أمير المؤمنين…يبكي

Cover Image for أمير المؤمنين…يبكي
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

أمير المؤمنين…يبكي

ما أكثر ما أقف متأملة في علاقة الحاكم والمحكوم، أهي علاقة تسلط وقمع واستنزاف، أم الرحمة والرأفة والحنكة وحسن تدبير أحوال الرعية طابعها دون استعلاء ولا تركيع ولا غمط الحقوق.

في غمرة تأملاتي الحالمة وتساؤلاتي المستفسرة عن عمق الأمر وكنهه ومخبره، بلغتني هذه الرسالة في بريدي الإلكتروني قد تكون في طياتها إجابة شافية لما يعتور ذهني من الأفكار بغض الطرف عن سندها ومدى ثبوتها، ليس استهانة بهذا العلم الجليل الذي حفظ السنة الشريفة من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ولكن يقينا أن مواقف الصدع بالحق والنأي عن المحاباة في تدبير أمور الدولة والنظر في شؤون الناس كانت هدفا تربى عليه جيل الصحابة الكرام رضي الله عنهم وعليه أسسوا مواقفهم:

“أتى شابّان إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان في المجلس وهما يقودان رجلاً من البادية، فأوقفوه أمامه ‏قال عمر: ما هذا ‏قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا قتل أبانا ‏قال: أقتلت أباهم؟ ‏قال: نعم قتلته! ‏قال: كيف قتلتَه؟ ‏قال: دخل بجمله في أرضي، فزجرته، فلم ينزجر، فأرسلت عليه ‏حجراً، وقع على رأسه فمات… ‏قال عمر: القصاص… الإعدام .‏.. قرار لم يكتب … وحكم سديد لا يحتاج مناقشة، لم يسأل عمر عن أسرة هذا الرجل، هل هو من قبيلة شريفة؟ هل هو من أسرة قوية؟ ‏ما مركزه في المجتمع؟ كل هذا لا يهم عمر – رضي الله عنه – لأنه لا ‏يحابي ‏أحداً في دين الله، ولا يجامل أحدا ًعلى حساب شرع الله، ولو كان ‏ابنه ‏القاتل، لاقتص منه… ‏قال الرجل: يا أمير المؤمنين: أسألك بالذي قامت به السماوات والأرض ‏أن تتركني ليلة، لأذهب إلى زوجتي وأطفالي في البادية، فأُخبِرُهم ‏بأنك ‏سوف تقتلني، ثم أعود إليك، والله ليس لهم عائل إلا الله ثم أنا قال عمر: من يكفلك أن تذهب إلى البادية، ثم تعود إليَّ؟ ‏فسكت الناس جميعا ً، إنهم لا يعرفون اسمه، ولا خيمته، ولا داره ‏ولا قبيلته ولا منزله، فكيف يكفلونه، وهي كفالة ليست على عشرة دنانير، ولا على ‏أرض، ولا على ناقة، إنها كفالة على الرقبة أن تُقطع بالسيف… ‏ومن يعترض على عمر في تطبيق شرع الله؟ ومن يشفع عنده؟ ومن ‏يمكن أن يُفكر في وساطة لديه؟ فسكت الصحابة، وعمر مُتأثر، لأنه ‏وقع في حيرة، هل يُقدم فيقتل هذا الرجل، وأطفاله يموتون جوعاً هناك أو يتركه فيذهب بلا كفالة، فيضيع دم المقتول، وسكت الناس، ونكّس عمر رأسه، والتفت إلى الشابين: أتعفوان عنه؟ ‏قالا: لا، من قتل أبانا لا بد أن يُقتل يا أمير المؤمنين… ‏قال عمر: من يكفل هذا أيها الناس؟!! ‏فقام أبو ذر الغفاريّ بشيبته وزهده وصدقه وقال: ‏يا أمير المؤمنين، أنا أكفله، ‏قال عمر: هو قَتْل، قال: ولو كان قاتلا! ‏قال: أتعرفه؟ ‏قال: ما أعرفه، قال: كيف تكفله؟ ‏قال: رأيت فيه سِمات المؤمنين، فعلمت أنه لا يكذب، وسيأتي إن شاء‏الله، ‏قال عمر: يا أبا ذرّ، أتظن أنه لو تأخر بعد ثلاث أني تاركك! ‏قال: الله المستعان يا أمير المؤمنين… ‏فذهب الرجل، وأعطاه عمر ثلاث ليال، يُهيئ فيها نفسه، ويُودع ‏أطفاله وأهله، وينظر في أمرهم بعده، ثم يأتي، ليقتص منه لأنه قتل… ‏وبعد ثلاث ليالٍ لم ينس عمر الموعد، وفي العصر‏نادى ‏في المدينة: الصلاة جامعة، فجاء الشابان، واجتمع الناس، وأتى أبو ‏ذر ‏وجلس أمام عمر، قال عمر: أين الرجل؟ قال: ما أدري يا أمير المؤمنين! ‏وتلفَّت أبو ذر إلى الشمس، وكأنها تمر سريعة على غير عادتها، وسكت‏ الصحابة واجمين، عليهم من التأثر مالا يعلمه إلا الله. ‏صحيح أن أبا ذرّ يسكن في قلب عمر، وأنه يقطع له من جسمه إذا أراد ‏لكن هذه شريعة، لكن هذا منهج، لكن هذه أحكام ربانية، لا يلعب بها ‏اللاعبون ‏ولا تدخل في الأدراج لتُناقش صلاحيتها، ولا تنفذ في ظروف دون ظروف ‏وعلى أناس دون أناس، وفي مكان دون مكان… ‏وقبل الغروب بلحظات، وإذا بالرجل يأتي، فكبّر عمر، وكبّر المسلمون‏ معه ‏فقال عمر: أيها الرجل أما إنك لو بقيت في باديتك، ما شعرنا بك ‏وما عرفنا مكانك!! ‏قال: يا أمير المؤمنين، والله ما عليَّ منك، ولكن عليَّ من الذي يعلم السرَّ وأخفى!! ها أنا يا أمير المؤمنين، تركت أطفالي كفراخ‏ الطير لا ماء ولا شجر في البادية، وجئتُ لأُقتل.. وخشيت أن يقال لقد ذهب الوفاء بالعهد من الناس. فسأل عمر بن الخطاب أبو ذر: لماذا ضمنته؟؟؟ فقال أبو ذر: خشيت أن يقال لقد ذهب الخير من الناس، ‏فوقف عمر وقال للشابين: ماذا تريان؟ ‏قالا وهما يبكيان: عفونا عنه يا أمير المؤمنين لصدقه… وقالوا نخشى أن يقال لقد ذهب العفو من الناس! ‏قال عمر: الله أكبر، ودموعه تسيل على لحيته … ‏جزاكما الله خيراً أيها الشابان على عفوكما، وجزاك الله خيراً يا أبا ‏ذرّ ‏يوم فرّجت عن هذا الرجل كربته، وجزاك الله خيراً أيها الرجل ‏لصدقك ووفائك… ‏وجزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين لعدلك و رحمتك… ‏قال أحد المحدثين: والذي نفسي بيده، لقد دُفِنت سعادة الإيمان ‏والإسلام في أكفان عمر!!.”

سئلت في ختام البريد أن أنشره خشية أن يقال ذهبت محبة نشر الخير من الناس، فأرسلته لبعض معارفي وقد تعلمت من الرواية أمورا:

عدالة عمر:

أبت عليه إلا أن يطبق حكم الله حتى لا تعطل شريعته التي هو أعلم الناس بمراعاة مقاصدها، فهو من أوقف قطع يد السارق عام الرمادة وهو من أوقف الزواج في إمرته بالكتابيات حتى لا تشيع العنوسة في أوساط المؤمنات لما بالغ الناس في هذا الأمر. خليفة عالم وحاكم عادل لا يعرف الهوادة في تطبيق أمر الله.

لا للمحاباة في إقامة الشرع:

فلم يتقصى عن أصل الفاعل وفصله بل علم الناس ألا محاباة في تطبيق الشرع وهو في ذلك مقتف لأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي روت أمنا عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:” أتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم قام فخطب قال: يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سرقت لقطع محمد يدها” 1 من يحدث حكامنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعلموا أن على العدل قامت السماوات والأرض وأن الناس سواسية أمام الشرع والقانون.

بحثه عن العفو على الجاني مع تقديمه على العقوبة والحرص على درء الحدود بالشبهات:

على حرصه على إقامة الحد ما دام قد بلغ، كان حريصا على البحث عن سبل الخلاص رحمة بالجاني وفتحا لباب التوبة أمامه وتحقيقا لمقاصد العقوبة الشرعية التي ليس الغرض منها اجتثاث الرؤوس وقطع الأيادي، بل حماية الإنسانية وصيانة النظام المجتمعي وحفظ مصالح الناس أن يستهتر بها عابث أو أن يتهددها مستهتر، بعد إحاطة المجتمع بكل عوامل الاستقرار والعدل والنصفة، حتى لا تقطع يد سارق لقمة العيش ويخلى سبيل العابث بخيرات الأرض، المفسد الخيل والحرث والنسل، فتراه يسارع إلى تلمس العفو عوض العقوبة عملا بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم، “ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ” 2

“تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ” فيكون اليقين أساسا لإقامة الحد، والعفو آكد من العقوبة، وإيلام المتهم حتى ينطق بما لم تقترف يداه جريمة كبرى في حق الإنسانية.

مجالسة الحاكم للرعية وبثه في قضاياها:

واستشعاره لآمالها وآلامها بقوة رفيقة وحكمة سديدة، من شأن ذلك بناء جسور الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم الذي لا يقف في برجه العاجي موقف المتفرج بل يشارك الرعية أحوالها…

احترامه لرغبات من جعل عليهم بعيدا عن السياسة القطيعية التي تربي الإمعات:

وتسوق الناس بالعصا سوق الراعي المتبلد الشعور للقطيع الأبكم الأخرس.

بشرية مجتمع القرون الأولى:

التي على الرغم من الاغتراف المباشر من نبع النبوة كانت تعتريه سنن التدافع والتنافس والاختلاف، كانت تفرقه مصالح الأرض وحقائق الحياة الدنيا دون أن تحمل أفراده على نشر الكدر وبث الفرقة، وتنسيهم لحظة من التنازع أصل الوحدة الإنسانية ولحمة الأخوة الإسلامية الجامعة، لأن القلوب إذا صفت، قطعا لا تنشر الكدر.

هي عبر أخواتها كثر لنا أن نتأملها تأمل الناظر في الماضي التليد المستشرف للغد القريب، وإلى ذلك، متعنا الله بنعمة العدل وأنزل علينا من خزائن الرحمة وولى علينا خيارنا ووفقنا لكل ما يحب.


[1] رواه البخاري رحمه الله في صحيحه كتاب الحدود.
[2] اللفظ للترمذي رحمه الله عن أمنا عائشة رضي الله عنها.