسه، ص 139.
(8) ياسين عبد السلام، مذكرات في التربية، الطبعة الأولى 1963، ص 126.
(9) الريسوني أحمد، الكليات العامة للشريعة الإسلامية، ص 72.









