الأبناء نعمة الله وعطاؤه

Cover Image for الأبناء نعمة الله وعطاؤه
نشر بتاريخ

يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله غفور رحيم (النحل، 17)، وفي موضع آخر: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار (إبراهيم، 33).

هي نعم عديدة وفضل وعطاء من الكريم الجواد، فأي كرم أجل من كرمه تبارك اسمه، النعم منه وإليه، خلقنا وأعطانا ورزقنا ثم استقرضنا واشترى منا، ماذا عندنا من كفاء لفضله إلا أن نصرف العمر شكرا، ومتى نقضي شكر نعمة الخلق ونعمة الهداية ونعمة الإسلام ونعمة الإيمان ونعمة الإحسان.. وسائر النعم، فالله سبحانه يحبنا، خلقنا ليرحمنا وليسعدنا وليرفع من قدرنا؛ لنعيش النعيم المقيم في الدنيا والآخرة، لا ليشقينا، غير أن الإنسان ظلوم كفار، يجحد نعمه فيظلم نفسه حين يزيغ عن الطريق المستقيم الذي شرعه الله له ويتبع هوى النفس والشيطان، فالإنسان خلق ضعيفا وجهولا وظلوما، ومتى تاب ورجع إلى ربه، واستمسك بالكتاب والسنة، واقتفى السبل الموصلة إلى محبة رسول الله  صلى الله عليه وسلم واتباعه، وجد الله غفورا رحيما.

الأبناء هبة الله وعطاؤه ونعمة من نعمه التي تستوجب الشكر والحفاظ عليها؛ وهو في نفس الآن عمل من عمل الإنسان كما جاء عن أبي هريرة فيما رواه مسلم وأصحاب السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” (1).

عندما يزداد المولود نستقبله بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كان هذا الحديث ضعيف السند لكن يؤخذ به في فضائل الأعمال، فالنووي سمع الحسن البصري رضي الله عنه يعلمه أحد الناس: “بارك الله لك في الموهوب وشكرت الواهب وبلغ أشده ورزقت بره”، دعاء بالبركة والشكر واسترزاق البر؛ بركة من الله بالتزكية واستكثار الخير في المرزوق، وشكر الوهاب رضا بما رزق، فكيف نحافظ على هذه النعمة ونشكر الوهاب عليها؟

يقول سبحانه: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (الأحقاف، 14)، شكر لله تعالى على ما أنعم عليه وعلى والديه من نعمة الإيمان خاصة، ودوام الدعاء بصلاح الذرية إيمانا ويقينا؛ والجنة مثوى للذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان هذه هي القاعدة الفطرية (2).

روى الشيخان وغيرهما واللفظ للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء” (3). قال ابن الأثير رحمه الله في جامع الأصول: “كل مولود من البشر إنما يولد في مبدأ الخلقة وأصل الجبلة على الفطرة السليمة والطبع المتهيئ لقبول الدين الحق، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، لأن هذا الدين حسنه موجود في النفوس وبشره في القلوب وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره لآفة من آفات الشر والتقليد” (4).

ويقول الإمام الغزالي رحمه الله في الإحياء: “اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة؛ أي سليمة صافية بريئة، خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب” (5).

لكن الفطرة انطمست في عصرنا هذا؛ عصر التكنولوجية الجنونية الراكضة خلف الاستهلاك والمتعة والشهوة، و”كمال المرأة الوظيفي وكمال الرجل أبوين مسؤولين مربيين، هو غاية ما يراد منهما تحقيقه حفظا لفطرة الله، ونشرا لرسالة الله، وخدمة لأمة رسول الله” (6).

وإن “أجل عمل وأعظم كسب ما عم نفعه وامتد خيره ودامت إفاضته، ويموت المرء والمرأة الصالحان فيبقى من كسبهما ما يدر البركات عليهما وعلى الناس؛ تطيب بغرسه حياتهما في الدار الآخرة وتطيب بما زرعاه حياة الخلق هنا من بعدهما ذلك إن أنجبا ذرية صالحة موصولة الفطرة سليمة حنيفة بما رعيا وربيا” (7).

وهنا نستعرض موقفين تتجلى فيهما عناية وكرم الله للوالدين المومنين والصالحين؛ الأول نستجليه من قصة الغلام الذي قتله سيدنا الخضر خشية أن يرهق والديه طغيانا وكفرا، والموقف الثاني عندما أقام الجدار للغلامين اليتيمين حتى يبلغا أشدهما، لأن أباهما كان صالحا (يقال الجد السابع)، وفي هذا السياق يخبرنا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أنه عندما كان يصلي في الليل وابنه الصغير نائم كان ينظر إليه قائلا: من أجلك يا بني، ويتلو وهو يبكي قوله تعالى: وكان أبوهما صالحا.

وعن سعيد بن المسيب أنه كلما أراد أن يصلي قيام الليل كان ينظر إلى ابنه ويقول: إني أزيد في صلاتي ليصلحك الله وليحفظك الله، ثم يبكي وهو يتلو قوله تعالى: وكان أبوهما صالحا.

أخيرا نستمطر رحمات الله ونكرر الطلب ونلح؛ لتتلقى عبوديتنا رأفة ربوبيته ولتلتقي حاجتنا بوافر عطائه، نغتنم أوقات استجابة الدعاء؛ حين ينزل ربنا في ثلث الليل الأخير كما جاء عن أبي هريرة يروي الشيخان أن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم قال: “ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟”. سائلين الله رحمة من عنده يهدي بها قلوبنا ويجمع بها شملنا ويلم بها شعثنا ويصلح بها ديننا ويزكي بها عملنا ويلهمنا رشدنا ويعصمنا بها من كل سوء، آمين والحمد لله رب العالمين.


المصادر:

(1) رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة، الرقم 1631.

(2) عبد السلام ياسين، العدل، الإسلاميون والحكم، مطبوعات الأفق، ط1، 2000، ص 277.

(3) صحيح البخاري، الرقم 4515.

(4) ابن الأثير الجزري، جامع الأصول في أحاديث الرسول، ج 1، ص 190.

(5) الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 3، ص 77.

(6) عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1996، ج2، ص 193.  

(7) العدل، م. س، ص 278.