أي علم نعلم الناس في رمضان؟

Cover Image for أي علم نعلم الناس في رمضان؟
نشر بتاريخ

ونحن على وشك الدخول في أيام وليالي رمضان الفضيل، أحببت أن أذكر نفسي أولا وعموم المهتمين بالشأن التعليمي – للكبار خاصة – بجملة أمور حبذا لو كانت محورا لمجالس العلم والتعليم قبيل رمضان وخلال أيامه ولياليه الأولى؛ حتى نغنم جميعا صياما متقبلا ذا أثر كبير في تقربنا من ربنا الكريم وفي علاقاتنا مع غيرنا في رمضان وما بعده من الشهور.

كلنا نعلم ما لرمضان من قدسية في شرع ربنا عز وجل؛ ففيه أنزل القرآن الكريم، يقول الله تعالى في سورة القدر: اِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِے لَيْلَةِ اِ۬لْقَدْرِۖ (1) وَمَآ أَدْر۪يٰكَ مَا لَيْلَةُ اُ۬لْقَدْرِۖ (2) لَيْلَةُ اُ۬لْقَدْرِ خَيْرٞ مِّنَ اَلْفِ شَهْرٖۖ (3) تَنَزَّلُ اُ۬لْمَلَٰٓئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٖۖ (4) سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّيٰ مَطْلَعِ اِ۬لْفَجْرِۖ (5)، وفيه ليلةٌ العبادةُ فيها خير من عبادة ألف شهر، وأخبرنا صلى الله عليه وسلم بأن فضل صيام رمضان وقيامه إيمانا واحتسابا يتمثل في غفران ما تقدم من ذنوب العبد الصائم القائم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” (أخرجه البخاري ومسلم)،  وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” (أخرجه البخاري واللفظ له، ومسلم).

ولاشك أن أيام رمضان كلها أيام أنوار وبركات ورحمات، لكن أعظمها خيرا وبركة ونورا هي العشر الأواخر؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يخصها بمزيد من الإقبال على مختلف الطاعات تقربا إلى الله سبحانه والتماسا لليلة القدر؛ التي نصت سورة القدر على عظيم فضلها.

شهر هذه قداسته وهذا فضله حري بكل مؤمن لبيب أن يحرص على اغتنام أيامه ولياليه، فيشمر على ساعد الجد في الإقبال على مولاه بالفرض والنفل من سائر الطاعات، ويدخل على الملك الديان من سائر الأبواب دخول العبد الذليل الفقير المحتاج؛ يسأله رضاه وأعلى مراتب الجنان.

وكل مجلس علم، وكل موضوع علم، لا يحرك في عقل المسلم وقلبه الشوق إلى الله ومرضاته، والعزم الأكيد على الاجتهاد ومجاهدة النفس لتستقيم على طاعة المولى الكريم، أو ينبهه ويحذره من كل نية أو فعل أو حال تحول دون ذلك المطمح الكبير، فإنما هو لغو يحتاج إلى استغفار وتوبة.

عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول؛ كان يقول: “اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم، وعذاب القبر. اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها. اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها” (أخرجه مسلم في صحيحه).

قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ورضي عنه في كتابه ميزان العمل: “نحن نبتغي من العلم تبليغ النفس كمالها لتسعد بكمالها مبتهجة بما لها من الجمال والبهاء أبد الدهر”.

إن العلم المطلوب بإلحاح، خاصة في عصر المعلومة المتاحة، هو العلم بالله وحبه وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، وحب الصحابة والتابعين، وحب أولياء الله والصالحين من عباده؛ حبا محفزا على العمل بعملهم والاقتداء بهم والكينونة معهم ونيل ما نالوا من القرب من الله. لكن السؤال الذي يطرح في هذا الباب هو : كيف السبيل للنهل مما نهلوا منه؟ والجواب هو: السعي لصحبة أرباب القلوب حتى يصير للباحث قلب؛ فالأمر كله مرهون بصلاحه وحياته وسلامته؛ إذ لا ينفع يوم لقاء الله إلا من أتاه بقلب سليم.

متى ذاق القلب حلاوة الإيمان، نشطت الجوارح في القيام بالعبادات، وحرصت على الإتيان بها على الوجه المطلوب. ورحم الله الإمام البوصيري إذ يقول في “الهمزية”:

وإذا حلت الهداية قلبا

نشطت للعبادة الأعضاء

والتأكيد على هذا الجانب من العلم لا يعني تغييب تعليم الناس كيفية الصيام: شروطه وأركانه ومقاصده وسننه ومكروهاته ومفسداته، وكل ما له به علاقة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إنما قصدت التنبيه لأهمية العلم المشار إليه، الذي يطلق عليه الإحسان أو علم التزكية، لكونه بالنسبة للعلوم الأخرى بمثابة الروح للجسد. والله من وراء القصد هو يهدي السبيل.