تجديد البواعث
جسَّد المصحوب الأعظم صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده؛ رضي الله عنهم أجمعين؛ الاستقامة الشمولية؛ العقدية، والفكرية، والسلوكية، والاجتماعية، والسياسية وغيرها، لكن “الانتقال السياسي من خلافة قائمة على الشورى إلى ملك وراثي” 1، وانفصال العدل عن الإحسان، وافتراق السلطان والقرآن؛ أدى إلى الانسحاب التدريجي للقيم العظيمة من حياة المسلمين، حتى أُقفل عليها في زوايا المساجد والأضرحة والمناسبات الدينية وغيرها، بغية طمس أنوارها، لكنها كانت تلوح هنا وهناك؛ كلما سنحت الفرصة؛ فتنفض الغبار عن كاهلها وتتجدد بواعثها آحادا وجماعة.
وعندما سنحت الفرصة؛ كان للإمام عبد السلام ياسين بفكره المنهاجي رؤية وموعدا تاريخيا لتجديد بواعث الاستقامة؛ باعتبارها سلوكًا فرديًا وجماعيا، بل ومنهاجا لهذه الحياة الجماعية؛ حيث يُبنى الرجال والنساء “محورا التغيير”؛ بتثبيت جميع جوانبهم على أصول الاستقامة الشمولية العقدية، والفكرية، والسلوكية، والاجتماعية، والسياسية وغيرها؛ “رؤية تجديدية جامعة بين الغايتين الإحسانية والاستخلافية” 2، على أصلها وخراجها نقية زكية مثمرة.
رؤية وفقهُ سنةِ التغيير في الأنفس والمجتمعات، وإدراك أسرارها، كان الانطلاق للتغيير الجوهري “للإنسان الفرد بوصفه أساس عملية التغيير وصانع التغيير، وما المجتمع إلا السقف العلوي لهذا الأساس” 3، رؤية خراجها إنسان “من الأمة وإليها شعورا صادقا، ونمط حياة، ومشاركة في الآمال والآلام، واختلاطا في المجالس، والشارع والسوق. ما هو طفيلي سياسي يمتص دماء الأمة بالتلصص على عطفها. ما هو منافق يتراءى للناس بما يحبون. فحين يعلم المسلمون صدقه يصيخون إليه” 4، رؤية أوجبت حشْد كل المؤسسات: الاجتماعية والسياسية والتربوية والإعلامية لها باعتبارها غاية كبرى؛ خراجها الإنسان المستقيم المؤهل لعمارة الأرض بالرفق والتدرج، وعدم الركون إلى الظالمين.
ولا يخفى أن بعْث مفهوم الاستقامة وتجديده؛ لدى الإمام ومن استشهد بمنقولاتهم؛ يدعو إلى الانتباه إلى الكثير من التفاصيل؛ كمراتب الاستقامة وخصائصها ومقاصدها ونواقضها وعقباتها وثمراتها الفردية والجماعية، وآثارها في مقاومة الظلم وعدم الركون إلى الظالمين، ومظاهر تجلياتها، وعلاقتها بمقام الإحسان، والاستقامة والكرامة، وشروط تحصيلها، وعلاقتها بالمشروع المجتمعي للجماعة، والاستقامة وتحقيق النصر، والاستقامة ووراثة الأرض…إلخ، مما يضفي؛ على الاستقامة في مدرسة المنهاج النبوي؛ طابع الشمولية غير المهملة، وإن على أي باحث أو دارس في الموضوع تحري هذه الشمولية والموضوعية، ولا أزعم الإحاطة بها، لكن حسبي بعض الإشارات المثيرة لنهم الباحثين والدارسين.
على سبيل تعريف الاستقامة عند الإمام
ورد تعريف الاستقامة عند الإمام ياسين رحمه الله في سياقات، تلامس “كل” ما ذكرناه من تفاصيل، أهمها الاستقامة واقتحام العقبة؛ من المفاهيم القرآنية المركزية؛ المنطلق والمعتمد اللازم لنظرية المنهاج النبوي، والمقتبس من قوله تعالى: “فَلاَ اقْتَحَمَ العَقَبَة” [سورة البلد: 11]؛ ومعناها: “أن كل مؤمن صادق سالِكٍ غايتُه الإحسان وإحياء الأمة يُوَطِّنُ نفسه منذ البداية على وعورة الطريق وصعوبة المسالك، وينتظر أن تعترضه عقبات كثيرة منها ما هو متعلق بأنفس البشر، ومنها ما هو متعلق بآفاق الكون، وأن اقتحام تلك العقبات والتغلبَ عليها مرتبط بأبعاد ووسائل متعددة، وتخطيط محكم وبناء تربوي متكامل أحكمَت وضعَ لبناته نظرية المنهاجِ النبوي.” 5
والتعريف المقصود؛ وأعتبره شاملا، جامعا، قد يُقتصر عليه في الباب، وهو قول الإمام: الاستقامة “اقتحام صاعد لعقبة صاعدة. وبجهد استقامتك وجهادها تتقرب إلى الله عز وجل حتى يُحِبَّك ويكون سمعك وبصرك ويدك ورجلك” 6؛ إشارات تربوية عميقة وصوى في طريق السالك إلى الله عز وجل: الإرادة لاقتحام العقبات، وغاية الترقي؛ التقرب إلى الله وطلب وجهه وحبه، ومكابدة المشاق؛ الأنفسية والآفاقية، ومداومة الطاعات؛ يوافق ذلك كله وغيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:30].
وهي معان تلتقي كلها في الاستمرار والمداومة على الطاعات؛ فرضا ونفلا، وفي ذلك يقول القشيري: “من لَمْ يكن مستقيما فِي صفته لَمْ يرتق من مقامه إِلَى غيره وَلَمْ يبين سلوكه عَلَى صحة” 7، لذلك كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمة، وفي الحديث: “اسْتَقِيمُوا، وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ” 8، وفي الحديث القدسي: “… وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ.” 9
ويسترسل الإمام في بسط مركزية الاستقامة في السير إلى الله قائلا: “إن الله “قد كتب سبحانه الاستقامة على كل كثائفك ولطائفك، من جوارح ونفس وقلب وروح وسر؛ (السر) مَحَلُّ المشاهدة كما أن الأرواح محَلُّ المحبة والقلوب محلُّ المعارفِ” 10، بسط يتقاطع مع ما نقله شيخ الإسلام الهروي رحمه الله عن القشيرى قوله: “الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيماً في حالته، ضاع سعيه وخاب جهده” 11، وهذا ما أُشير إليه سابقا من استغراق الاستقامة الجوارحَ، والنفسَ، والقلب، والروح، والسر.
وتجنبا للتكرار المفضي إلى الملل؛ أحيل القارئ(ة) الكريم(ة) إلى بعض ما كُتب في الموضوع، وهو يغني ويفيد؛ من ذلك: مقال لعبد الصمد الخزروني بعنوان: “الاستقامة والسلوك إلى الله تعالى”[12]، و”في معاني الاستقامة ومقتضياتها” لعبد الإلاه بلقاري[13]؛ استقامة تمتح وغيرها من فكر الإمام وما أثله من نساء ورجال؛ يمشون استقامة على الأرض.
محاذير في طريق الاستقامة
من أخطر ما يهدد السالك إلى الله هو أن تشغله جذبته؛ فيُستدرج فينادي في الناس: أنا في نور…هلمُّوا أقودكم إلى النور! 12، ولعل هذا وغيره ما جعل الإمام يشدد في موضوع الاستقامة واعتبرها “هي الكرامة الكبرى”، حيث قال في حوار له: “إنما الكرامة الكبرى الاستقامة على سنة رسول الله؛ من الناس من يزعم أنه يستطيع أن يسلك إلى الله عز وجل الدائم دون أن يلتفت إلى السنة” 13؛ والالتفات عنها مهلكة وأي مهلكة، يقول رحمه الله ورضي عنه: “دوام الاستقامة يوجب دوام الكرامة، والروَغَان عن الطريق غرامةٌ وندامة….” 14.
أما موجبات الاستقامة، ونواقضها ومحاذيرها، وسبل تنزيلها؛ فالإمام لم يكتف بالتنظير لها، بل سلك وعرف وجرب مسالكها على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ داوم عليها، ولم يَرُغ عن الطريق مخافة الغرامة والندامة، وحصن نفسه بصحبة الكاملين وملازمة الصالحين؛ فدامت له كرامة التوفيق، واحتاط من الفتنة وخطر ابتلاعها، ولم يزهد في حلق الذكر والذاكرين، ولم يزغ عن الأوراد، ولم يتهاون في الأوقات؛ مخافة أن يقسو قلبه، وتكسَل جوارحه، وتظلم روحانيته، ولم يعامل ربه بإرادة مائلة، ولا أنانية متطاولة، وكان مقداما ثابتا لا يخاف في الله لومة لائم، وكان جوادا كريما؛ أنفق كل ماله وصحته ونفائس وقته، فمكنه الله من اقتحام العقبة، وحفظه من السقوط، بل زاده رفعة وعزة وشموخا؛ قبل موته وبعدها، فاندقت باستقامته من أعدائه الرقبة.
عرفنا فلنلزم؛ فلا محيد؛ إذن؛ عن ملازمة الكاملين، ولا سبيل إلى الانعزال عن جماعة المؤمنين، ولا زهد في حلق الذكر، أو التهاون في الأوراد، بل يجب الحذر من سوء الأدب مع الله ورسله وأوليائه حتى لا نسقط؛ لا قدر الله؛ من علياء الهمة. هكذا هي؛ إذن؛ الاستقامة؛ أدب كلها: أولا ووسطا ولا نهاية، وهكذا كان سلوك الصحابة؛ رضي الله عنهم أجمعين؛ “أعلى السلوك وأكمله وأقربه وأحبّهُ وأطيبه… نشأوا ورشدوا في حجر خير البرية صلى الله عليه وسلم، إمام الأنبياء، وأب الأولياء… فضلوا الكل بالصحبة… وفضلهم بالجهاد، شغلتهم نصرة الله ورسوله عن تملِّي بَهاء الأنوار الكونية” 15.
هؤلاء هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كان سلوكهم جهاديا، رفضوا كل المساومات في دينهم، وعملوا بقوله تعالى: “ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار”، أما معاناتنا اليوم -علماء وعامة وأكاديميون، نخب وساسة- فتظهر في أخطر تجلياتها، حين ينكسر جدار الاستقامة بالركون السياسي والنفسي إلى الظالمين.
فهل؛ يا ترى؛ يستقيم الحديث عن مشروع سياسي، أو مجتمعي في ظل هذا الكسر؟ وفي ظل عدم رفض المساومة على الاستقامة؟
[2] مجدي محمد قويدر، التغيري الاجتماعي عند الإمام عبد السلام ياسين، مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين، الإصدار: 5، الطبعة الأولى: 1439/2018م، ص: 5.
[3] التغيير الاجتماعي عند الإمام عبد السلام ياسين، ص: 5.
[4] عبد السلام ياسين، رجال القومة والإصلاح، ص: 39 ـــ 40.
[5] محمد ياسين العشاب باحث في الفكر الإسلامي/المغرب، التأصيل المنهاجي لاقتحام العقبة إلى الله عز وجلhttps://yassine.org/
[6] عبد السلام ياسين، الإحسان، ج2، بيروت: دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة 2 السنة 2018، ص:214.
[7] عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (ت 465هـ)، الرسالة القشيرية، تحقيق: الإمام الدكتور عبد الحليم محمود، الدكتور محمود بن الشريف، دار المعارف، القاهرة ج، 2، ص: 356.
[8] ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجة اسم أبيه يزيد (ت 273 هـ)، سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي [ت 1388 هـ]، دار إحياء الكتب العربية – فيصل عيسى البابي الحلبي، ج: 1، ص: 101.
[9] البخارى، صحيح البخاري، تحقيق جماعة من العلماء، الطبعة الأولى 1422 هـ لدى دار طوق النجاة – بيروت، الرقم: 6502، من أفراد البخاري على مسلم.
[10] الإحسان، ج2، ص:214.
[11] عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (ت 465هـ)، الرسالة القشيرية، تحقيق: الإمام الدكتور عبد الحليم محمود، الدكتور محمود بن الشريف، دار المعارف، القاهرة، ج: 2، ص: 356.
[12] عبد السلام ياسين، حوارات مع عبد السلام ياسين، دار إقدام للطباعة والنشر والتوزيع، إستانبول، الطبعة الأولى2023، ص: 199.
[13] حوارات مع عبد السلام ياسين، ص: 162.
[14] عبد السلام ياسين، الإحسان ج: 2، ص: 215.
[15] عبد السلام ياسين، الإحسان ج 1، الطبعة: 2/2018، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ص: 198.