طرحت أزمة الهجرة إلى سبتة المحتلة سؤالاً مهماً عن الأمن الطاقي بالمغرب، الذي يعتمد بشكل كامل في استيراد حاجاته من الغاز الطبيعي على إسبانيا. هذه التبعية الأحادية تجعل أي توتر سياسي أو حدودي ينعكس مباشرة على استقرار الإمدادات الطاقية. ماذا لو تطورت الأزمة؟ لماذا اختار المغرب التحول من الفحم إلى الغاز الطبيعي؟ وهل كان الأمر أصلا اختياراً؟
المفارقة الطاقية
لا يملك المغرب حالياً بنية تحتية خاصة به لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله مضطراً للاعتماد بشكل شبه كامل على محطات التغويز الإسبانية. إذا كان الأمر بهذا التعقيد والمخاطر الجيوسياسية، فلماذا لا يعود المغرب ببساطة إلى الفحم؟
الجواب يكمن في مفارقة طاقية معقدة: فعلى الرغم من أن المغرب يساهم بنسبة محدودة جداً في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، ووفق قاعدة بيانات EDGAR التابعة للمفوضية الأوروبية، بلغت حصة المغرب نحو 0.18% من الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون سنة 2024، يجد المغرب نفسه أمام ضغوط متزايدة لتسريع الانتقال الطاقي والانتقال من الفحم إلى الغاز (الأقل من حيث الانبعاثات)، في وقت يحتاج فيه إلى ضمان النمو الاقتصادي، وتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء والطاقة، والحفاظ على تنافسية اقتصاده.
وتزداد حساسية هذه المسألة بالنظر إلى طبيعة العلاقات التجارية المغربية. فقد استحوذت أوروبا على 71.4% من الصادرات المغربية سنة 2024. وهذا الارتباط الوثيق يجعل الاقتصاد المغربي شديد التأثر بالسياسات الأوروبية المتعلقة بالمناخ والطاقة والتجارة. ومن أبرز هذه السياسات آلية ضبط الكربون على الحدود CBAMالتي دخلت نظامها النهائي في 1 يناير 2026، وتشمل حالياً قطاعات محددة هي الإسمنت والحديد والصلب والألمنيوم والأسمدة والكهرباء والهيدروجين.
وتفرض الآلية على الواردات المشمولة بها تكلفة مرتبطة بالانبعاثات الكربونية المضمنة في المنتجات، بما يجعل كثافة الكربون عاملاً إضافياً في تنافسية بعض الصادرات إلى السوق الأوروبية.
غير أن الضغوط المناخية والتجارية ليست التحدي الوحيد، فالتبعية الطاقية تبقى المعضلة الجوهرية.
التبعية الطاقية: المعضلة الجوهرية
تعتبر التبعية الطاقية إحدى أبرز نقاط الضعف في المنظومة المغربية. ووفق المعطيات الرسمية لوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، بلغ معدل التبعية الطاقية للمغرب 87.5% سنة 2024، بينما بلغت الفاتورة الطاقية نحو 114 مليار درهم.
رغم التقدم الكبير الذي حققه في الطاقات المتجددة، لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة المستوردة، سواء تعلق الأمر بالنفط أو الغاز أو الفحم (علماً أن الفحم ما زال يشكل حوالي 60% من إنتاج الكهرباء مقابل 24-27% للطاقات المتجددة سنة 2024) لكن يشهد المغرب تدريجيا تحولا من الفحم نحو الغاز الطبيعي.
يمثل مشروع محطة الناظور للفحم مثالاً عملياً مهماً لهذا التحول. ففي مارس 2015، أطلق المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (ONEE)طلب عروض لاختيار مكتب دراسات لإنجاز محطة حرارية تعمل بالفحم في الناظور بقدرة إجمالية تبلغ 1320 ميغاواط، موزعة على وحدتين بقدرة 660 ميغاواط لكل منهما.
وفي مايو 2024، أكدت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة إلغاء مشروع محطة الناظور، إلى جانب مشروع توسعة محطة جرادة، في سياق سياسة المغرب للابتعاد عن تطوير قدرات فحمية جديدة.
فمحطة بقدرة 1320 ميغاواط كانت ستضيف قدرة حرارية كبيرة قابلة للجدولة والتحكم، ويمكنها أن تعمل لفترات طويلة بغض النظر عن ظروف الرياح أو الإشعاع الشمسي.
المقارنة ليست بين الفحم باعتباره مصدراً سيادياً والغاز باعتباره مصدراً تابعاً، فكلاهما مستورد. وإنما المقارنة الحقيقية هي بين خصائص سلاسل الإمداد، والأسعار، وإمكانية التخزين، والمرونة التشغيلية.
فالغاز الطبيعي أقل كثافة كربونية من الفحم عند توليد الكهرباء، لكنه يبقى وقوداً مستورداً، وتتعرض تكلفته لتقلبات الأسواق العالمية والظروف الجيوسياسية. كما أن تطوير استعمال الغاز على نطاق واسع يحتاج إلى بنية تحتية للاستيراد والنقل والتخزين أو إعادة التغويز.
أما الفحم، فيتميز بإمكانية تخزين كميات كبيرة منه في مواقع المحطات، وهو ما يمنح المنظومة هامشاً من المرونة في إدارة مخاطر الإمدادات قصيرة الأجل، لكنه في المقابل يتميز بانبعاثات كربونية أعلى من الغاز، إضافة إلى الانبعاثات الملوثة المحلية المرتبطة باحتراقه.
ومن هنا يبرز السؤال المحوري: ما المزيج الطاقي الأكثر أماناً، والأقل تكلفة، والأكثر واقعية بالنسبة إلى المغرب؟ مزيج يحترم الالتزامات المناخية، دون أن يفرّط في الأمن الطاقي، أو يرفع تكلفة الطاقة على الاقتصاد والمواطن.
المزيج الواقعي… والحل العملي
أي نقاش جاد حول مستقبل الطاقة في المغرب يجب أن يكون متوازناً وواقعياً. لا يمكن أن يتم بمجرد استبدال مصدر بآخر بين ليلة وضحاها، لأن الفحم لا يزال يؤدي دوراً مهماً في تأمين الكهرباء، في الوقت الذي تتوسع فيه الرياح والطاقة الشمسية بسرعة. وبالتالي فإن المزيج الواقعي يتجلى في:
· الاستفادة من الأصول القائمة
أحد الخيارات التي تستحق الدراسة هو التحديث الشامل لمحطات الفحم لإطالة عمرها الاقتصادي والتقني، بدل بناء محطات فحم جديدة.
وتقدم محطة المحمدية مثالاً واضحاً على إمكانية تحديث الأصول القائمة. فقد خضعت وحدتان فحميتان بقدرة 150 ميغاواط لكل وحدة لعملية تحديث، وأسهم المشروع في تمديد العمر التقني للوحدتين بنحو 15 سنة، كما انخفض زمن الإقلاع البارد.
الفرق مهم بين بناء قدرة فحمية جديدة وبين استغلال أصل قائم بكفاءة أفضل خلال فترة انتقالية محددة. هذا الخيار يجعل المغرب منسجماً مع التحديث في مساهمته المحددة وطنياً ( (NDC 3.0التي أعلن فيها سنة 2025 التزاماً بالتخلص التدريجي من توليد الكهرباء بالفحم بحلول 2040، شريطة توفير الدعم الدولي الكافي.
· تطوير الطاقات المتجددة والتخزين والشبكات
في المقابل، ينبغي مواصلة تسريع تطوير الطاقة الشمسية والريحية، لكن بالتوازي مع الاستثمار في التخزين، وتقوية الشبكات، والربط الكهربائي، والمرونة التشغيلية. وقد دخلت محطة عبد المومن لنقل الطاقة بواسطة الضخ، بقدرة إضافية تبلغ 350 ميغاواط، مرحلة الاستغلال في 2024، وهو مثال على أهمية التخزين في دعم المنظومة الكهربائية. فالهدف ليس إنتاج أكبر كمية ممكنة من الكهرباء المتجددة فقط، وإنما بناء منظومة تستطيع استيعابها وإدارتها واستخدامها عندما يحتاجها المستهلك.
· الغاز كجسر انتقالي
يمكن للغاز الطبيعي أن يؤدي دوراً انتقالياً في بعض السيناريوهات، خصوصاً بسبب قدرته على التشغيل المرن ومساندة مصادر الرياح والشمس عند انخفاض إنتاجها.
لكن استخدام الغاز يجب أن يكون محدوداً ومشروطاً، لأنه لا يلغي التبعية الخارجية، ولا يخلو من مخاطر الأسعار والجغرافيا السياسية. كذلك، فإن الاستثمار في وحدة عائمة لإعادة التغويز (FSRU) مرتبطة بخط الغاز المغرب-أوروبا لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية لكسر الاعتماد الأحادي على البنية التحتية الإسبانية، خاصة بعد انطلاق مشروع محطة الوحدة الغازية. فالأمن الطاقي يقتضي ألا يكون المغرب بعين واحدة على الغاز الطبيعي، وهي إسبانيا.
· الخيارات طويلة الأمد
وفي الأفق الأبعد، يمكن للمغرب أن يواصل دراسة خيارات مثل الطاقة النووية بمختلف أشكالها، الكبيرة والصغيرة SMR. كما ينبغي أن يحظى الربط الكهربائي الإقليمي والنجاعة الطاقية وإدارة الطلب بمكانة أكبر في الاستراتيجية، لأنها تقلل الحاجة إلى بناء قدرات إنتاجية إضافية وتزيد مرونة المنظومة.
الخلاصة
تتزايد الضغوط على المنظومة الطاقية المغربية تحت شعارات المناخ، لكن الاستسلام لها ليس حلاً. الحل يكمن في التكيف الواقعي عبر مسارات بديلة: تحديث محطات الفحم القائمة بدل بناء جديدة، تسريع الطاقات المتجددة والتخزين، الإنتقال إلى الطاقة النووية وجعل الغاز جسراً انتقالياً مشروطاً بتنويع المصادر. والأهم: كسر الاعتماد الكامل على إسبانيا في استيراد الغاز عبر الاستثمار العاجل في وحدة عائمة لإعادة التغويز (FSRU). فالأمن الطاقي الحقيقي يقوم على تنويع المصادر، وتنويع الموردين، وتنويع مسارات التوريد.
ويبقى السؤال الجوهري: كيف يوفّق المغرب بين ضمان أمنه الطاقي والحفاظ على تنافسية اقتصاده؟