الليل زمن صفاء تنشغل فيه الروح بالأنس بالله والتقرب إلى حضرته. إذا أرخى سدوله، سكنت الأصوات، ونامت العيون، وانكشفت بين العبد وربه ستائر الغفلة. فيه ساعة خبأها الله عن الغافلين، ودل عليها قلوب المشتاقين، ساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة. فأي كرم هذا؟ وأي وعد يسكب في كأس الظلام فيصير نورا؟
في الليل هيبة لا تشبه هيبة النهار. النهار صخب وسعي وتفرق، والليل جمع وسكون وتجلٍّ. إذا جن الليل، قامت الأرواح من مرقدها، وتوضأت القلوب بدموعها، ووقف الفقراء على باب الغني يسألون وما لهم سواه. هو الوقت الذي تضع فيه الدنيا زينتها، فلا منصِب يشفع، و لا مال ينفع، ولا يبقى إلا قلب منكسر يقول: يا رب.
هناك، في جوف السحر، تنزل الرحمات كما ينزل الندى على الزهر الظمآن. تطرق باب الملك وأنت وحدك، لا حاجب ولا بواب، فتجد الله أقرب إليك من حبل الوريد، يسمع أنينك قبل أن تنطق، ويعلم حاجتك قبل أن تسأل، لكنه يحب أن يسمع صوتك مكسورا بين يديه، لأن الانكسار له عز لا يعرفه المتكبرون.
الليل مدرسة العارفين، ومحراب المحبين، وديوان المذنبين التائبين. فيه بكى من سبقونا وذرفوا الدموع لطلب العلى. وما زالت تلك الساعة مبذولة لكل من أراد، لا تغلَق دون طارق، ولا تحجب عن صادق.
فإذا هجعت العيون، فاهجر فراشك، وقم إلى ربك. اغسل وجهك بدمع الخشية، وارفع كفيك بذلّ العبودية، وقل: يا من لا تخيب لديه الوسائل، هذا مقام العبد الذليل بين يديك. سلْه خير الدنيا فهو الكريم، وسلْه خير الآخرة فهو الرحيم. ثم لا تنس أمة حبيبك محمد ﷺ التي أثقلتها الجراح، ومزقتها الفتن، وفرقتها الأهواء؛ سلْه لأراملها سترا، ولأيتامها جبرا، ولشيوخها رحمة، ولشبابها هداية وثباتا وقوة وفتوة. سلْه أن يرفع الظلم عن المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، عن الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق، وناموا على صوت القصف واستيقظوا على رائحة الدم. سلْه أن يطفئ نار الحرب في بلاد المسلمين، ويحقن دماءهم، ويوحد صفهم على كلمة سواء. سلْه أن يرد الأقصى عزيزا، وأن يرد القلوب إلى المحاريب، والعقول إلى القرآن، والبيوت إلى السكينة. سلْه أن يبدل ذل الأمة عزا، وخوفها أمنا، وتفرقها اجتماعا على حبه وحب نبيه. فإن دعوة السَّحر سهم لا يخطئ، وإن أنين المؤمن على أمته عند الله عظيم. فإن وافقتَ تلك الساعة، وافقْتَ القَبول، وإن أدركتَ ذلك النَّفَس، أدركتَ الوصول.
فيا من أثقلته الهموم، وضاقت عليه الدروب، هذا الليل بساط ممدود، وربك يناديك: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ قم، فإن في السجود حياة لا يذوقها القائمون في النهار، وإن في دعوة السَّحر سرا لو عرفه الملوك لقاتلوك عليه بالسيوف.
فلا تنم وفي قلبك حاجة، فإن لك ربا لا ينام، وساعة لا ترد فيها الدعوات، وبابا لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها. توضأ باليقين، وصل ركعتين، واذرف دمعتين، ثم سل ما شئت، فإنك تسأل من بيده خزائن السماوات والأرض، ومن إذا أعطى أدهش، وإذا أجاب أكرم.
اللهم اجعلنا من أهل الليل، الذين إذا جن عليهم الظلام قاموا إليك، وإذا سكتت الأصوات ناجوك، وإذا نام الناس سهروا على بابك، حتى تشرق في قلوبهم شمس معرفتك، فلا يرون في الوجود سواك.