تقول إحدى الأسيرات بعد خروجها من سجن الاعتقال التعسفي الظالم: ‘أسوء ما يمر علينا هي لحظات الصباح الباكر … بعد أن نفتح أعيننا على بشائر يوم آخر جديد نجد أنفسنا ونحن تحت رحمة قضبان السجن وظلم السجان، لحظات تتجدد فيها كل عذابات الجحيم المقيم ونحن في ذلك الظلام الدامس.
عندما يشق نور الشمس صباحا طريقه وسط كل تلك العتمة، لتنعكس خيوطه الأولى على الحائط، ويرتسم عليه شكل شباك باب السجن، فيظهر في الغرفة خيال تلك القضبان الحديدية الباردة الجامدة جمود أرواحنا المثقلة بالأحزان، تتذكر حينها عيوننا الشاخصة ما نحن فيه من أسر وأسى، فنُصاب بالاختناق النفسي من أول النهار، هي لحظة تتكثف فيها التعاسة والشعور بالقهر والخذلان’.
تبدأ معاناة الأسيرة منذ اللحظات الأولى للمداهمة الليلية، بعد أن تُسحب وهي مقيدة اليدين، معصوبة العينين أمام أطفالها وعائلتها، لتحتجز في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الحياة الإنسانية.
الحرب النفسية التي تمارس على الأسيرات لكسر إرادتهن الحرة لا توصف؛ إخضاعهن، وإذلالهن بشتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي، عبر منظومة تعذيب محددة، من تعنيف وضرب وتحرش جنسي إلى اغتصاب، كل ذلك من أجل تعطيل الدافع النفسي والقدرة على المقاومة.
هي أساليب ممنهجة هدفها تحطيم الإرادة والمقاومة ضد الظلم والعدوان. يقال إن تعذيب النفوس أشد قسوة من تعذيب الجسد؛ خاصة عندما يكون مَن سجنوك من أبشع أنواع البشر وأخبثهم على وجه الأرض، يصبحون أساتذة في ابتكار أنواع التعذيب لقهر الأسيرات والأسرى وتدمير معنوياتهم.
هنا أتذكر قصة الأسير “عامر”، بعدما كان يتلقى أقسى أنواع التنكيل والعذاب في سجون الاحتلال، حتى حار المحققون في تفسير كلمة “أحد أحد” التي كان يرددها “عامر” بشكل مستمر، والتي ما كانت تزيده إلا صمودًا، فلا يجيب عن أسئلتهم.. وهو يشعر بأنه روح بلا جسد.. كيف لا وقد وصل إلى معاني حقيقة الإيمان، يتذوّقها بكل مشاعره ووجدانه، ويشم أريجها ويسعد بطمأنينتها.
ما تتعرض له الأسيرات في معسكرات الاعتقال، هو أسلوب ممنهج، ونظام تعذيب القصد منه النيل من إرادة المرأة الفلسطينية ورمزيتها في الصمود، وتحطيم الهوية، وكسر المقاومة.
لكن هيهات هيهات أن ينالون من الأسيرات فهن مقاومات حتى الممات، النصر أو الشهادة شعارهن في هذه الحياة.
يبقى واجبنا نحوهن هو الحديث عن معاناتهن، وتسليط الضوء عليها نصرة لهن، راجين من العلي القدير أن يرفع عنهن كل هذا الجور والحيف والتعسف الذي يطولهن. وأن يتوج صبرهن بالعطاء الجزيل من الله تعالى دنيا وآخرة.
نأسف لحال أمتنا اليوم، وهي تعيش مرحلة الغثائية وقد ضربت عليها الذلة والمسكنة. لولا هذا الضعف في كيان الأمة الإسلامية، لكانت الأرض المباركة محررة، وحرائر الأمة الأسيرات ينعمن بالعزة والكرامة في بيوتهن مع أطفالهن.
ورغم هذه الأهوال نقول بيقين المومن بقضاء الله تعالى: إن غدا لناظره قريب، ومهما طال الليل لابد من طلوع الفجر. وفجر هذه الأمة سيعود سيعود إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.