مع كل صيف، تعود مشاهد شغل الشباب غير المصرح به إلى الشوارع المغربية؛ مشاهد هي أكثر من أنشطة عابرة أو “شغل موسمي” بالمعنى البسيط للكلمة، بل قطاع اقتصادي واسع يولّد هشاشة اجتماعية ويفلت من الضرائب والحماية. ما الذي يجعل ملايين المغاربة وفي صلبهم آلاف الشباب يعتمدون عليه، وما الحلول الممكنة؟
إنه القطاع غير المهيكل الذي تبقى تعريفاته ومفاهيمه الرسمية “انتقائية وتبريرية” كما يؤكد الباحث في قضايا التنمية، الدكتور ميلود الرحالي، لكونها تركز على نوع واحد من الاقتصاد “غير المرصود أو غير المضبوط من قبل الدولة”، وهو الاقتصاد المعيشي الذي “تمتهنه شريحة اجتماعية مهمشة برؤوس أموال هزيلة جدا وأحيانا بدون رؤوس أموال تذكر”.
في حين يؤكد الباحث في تصريح خص به “بوابة العدل والإحسان” أن الدولة “تستثني منه أو تتحاشى الحديث عن أنواع عديدة من الأنشطة المعروفة وواسعة الانتشار، والتي تذر على أصحابها أموالا طائلة”، موضحا أن هذا النوع لا تُشمِله الدولة بـ “مبادرات جريئة أو توجهات حاسمة ليعود استثمارها بالنفع على الاقتصاد الوطني أو يتم توجيهها أو محاصرتها بالنظر لتأثير بعضها سلبيا على التنمية الاقتصادية الوطنية”.
وضرب الرحالي مثالا على ذلك بما وصفه بـ “الأنشطة المستترة (أو غير المشروعة كما يقال)”، وتدخل ضمنها “أنشطة رؤوس الأموال والمستثمرين الكبار المتملصين من التزاماتهم الضريبية والتنموية والاجتماعية وغيرهم من أرباب العمل الذين لا يصرحون أو يصرحون بطرق كاذبة أو ناقصة عن أنشطتهم والأجراء الموجودين في ذمتهم والمستفيدين من الريع والفساد”.
فبين البطالة المرتفعة في صفوف الشباب، وضعف قدرة الاقتصاد المنظم على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق الشغل، يجد آلاف الشباب أنفسهم أمام خيار وحيد تقريبا: القبول بأعمال غير مصرح بها، بلا عقود ولا تغطية اجتماعية ولا استقرار، مقابل دخل يومي يسد الحاجة الآنية.
القطاع غير المهيكل… المشغل الأكبر للشباب بالمغرب: لماذا؟ وفي أي ظروف؟
يقصد بالقطاع غير المهيكل، بحسب التعريف المعتمد من المندوبية السامية للتخطيط، مجموع الوحدات الإنتاجية غير الفلاحية التي لا تتوفر على محاسبة منظمة وفق النظام المحاسباتي المعمول به في المغرب، وبالتالي فهي تشكل جزءا من “الاقتصاد غير المرصود” الذي يصعب إخضاعه للضريبة أو لمنظومة الحماية الاجتماعية.
ورغم أن “مثل هذه التعريفات تبقى قاصرة عن الإحاطة بالظاهرة ومخلة بعرض المفهوم والمعايير المطلوب اعتمادها والنطاق الذي يجب أن تشمله” كما يشر الرحالي إلا أن الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تكشف حجما مهولا لهذا القطاع، إذ يستوعب أكثر من ثلاثة أرباع مجموع التشغيل بالمغرب، ويضم أكثر من مليوني وحدة إنتاجية تتركز داخلها أشكال واسعة من الهشاشة واستمرار ضعف التغطية الاجتماعية.
وبشكل أكثر وضوحا، أظهر البحث الوطني حول الوحدات الإنتاجية غير المنظمة، الذي أنجزته المندوبية بين أبريل 2023 ومارس 2024، أن هذا القطاع يضم نحو 2.03 مليون وحدة إنتاجية غير منظمة، بزيادة تفوق 353 ألف وحدة مقارنة بالمسح السابق، وأن 85 بالمئة من هذه الوحدات تصنف ضمن أنشطة فردية صغيرة لا تحقق قيمة مضافة كبيرة. أما من حيث وزنه في سوق الشغل غير الفلاحي، فيمثل القطاع أزيد من 33 بالمئة من إجمالي مناصب الشغل غير الفلاحية، مع تركز واضح في قطاع التجارة والوسط الحضري، خصوصا في جهتي الدار البيضاء-سطات ومراكش-آسفي.
أما من الناحية المالية، بلغ إنتاج القطاع غير المنظم 226.3 مليار درهم سنة 2023، محققاً قيمة مضافة قدرها نحو 139 مليار درهم. غير أن اللافت هو أن مساهمة هذا القطاع في القيمة المضافة الوطنية الإجمالية تراجعت من 16.6 بالمئة إلى 13.6 بالمئة بين 2014 و2023.
وتضيف تقارير دولية، من بينها معطيات استندت إليها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، رقما أكثر اتساعا، إذ تشير إلى أن نحو 67.6 بالمئة من اليد العاملة المغربية تشتغل في القطاع غير المهيكل إذا ما احتسب معه القطاع الفلاحي، الذي يبقى بدوره غير مهيكل إلى حد بعيد ويشغل نحو 40 بالمئة من القوة العاملة الوطنية.
يفسر الحجم الكبير للقطاع غير المهيكل بعدة عوامل متداخلة: ضعف قدرة الاقتصاد المنظم على خلق مناصب شغل كافية لاستيعاب الأفواج السنوية من الخريجين والداخلين الجدد إلى سوق العمل، وسهولة الولوج إلى هذا القطاع الذي لا يتطلب شهادات أو مؤهلات معينة أو رأسمال كبير، إضافة إلى مرونته العالية التي تسمح بالدخول والخروج منه في أي وقت، وهو ما يجعله ملاذا طبيعيا لكل من لا يجد فرصة في الاقتصاد المهيكل.
ولا تقتصر دلالة هذه الظاهرة على حجمها، بل تمتد أيضًا إلى خصائص الفئات التي تشتغل داخلها. فقد أظهرت معطيات مندوبية التخطيط أن العاملين في القطاع غير المنظم يتميزون بمستوى تعليمي محدود نسبيا، وإن كان قد شهد تحسنا؛ إذ انخفضت نسبة أرباب الوحدات الإنتاجية غير المتوفرين على أي مستوى دراسي من 34.3 إلى 18.6 بالمئة بين 2014 و2023، مقابل ارتفاع نسبة الحاصلين على مستوى دراسي ثانوي من 28.8 إلى 40.5 بالمئة. وتكشف المعطيات نفسها عن محدودية مشاركة المرأة في إدارة هذه الوحدات هامشية ومتراجعة، إذ انتقلت من 8.8 إلى 7.6 بالمئة بين 2014 و2023، فيما تشير معطيات أخرى إلى أن نحو 70 بالمئة من النساء العاملات في المغرب يشتغلن أصلا ضمن الاقتصاد غير المهيكل، غالبا في أنشطة غير مؤدى عنها أو في إطار المساعدة العائلية.
وبينما أبدى الرحالي أسفه لتفاقم الوضع وتسارعه رغم المحاولات المتكررة، أكد في المقابل أن أسباب الانتشار الواسع لهذه الظاهرة يمكن حصرها في نقاط كثيرة، منها ما هو “بنيوي يرتبط بواقع هشاشة النظام الديمقراطي”، ومنها ما يرتبط بـ “الإمكانيات المتنوعة للفساد والتهرب من القانون والالتفاف عليه وتجميد مقتضياتها”، فضلا عن “توسع الفوارق الاجتماعية واللامساواة في الاستفادة من الثروة الوطنية، وعدم قدرة الدولة على خوض استراتيجية تنموية حقيقية ومنصفة”، ناهيك عن “الجمود الذي تشهده البنية الاجتماعية، وعدم قدرة القوانين والسياسات المعتمدة على إنصاف الطبقات الهشة، والتزام الدولة نهجا إرادويا انفراديا في معالجة القضايا الاجتماعية التاريخية رغم توسع الخطاب الرسمي عن المقاربة التشاركية”.
وإذا كانت الأسباب الأولى ذات طبيعة بنيوية واجتماعية، فإن الرحالي يضيف إليها أسبابًا تنظيمية وإجرائية، ومنها ما يرتبط “بطبيعة السياسات العمومية التي تفتقر للتكامل، ولا تتأسس على دراسات علمية متكاملة للإحاطة بالظواهر السوسيو-اقتصادية”، وكذا “عدم قدرة الدولة على إنتاج قانون منصف متكامل للاستثمار يستحضر الوحدات الاقتصادية ورؤوس الأموال الصغيرة إلى جانب الباترونا وأصحاب النفوذ الاقتصادي”، وأضاف إليها “عجز الدولة عن إيجاد حل منصف وعادل وابتكار استراتيجية تنموية حقيقية لمشكلة العقار، بالإضافة إلى ضعف مبادرات وتصورات الاقتصاد الاجتماعي الوطني”.
خلفيات جذب القطاع غير المهيكل للشباب المغربي
يبقى معدل البطالة في صفوف الشباب المغاربة المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة الرقم الأكثر دلالة على حجم الأزمة، فبحسب أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط وكذا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، سجل معدل البطالة الإجمالي على المستوى الوطني نحو 13 بالمئة سنة 2025، إلا أن معدل بطالة الشباب في الفئة العمرية نفسها ارتفع بدل أن يتراجع، منتقلا من 36.7 إلى 37.2 بالمئة.
في ظل هذا الواقع، يمثل العمل الموسمي، وخاصة بالنسبة إلى الطلبة والتلاميذ، وسيلة لتغطية مصاريف الدراسة المتصاعدة أو المساهمة في دخل الأسرة، في ظل ضغط اقتصادي متزايد. فقد أظهرت استطلاعات المندوبية السامية للتخطيط أن نسبة كبيرة من الأسر المغربية، تصل إلى 80 بالمئة، وتتوقع ارتفاع معدل البطالة، وهو مؤشر على حالة القلق الاقتصادي العام.
وحينها لا يكون العمل غير المهيكل خيارا بقدر ما يكون اضطرارا، لأن الفجوة بين عدد الداخلين الجدد إلى سوق الشغل سنويا وعدد المناصب التي يخلقها الاقتصاد المهيكل تبقى واسعة، رغم إحداث نحو 193 ألف منصب شغل سنة 2025 مقابل 82 ألفا فقط في السنة التي سبقتها. وحتى مع هذا التحسن النسبي، يظل العرض غير كاف لاستيعاب الضغط المتزايد على سوق العمل.
الصيف: موسم الشغل المؤقت
مع حلول الصيف يرتفع الطلب على اليد العاملة غير المهيكلة بشكل حاد، مدفوعا بالحركة السياحية والاستهلاكية الموسمية، إذ تفتح المؤسسات الفندقية والمطاعم والمخيمات الصيفية أبوابها أمام آلاف الشباب، ضمن وظائف موسمية تمتد من الاستقبال وخدمة الغرف إلى التنشيط والترويج التجاري في الشوارع والمراكز التجارية.
وإلى جانب هذا التشغيل شبه المنظم، تنتشر أشكال أكثر هشاشة من العمل الموسمي: عربات بيع المثلجات والذرة المشوية والأكشاك المؤقتة التي يقيمها شباب بمبادرة فردية دون أي ترخيص تجاري، وهي ظاهرة تتضخم صيفا إلى درجة دفعت مؤسسات رسمية كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى التوصية بتقنينها بدل قمعها، إضافة إلى مهن أخرى كمساعدة السائقين وحراسة مواقف السيارات، وجني الفواكه وتعبئة الخضر في الضيعات الفلاحية، وأعمال البناء والصباغة، وصولا إلى مهن الاقتصاد الرقمي الجديدة كتوصيل الطلبات عبر التطبيقات.
ويبقى القاسم المشترك بين هذه المهن كلها هو طابعها المؤقت وارتباطها بفترة زمنية قصيرة لا تتجاوز غالبا بضعة أسابيع أو أشهر، ما يجعلها عاجزة عن توفير أي استقرار مهني حقيقي للفئات الهشة وخاصة الشباب.
مستقبل القطاع غير المهيكل بين الحاجة الاقتصادية وغياب الحماية
يطرح اتساع رقعة العمل الموسمي غير المصرح به سؤالا جوهريا حول جدوى وضع إطار قانوني خاص ينظم هذا النوع من التشغيل، أسوة بتجارب دول أخرى اعتمدت “عقود العمل الموسمي” كصيغة وسيطة تمنح الشباب حدا أدنى من الحماية القانونية والاجتماعية دون إثقال كاهل المشغلين الصغار بأعباء إدارية معقدة.
تشير المبادرات الحكومية الأخيرة، كإطلاق نظام “المقاول الذاتي” ونظام المقاولات الصغيرة، إلى وعي بضرورة تسهيل انتقال جزء من هذه الأنشطة نحو الاقتصاد المنظم. غير أن التحدي الأكبر يبقى في طبيعة هذه المهن نفسها، الموسمية والمتقطعة، والتي لا تتلاءم بسهولة مع الأطر القانونية المصممة أصلا للأنشطة الدائمة والمستقرة.
يطرح الباحث في قضايا التنمية الدكتور الرحالي، نوعين من الحلول؛ بعضها آني واستعجالي بهدف محاصرة التوسع والانتشار السريع للظاهرة، “يروم حفز الطبقات الاجتماعية والأفراد المزاولين لهذه الأنشطة على الاندماج الاقتصادي”، مشددا على ضرورة تقديم “ضمانات حقيقية لتأمين الدخل الكافي العيش”، وهو ما رأى أنه يكون بـ “تسهيل الحصول على رؤوس الأموال، ودعم العمل التشاركي والتعاوني بين المهنيين والنشطاء”، مع “تأمين الحصول على العقار المناسب والمنتج والعمل على تطوير الأنشطة الاقتصادية”.
وضمن هذه الحلول الآنية يرى الرحالي ضرورة “دعم سلاسل وأنماط الإنتاج التكاملية من المادة الأولية إلى التسويف لخفض التكاليف والرفع من التنافسية، وتسهيل المساطر القانونية والإجرائية لإنشاء المقاولات الصغرى ومزاولة الأنشطة الربحية الصغيرة”.
ويشدد المتحدث في التصريح ذاته على أهمية التزام الدولة بتأمين “استفادة هذه الفئة من إمكانات التحول الرقمي وتأهيل حاملي المشاريع والمزاولين وتوجيههم نحو الأنشطة الرقمية الجديدة”، لتبقى “مواكبة هذه الفئة لتقتنع بأنماط المشاريع صديقة البيئة بما فيها مشاريع التحويل وإعادة التدوير والتثمين والترصين” حلا لا يقل أهمية عن سابقيه.
أما النوع الثاني من الحلول التي يراها الرحالي فهي “الجذرية”، وعلى رأسها “تحقيق الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية والمجالية”، ولا يكون ذلك إلا بـ “محاربة الفساد والريع والتهرب من الواجبات التنموية والسوسيو-اقتصادية”، كما يقتضي “توزيعا منصفا وعادلا للثروة، وتأمينا للمؤشرات الأساسية للتنمية كالتعليم والتأهيل وتعميم الحماية الاجتماعية دون إقصاء أو اشتراط”، ومع كل ذلك “إعادة النظر في المقاربات المعتمدة للسياسات العمومية لتواكب التحديات الاجتماعية والتنموية الوطنية”.