تقديم
القرآن الكريم هو حبل الله المتين الممدود من رب العالمين لهذه الأمة، به تطهر القلوب وتهذب الأخلاق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا” 1. والقرآن هدي ونور وموعظة وشفاء لما في الصدور “وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا” [الأنفال: 2]. والقرآن رسالة من الله، وهو مصدر التوحيد، ومصدر العبادة، وهو دليل على الخيرات، وأهله هم أهل الله وخاصته، جاء في الحديث الشريف: “إن لله أهلين من الناس، قالوا من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته” 2.
فضائل القرآن
لقراءة القرآن الكريم فضائل عدة نذكر منها؛ نيل رضا الله عز وجل وامتثال أمره وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الكهف: 27]. وهذا أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده، لأن القرآن صالح لكل زمان ومكان، وحري بنا أن نستجيب لأمر الله ولأمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فهو الرحمة المهداة وبهديه نقتدي، قال صلى االله عليه وسلم: “اقرؤوا القرآن، ولا تغرنكم هذه المصاحف المغلقة، فإن الله لا يعذب قلبا وعى القرآن” 3. نتلوه لتطمئن قلوبنا وتتنزل علينا السكينة، فهو القائل سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 29].
والقرآن يرتقي بصاحبه ويرفع درجاته في الدنيا والآخرة، وهذه المنزلة العظيمة يبشرنا بها سيد الخلق أجمعين صلوات الله وسلامه عليه: “يقال – يعني لصاحب القرآن – اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها” 4.
ومن صاحب القرآن تلاوة وحفظا وتدبرا كان له شفيعا يوم القيامة، جاء في الحديث الشريف: “اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه” 5.
والقرآن الكريم كلام الباري سبحانه، وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، فعلينا تعظيم الكلام والمتكلم، واستحضار عظمة الله سبحانه وتعالى في قلوبنا عند تلاوته وحفظه وتدبره… قال أحد السلف: “لم أر خليلا يرفع خليله كالقرآن، فطوبى لمن اتخذ القرآن خليلا”.
تعلم القرآن وتعليمه
إن القرآن كلام الله عز وجل وأنى لنا أن نتلوه أو نحفظه لولا أن ييسره الله تعالى لذلك: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر [القمر: 17]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: “لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عزوجل” (تفسير ابن كثير).
ولقد بشر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حافظ القرآن بالكينونة مع الملائكة الكرام، وبشر الذي يجتهد في تعاهده مع ما يجد من شدة التفلت بالأجر المضاعف فقال صلى الله عليه وسلم: “مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران” (صحيح البخاري). كما أثنى خير البشرية أجمعين صلى الله عليه وسلم على من تعلم من القرآن شيئا وعلمه، فعن سيدنا عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” (رواه البخاري).
فحفظنا لكتاب الله يتعين منا تعهده باستمرار، وهي وصية رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وشرط واجب لعدم هجران القرآن، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت، بل نسي، واستذكروا القرآن، فإنه أشد تقصيا من صدور الرجال من النعم” (رواه البخاري).
“فبشرى للمجتهدين في تعلم القرآن وتعليمه، بشرى لحافظي القرآن الكريم ومحفظيه للناس، بشرى للماهرين بالقرآن الملقنين للناس تلاوته، جزى الله عنها مشايخنا وقراء هذه الأمة من عهد النبوة إلى زماننا الذين تعلموا وعلموا فحفظ الله بهم معجزة خاتم النبيين الخالدة” 6.
ولتعلم القرآن وتعليمه أثر كبير في بناء الأجيال، “فمن كان أساس بنائه القلبي والفكري كتاب الله عز وجل خليق أن ينعكس فضل القرآن ونوره على حياته” 7.
وللتدرج التعليمي القرآني أثره في بناء الشخصية المتوازنة، “إن كان المسجد مركز إشعاع التعلم، والقرآن غذاء الصبي الأول وزاده كل حياته، فستنبعث فينا أجيال مصونة إن شاء الله لن تستفزها المحرضات ولن يغيرها الكسب، بل تكتشف في سن مبكرة أن لا عيش إلا عيش الآخرة وأن الجهاد في سبيل الله هو الخطة المثلى، والهدف المشروع الصالح للنفوس الكريمة، والقرآن الكريم تتشربه الشخصية الغضة الفطرية هو وحده يعطي النفوس كرامتها ويهديها فطرتها” 8.
ودوام الخيرية للأمة مرتبط ببناء الصرح التعليمي على الأساس القرآني “ولن تزال هذه الأمة بخير ما اتخذت القرآن عمدة التعليم والتربية وقوامها. ففي مدارس الصبيان واليافعين والشباب والكبار ينبغي أن تعاد للقرآن حرمته ومكانته بحيث يكون صلب دروس اللغة والفقه والأخلاق والعقيدة، في حلقات الدعوة في المسجد، في برامج التعليم المدرسي والجامعي، وإن إبعاد القرآن عن المدارس والمعاهد والجامعات وتقلص حصصه، وعدم اعتبار حفظه وتجويده وفهمه في الامتحانات لمحاربة لواحد من شعائر الإسلام العظمى” 9.
وللقرآن بركة تحل بالبيوت، وبالرزق فتوسعه، وبالابن فتصلحه، ولقد جاء في القولة المأثورة: “فما زاحم القرآن شيئا إلا باركه”، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “لا شيء يغذي العقل والروح ويقوي الجسد ويضمن السعادة أكثر من إدامة النظر في كتاب الله”. وكان سلفنا الصالح سليمي الفطرة، فقد كان القرآن عندهم هو العلم، “هو مرجع المتعلم، ومدونة القاضي، ودليل المجتهد، ووثيقة المؤرخ، ودستور الحاكم، وقانون الأخلاق، ومحاسبة الاقتصاد، وضابط العلاقات البشرية، وعقد السلم، وإعلان الحرب. وعلى حواشيه المقدسة الشرح النبوي، وحي من الوحي، وقبس من السماء” 10.
فكيف تنطفئ جذوة القرآن في قلوبنا ! يقول الأستاذ منير الركراكي: “من عرف ما قصد هان عليه ما وجد، ألا إن سلعة الله غالية”.
[2] أخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه. الحديث صحيح وحسنه الألباني وغيره.
[3] الفتح الباري لابن حجر (9/79 ط السلفية).
[4] سنن الترمذي رقم (2914)، وسنن أبو داود رقم (1464). حديث حسن صحيح.
[5] أخرجه مسلم رقم (804) عن أبي أمامة الباهلي.
[6] تذكرة في تعلم القرآن وتعليمه لمولاي حفيظ سني سليطن ص 14، ط 1.
[7] إمامة الأمة للإمام عبد السلام ياسين، ط 1، ص 165.
[8] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا للإمام عبد السلام ياسين، الخصلة 5، الشعبة 43، ط 1، ص 230.
[9] إمامة الأمة، الإمام عبد السلام ياسين، تعلم القرآن، ط 1، ص 165.
[10] إمامة الأمة، عبد السلام ياسين ط1 ص 160-161.