أنس الأرواح

Cover Image for أنس الأرواح
نشر بتاريخ

قال تعالى في سورة الروم: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.

من الآيات الظاهرة الخفية التي تجمع بين الرجل والمرأة في الإسلام مباشرة بعد عقد الميثاق الغليظ هي هذه العاطفة الجميلة العجيبة التي أسماها الله في الآية بالسكن، وهي من أعظم الآيات الدالة على الله الموجبة للتفكر ثم للشكر، ولولا العادة التي أبطلت فينا حس الفهم لما سكتنا عن تسبيحه سبحانه.

يقول سيد قطب في تفسير هذه الآية: “والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الآخر، وتشغل أعصابهم ومشاعرهم تلك الصلة بين الجنسين، وتدفع خطاهم وتحرك نشاطهم تلك المشاعر المختلفة الأنماط والاتجاهات بين الرجل والمرأة. ولكنهم قلما يتذكرون يد الله التي خلقت لهم من أنفسهم أزواجاً، وأودعت نفوسهم هذه العواطف والمشاعر، وجعلت في تلك الصلة سكناً للنفس والعصب، وراحة للجسم والقلب، واستقراراً للحياة والمعاش، وأنساً للأرواح والضمائر واطمئناناً للرجل والمرأة على السواء.

والتعبير القرآني اللطيف الرفيق يصور هذه العلاقة تصويراً موحياً، وكأنما يلتقط الصورة من أعماق القلب وأغوار الحس: لتسكنوا إليها.. وجعل بينكم مودة ورحمة” (في ظلال القرآن، سيد قطب).

ويحكي الشيخ النابلسي قصة تجسد هذا السكن وتقرب لأفهامنا معناه؛ رجل يعمل خارج وطنه، عاد لوطنه ليتزوج، لم يوفق في العثور على من تشاركه حياته إلا قبل ثلاثة أيام من سفره، خطبها له أهله في اليوم الأول، وعقد قرانه عليها في اليوم الثاني، وسافر إلى عمله في اليوم الثالث. يقول الراوي للقصة: “الذي يلفت النظر أن هذه الفتاة وهي في المطار تودِّع زوجها الذي لم يمض على عقد قرانهما إلا أربعٌ وعشرون ساعة بكت بكاءً مراً” [1].

هي إذن منة عظمى وآية كبرى من منن الله المشكورة وآياته المذكورة؛ سكون شطر هذه النفس الإنسانية إلى الشطر المكمل راحة واطمئنان وألفة واستئناس واستيطان، لولاه لكانت الحياة وحشة وغربة وقلقا. فالحمد لله رب العالمين، وله الحمد في الأولى والآخرة [2].

والمودة والرحمة هما أساسا هذا السكن، فبهما فقط “يتميز الزواج المطابِق بالقصد والفعل والتوفيق الإلهي للفطرة. وبهما لا بمجرد العَقْد القانوني يحصل الاستقرار في البيت، وبالاستقرار في البيت يشيع الاستقرار في المجتمع. الاستقرار أصْلُه ومثواه الزوج المؤمنة الصالحة..” [3].

وما نراه اليوم من تصدع الأسرة ما هو إلا نتيجة بُعد الزوجين عن الوظيفة التي خص الله كل واحد منهما، وجهلهما أو تجاهلهما لسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي وجه الرجل بقوله: “استوصوا بالنساء خيرا ؛ أي: “طيِّبوا أقوالَكم لهنَّ، وحسِّنوا أفعالَكم وهيئاتكم حسب قدرتكم كما تحبُّ ذلك منكم”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “خياركم خياركم لنسائهم”. كما علم المرأة على لسان أسماء بنت يزيد: “أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك – يعني: الجهاد”.

وأختم بكلمة للإمام عبد السلام ياسين يصف فيها حسن العشرة بين الزوجين: “المرأة في حضن الإسلام تُكرَم، ولا يهينها إلا لئيم ناقص. تُعامَل بالإحسان. إحسان الرجل الروحيُّ يفيض عليها رِفقا وعطفا ومحبة وودا. وهي تتكرم فتصبر وتتحمل وتكافئ الإحسان بإحسان. الإحسان بواعث تسمو بالهمة، وخير يبذل، ووضع للأمور مواضعها حكمة وإتقانا ومداراة وسياسة يكنفها الصدق…” [4].


[1] انظر: http://www.nabulsi.com/blue/ar/art.php?art=2263&id=97&sid=101&ssid=301&sssid=302

[2] تنوير المومنات، عبد السلام ياسين، ج2، ص76.

[3] العدل، عبد الاسلام ياسين، ص297.

[4] تنوير المومنات، ج1، ص 219.