أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها مع القرآن ورمضان

يعتبر رمضان شهر الخيرات والبركات، شهر الصيام والقرآن، والصبر والغفران، وشهر الرحمة والعتق من النيران، وفيه ليلة خير من ألف شهر، وتفتح فيه أبواب الخير والطاعات وتستجاب فيه الدعوات.
ولا شك أن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن تبوأن مكانة عظيمة في تاريخ الأمة، ولو تأملنا في حالهن مع رمضان، كن يفرحن بقدومه، ويتهيأن لاستقباله على أحسن حال، يعمرنه بالطاعات والقربات، فقد أكرمهن الله تعالى، بأن ضاعف لهن الأجر وجعلهن أمهات لكل المؤمنين والمؤمنات، كما ورد في سورة الأحزاب النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ
والشخصية التي أود أن أورد بعضا من صفاتها والمتعلقة بحالها مع رمضان والقرآن، هي سيدتنا حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما
كانت من بين أزواج النبي عليه الصلاة و السلام اللاتي نزلت فيهن آية التخيير بين متاع الدنيا والتسريح بإحسان أم نعيم الآخرة والجزاء الأوفى وذلك في قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا فاخترن جمعيهن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
ما تميزت به أنها اختيرت من بين أمهات المؤمنين لحفظ النسخة الأولى من المصحف الشريف، حيث بدأ حفظة القرآن الكريم في ذلك الوقت في الاندثار ما بين شهيد ومتوفي، وبعد تولي سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة صار المصحف في حوزته حتى توفاه الله، فانتقل إلى حوزة حفصة، وكانت أمينة عليه، رعته حق الرعاية، وحافظت عليه كما نزل على رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى سلمته ليد أمينة، الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث طلب منها تلك النسخة حتى يجمع القرآن على الصورة التي بين أيدينا الآن، فكانت له خير معين رضي الله عنها وأرضاها.
عاشت في بيت النبوة، عرفت برجاحة العقل والنباهة والذكاء، تعلمت القراءة والكتابة على يد الصحابية الجليلة الشفاء بنت عبد الله، وقد شجعها رسول الله صلى الله عليه وسلم على التعلم فكان ذلك طريقها إلى قراءة كتاب الله وحفظ آياته.
عاشت رضي الله عنها في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعلمت من نبل شمائله وكريم صفاته ما دفعها إلى نقل الصورة الدقيقة من أخلاقه وآدابه وسلوكه، وكل ماتعلق بهديه وسمته وحتى أحوال عبادته وقد روت عنه ستين حديثًا، وروى عنها عبد الله بن عُمر وغيره. وهي تأتي في المرتبة الخامسة ضمن أمهات المؤمنين في رواية الحديث، وقد ذكر ابن الجوزي أن البخاري ومسلما أخرجا لها في الصحيحين عشرة أحاديث، كما ذكر ابن حجر أن حديثها في الكتب الستة. أما ابن حنبل فقد أخرج لها في مسنده تسعا وأربعين حديثًا، فقد أحبت العلم وكرست حياتها من أجله، وتفقهت في الدين وكانت تجيب عن الأسئلة الفقهية إذا ما سئلت.
فما هو حالها مع الصيام؟
أخلصت سيدتنا حفصة رضي الله عنها لعبادة ربها، وأعطتها جل وقتها خاصة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانت صوامة قوامة عابدة متصدقة وكانت كل شهور العام عندها رمضان.
ترسخت في قلبها معاني رمضان وفضائله وعاشت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو خير أسوة، كيف كان يتهيأ ويهيئ صحابته الكرام لاستقبال رمضان، ففي رواية للبخاري " الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، يقول القرآن رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان"
عَنْ حَفْصَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» وفي روايةٍ: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لهُ»
كما روت أحاديث عن صوم ثلاثة أيام من الشهر وفي صيام الاثنين والخميس، وصيام عاشوراء وغيرها
لم تكتف رضي الله عنها برواية هذه الأحاديث بل استوعبت أن رمضان شهر بركة تتنزل فيه الرحمات وينظر فيه الله تعالى إلى المتنافسين فيه فيباهي بهم ملائكته، فعملت ولزمت.
ويكفيها شرفا أن ينزل جبريل عليه السلام لتزكيتها بأمرٍ من ربّ العزّة تبارك وتعالى ويشهد لها شهادة تظلّ على مدى الأيام مفخرة الدنيا وسعادة الآخرة، وقد حازت الشرف في أن تكون زوجاً للنبي عليه الصلاة والسلام في الدنيا والآخرة، فعن سيدنا جبريل عليه السلام قال " أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة"
وقد توفيت رضي الله عنها في شهر شعبان في السنة الحادية والأربعين للهجرة في المدينة المنورة ودفنت بالبقيع.
ومن أمثالها نستلهم النماذج عسى أن تحدث فينا هبة قلبية توقظ فينا همة عالية لا ترضى من دون وجه الله مطلبا.
رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَاك بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب









