استعداد المؤمنة لرمضان بين تزكية القلب وبناء العمران الإيماني عند الإمام عبد السلام ياسين

Cover Image for استعداد المؤمنة لرمضان بين تزكية القلب وبناء العمران الإيماني عند الإمام عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

1.  رمضان: فصّ يزين الزمن ومدرسة العمر

يصف الإمام عبد السلام ياسين في كتاب “تنوير المؤمنات”، ج 1، ص 355 – 356 رمضان بأنه «فَصٌّ يزين الزمن كما تزين الحُليَّ الجواهر النفيسة»، فهو ليس مجرد شهر في التقويم، بل موسم اصطفاه الله من السنة وجعله عيدها، كما جعل الجمعة عيد الأسبوع، واعتبر عام الحج فصًّا في عمر المسلمة.

من هنا يربط الإمام بين زمن المرأة ورمضان، فكما أن في السنة فصلا مميزا، ففي حياتها أيضا محطات فاصلة؛ رمضان فيها فرصة لتجديد الصلح مع الله، واستئناف السير إليه بعد فترات الفتور والغفلة، وطلب مغفرته وإحسانه والعتق من النار.

أي أن وظيفة رمضان الأساسية ليست تغيير نظام الأكل والنوم، ولكن ولأنه شهر «البركات والخيرات والتوبة وتجديد الصلح مع الله»،  فهو فرصة تعيد فيها المؤمنة ترتيب علاقة قلبها بالله، وتصحيح الوجهة، وتجديد العهد على أن تكون حياتها كلها لله.

2.  الصيام تربية للجسد والنفس والروح

يفصّل الإمام في معنى الصيام في نفس الفقرة، فيقول إن رمضان يفطم الجسد عن طبعه: شهوة الطعام، حاجة الشراب، ولذة الجسد؛ حتى تتعلم المسلمة معنى الجوع والعطش، وتمرين ضبط الذات، وإلجام الهوى.​

لا يتوقف عند المعنى الفقهي (الإمساك عن المفطرات)، بل يربطه بالمقصد التربوي: التحكم في «الأوصاف الحيوانية» لتسمو الروح وتتطهر، فتغلب الصفات الملائكية على ثقل الطين، فيقترب الصائم والصائمة من الملإ الأعلى.

يشرح أن «حق الصيام» هو إمساك الجسم عن الماديات الممنوعة شرعاً، مع كف الجوارح واللسان عن المعاصي، وشغلها بالعبادة حتى تضفي على القلب روحانية تنسيه أثقال الأرض، ليتعلق بمعاني السماء.​

ويستشهد بالحديث القدسي «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به» ليبيّن أن الصوم عبادة سرّية بين العبد وربه، تُظهر صدق النية ودرجة المراقبة، فكلما زاد حظ القلب من الصوم زادت روحانية الصائم.

في «المنهاج النبوي» ص 304-305 يضيف أن للصوم «زيادة على أثره التربوي» فضلاً في رفع الروحانية وتصفيتها، لأنه إمساك للجسم والنفس عن مبتغاهما، مع تزكية نية القربة، فتكتسب الروح شفافية.​

هذه الشفافية تجعل النفوس أقرب إلى الالتئام والتحاب والتعاون إذا تهذبت من كدر الشهوات، وسمت عن الماديات؛ ومن هنا يصبح رمضان عند الإمام رحمه الله موسماً لبناء الجماعة المؤمنة المتحابة، لا مجرد عبادة فردية منعزلة.

3.  رمضان والقرآن: اقتران لا ينفصم

ينبّه الإمام المرشد عبد السلام ياسين في مجلسه ليوم الأحد 12 رمضان 1426 الموافق لـ 16 أكتوبر 2005 إلى أن رمضان يقترن فيه «خيران عظيمان: الصيام والقرآن»، لذلك يدعو إلى إحياء لياليه بالتلاوة والقيام، وصيام أيامه “إيماناً واحتساباً”.
يشرح أن الإيمان والاحتساب يتفاوتان، فالعبرة ليست بمجرد أداء العبادة، بل بدرجة حضور القلب وتصديقه بوعد الله، وانتظار الأجر منه وحده، لا من أعراف اجتماعية أو عادة عائلية.​

يؤكد أن علاقة المؤمن بالقرآن في رمضان ليست علاقة «ختمة سريعة» فقط، بل علاقة تذوق وتخلق وتزود للآخرة؛ لذلك كان يحث على حفظ القرآن، والتزود به، وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، فيلتقي الجوع البدني مع غذاء الروح القرآني، فتولد في القلب قوة على السير إلى الله.​​

4.  رمضان في شعر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى

نظم الإمام عبد السلام ياسين أشعارا حسانا في ذكر هذا الشهر الفضيل، تنوعت موضوعاتها بين الترحيب بالشهر الكريم، والدعوة إلى اغتنام أيامه ولياليه في الإقبال على الله تعالى، والتذكير بالأمجاد والبطولات التي شهدها هذا الموسم الرباني.

يقول رحمه الله تعالى مرحبا بقدوم الشهر الفضيل، داعيا إلى توبة نصوح تجبّ ما قبلها، وتمحو ما سلف من الذنوب، مؤكدا أن رمضان فرصة سانحة للجم النفوس عن غيّها، وكبح جماحها، مبرزا أنه مدرسة عظيمة تتربى فيها القلوب على معاني الصبر والعزم والجهاد:

رمضانُ حلَّ فيا عزائمُ صمِّمي

واجفُوا المنام معاشرَ الرُّقادِ

إن كان أبلى فيكُمْ الإيمان ما

جَنَتِ اليَدانِ بنَزْوَةٍ وتمادي

فهلالٌ أبركِ مطلعٍ في عامِكُمْ

يدعو العُصاةَ لتَوْبَةٍ ويُنادي

 قُوموا فلبُّوا للصيام أوامراً

وتزوَّدُوا فلَنِعْمَ عقبَى الزَّادِ 1

ثم يذكرنا رحمه الله تعالى بالمعاني السامية التي من أجلها شرع هذا الشهر الكريم، فهو شهر الهداية وتذكر الآخرة، وشهر غض الطرف وإمساك اللسان عن الغيبة والنميمة، كما أنه شهر الرحمة وتذوق حلاوة الإيمان، لا شهر القيل والقال، والكذب والزور، وقضاء لياليه في المسامرات التافهة.

يقول رحمه الله تعالى:

صَامَ العِبَادُ عنِ الطَّعامِ نَهارَهُمْ

والنَّفسُ كَارِهَةٌ لِطُولِ مَلاَلِهَا 

وَالزُّورُ ما انْتَبَذَتْهُ والتَذَّتْ بِهِ

  وَتَمَرَّغَتْ فِي قِيلِهَا ومَقَالِهَا

والليْلُ قَضَّتْهُ مُسَامِرَةً لِمَنْ

أطْرَى قَبيحَ فِعالِهَا وضَلالِهَا

رَمَضَانُ شَرَّعَهُ الإلَهُ لِتَهْتَدِي

فِيهِ النُّفوسُ وَتَعْتَني بِمآلِهَا

وَتَغُضَّ طَرْفاً عَنْ غَرائِزِها التي

لاَ يَفْتُرُ الإعْصارُ مِن بِلْبَالِهَا

وَتَذُوقَ مِنْ نَبْعِ السكينَةِ رَشْفَةً 

تَشْفِي سُمُومَ الفَتْكِ مِنْ أَصْلالِهَا

صلّى الإله على النبيِّ مُحمَّد 

حَتَّى تُفَكَّ النَّفْسُ مِنْ أغْلاَلِها 2

في الختام، يجسد استعداد المؤمنة لرمضان مدرسة تزكية تتجاوز الصيام الجسدي إلى تربية القلب والنفس، وبناء عمران إيماني يمتد من بيتها إلى الأمة كلها. فالصوم والقرآن خيران عظيمان يحييان الروح ويعيدان صفاءها، فتصبح المؤمنة قائدة لأهلها في هذه المدرسة السنوية، تضبط لسانها وجوارحها، وتحول أعمالها المنزلية إلى قربة وتربية.


[1] عبد السلام ياسين، المجموعة الشعرية، ط 2025/1، دار إقدام للطباعة والنشر والتوزيع، إستنبول، قطف 128، ص، 165.
[2] نفسه، قطف 384، ص294.