المقدمة
هذه الحكمة؛ من دقائق الحكم التربوية؛ إذ شبَّهت الأدب بالطعام، وشبَّهت العمل بالملح، وفي ذلك إشارات عميقة إلى ترتيب الأولويات في السير إلى الله تعالى، وفي معاملة الخلق.
المبحث الأول: معنى الحكمة (اجعل أدبك طعامًا)
المطلب الأول: الأدب هو الأصل والغذاء
الطعام هو أساس البقاء، وبه قوام الجسد، فكذلك الأدب، هو قوام الدين والإنسانية.
1 – فالعلم بلا أدب فتنة.
2 – والعمل بلا أدب قسوة ورياء.
3 – والدعوة بلا أدب تنفير.
المطلب الثاني: تقديم السلف الصالح الأدب على العلم والعمل والدعوة
كان السلف الصالح، يقدِّمون تعلم الأدب على كثير من العلم والعمل.
1 – قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: (نحن إلى قليل من الأدب، أحوج منا إلى كثير من العلم).
2 – وقال الإمام مالك رحمه الله لأمِّ أحد طلابه: (اذهبي إلى ربيعة، فتعلمي من أدبه قبل علمه).
المطلب الثالث: مجالات الأدب
الأدب يشمل:
1 – أدب العبد مع الله تعالى.
2 – أدب العبد مع رسول الله ﷺ.
3 – أدب العبد مع العلماء والناس عامة.
4 – أدب العبد مع نفسه.
ومن فقد الأدب حُرم بركة العمل.
المبحث الثاني: معنى الحكمة (اجعل عملك ملحا)
العمل كالملح، والملح مهم، لكنه قليل بالنسبة للطعام، فإذا زاد أفسده. ومعنى الحكمة: لا تجعل همَّك كثرة الأعمال الظاهرة مع فساد القلب والخلق.
بل ليكن عملك تابعًا للأدب والإخلاص والخشوع. فالعمل إذا خلا من الأدب صار:
1 – رياءً.
2 – أو عجبًا.
3 – أو تكبرًا.
4 – أو سببًا للطعن في الناس.
أما الأدب، فيزين العمل القليل، حتى يعظُم عند الله.
المبحث الثالث: الأدلة الشرعية لهذه الحكمة
المطلب الأول: الأدب قبل العمل
1 – قال الله تعالى في سورة البقرة: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا[البقرة: 83] فقدَّم سبحانه وتعالى في هذه الآية حسن الخلق والقول الطيب.
2 – قال تعالى في أدب المؤمنين مع النبي ﷺ في سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ[الحجرات: 2]، فدلَّت هذه الآية، على أن سوء الأدب قد يُفسد الأعمال.
المطلب الثاني: منزلة حسن الخلق من الدين
1 – روى البيهقي في شعب الإيمان، وأحمد في المسند، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ، رضي الله عنه، وابن عساكر عن جابر، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (أَحَبُّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبُكُمْ مِنِّي مجلسًا يومَ القيامةِ، أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقًا، وَأَبْغَضُكُمْ إِلَيَّ؛ وَأَبْعَدُكُمْ مِنِّي مجلسًا يومَ القيامةِ، مساوئُكم أَخْلاَقًا، الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ) 1.
2 – روى ابن حبان، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: (أَثْقَلُ شَيْءٍ في الميزان، الخُلُقُ الحَسَنُ) 2. وللحديث أطراف أخرى منها: “ما شيء أثقل”، “ما من شيء يوضع” فجعل الرسول ﷺ حسن الخلق من أعظم القربات.
المطلب الثالث: العمل بلا إخلاص ولا أدب لا ينفع
1 – قال تعالى في سورة الماعون: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، فهؤلاء يعملون، لكن لما فقدوا الأدب مع الله والإخلاص، ذُمُّوا.
2 – روى ابن ماجه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: (رُبَّ صائمٍ ليسَ لهُ منْ صيامهِ إلا الجوع، ورُبَّ قائم ليس له من قيامه إلا السهر) 3. لأن العمل الذي قام به هؤلاء، من صيام وقيام، خلا من التقوى، والأدب الباطني. فكان هباء منثورا في ميزان الشرع.
المبحث الرابع: المعنى التربوي للحكمة
هذه الحكمة تدعو إلى:
1 – إصلاح القلب قبل التفاخر بالعمل.
2 – العناية بالخُلُق والتواضع.
3 – التوازن بين الظاهر والباطن.
4 – الاهتمام بجمال المعاملة، كما نهتم بكثرة العبادة.
فقد يكون شخص كثير النوافل، لكنه سيء الخلق، وآخر قليل العمل لكنه حسن الأدب، رحيم بالناس؛ فيكون الثاني أقرب إلى القبول. روى الإمام أحمد في المسند، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه قَالَ: (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلاَنَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاَتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا؛ غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلاَنَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاَتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ، وَلاَ تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ). 4، فكثرة عمل هذه المرأة، لم يشفع لها عند غياب الأدب، فاستحقت النار، لسوء خلقها. وقلة عمل المرأة الأخرى مع التحلي بالأدب، استحقت بسببه رضى الله والجنة. قال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “غاية التربية، أن يتحول العلم إلى خُلُق”.
خلاصة الحكمة
الأدب هو الأصل الذي تقوم عليه شخصية المؤمن. والعمل زينة للأدب وثمرة له. وقليل العمل مع حسن الأدب، خير من كثير عمل مع قسوة وكبر. والأدب الصادق، دليل على حياة القلب. وقد لخَّص ابن عطاء الله السكندري رحمه الله هذا المعنى بقوله: “رب معصية أورثت ذلًّا وانكسارًا، خير من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا”. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[2] أخرجه ابن حبان (2/230، رقم 481)
[3] أخرجه ابن ماجه (1/539، رقم 1690)، قال البوصيري (2/69): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وأخرجه أيضًا: النسائي في الكبرى (2/239، رقم 3249).
[4] رواه أحمد في المسند: 9673، قال الشيخ الأرناؤوط: إسناده حسن