أدب الاستئذان

Cover Image for أدب الاستئذان
نشر بتاريخ
لمياء الوزاني
لمياء الوزاني

الاستئذان: من فعل استأذن، استئذانا، ومعناه: طلب الإذن بفعل شيء، أي طلب السماح والإباحة. والاستئذان من أمهات الآداب التي تحفظ بها حرمة الناس في بيوتهم، وهو كذلك من الآداب الوقائية الضامنة للطهر والتعفف، اللذان يحميان السكينة داخل البيت المسلم. وجدير بهذا الأدب السامي أن تحتضنه سورة من أعظم سور القرآن، وهي سورة النور التي تقرر من بدايتها أهمية العنصر الأخلاقي وعمق تأثيره في حياة المؤمنين.

وتتجلى آداب الاستئذان في مجالين على الخصوص:

1. الاستئذان على البيوت

يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ  1.

كما تبين لنا السنة النبوية العملية ما أجمله القرآن في هذا الباب؛ فعن ربعي بن حراش قال: حدثنا رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فقال: أئج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمه: “اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له: قل السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل [رواه أبو داود بإسناد صحيح].

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع” [متفق عليه].

وعن جابر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدققت الباب فقال: “من هذا؟ فقلت: أنا، فقال: أنا أنا – كأنه كرهها” [متفق عليه].

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طرق الرجل أهله طروقا في حديث جابر رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلا” [رواه البخاري]، وفي رواية مسلم لحديث جابر “… لئلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم”، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين تعليقا على هذا الحديث: “يطرق أهله: يجيئهم ليلا. من فعل ذلك فكأنما تجسس على أهله. والزواج حق الزواج ما بذر فيه الرجل والمرأة بذور الثقة، لا بذور الشك…”. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في تعليل كراهة الطروق: “أن يجد أهله على غير أهبة من التنظف والتزين المطلوب من المرأة فيكون ذلك سبب النفرة بينهما”، وإلى هذا أشار الحديث الشريف الذي يرويه البخاري عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه حين مرجعهم من سفر: “أمهلوا حتى تدخلوا ليلا – أي عشاء – لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة”، وهذا ليس طروقا، فالشعثاء والمغيبة التي تمهلت القافلة من أجلهما بلغهما خبر قدوم الأزواج.

لقد جعل الله عز وجل البيوت أمنا وسكنا، تطمئن فيها النفوس، وتسكن فيه الأرواح وتلقى فيها أعباء الحذر والحرص، فهي حرم آمن لا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله، وإذنهم، وفي الوقت الذي يريدون، وعلى الحالة التي يحبون.

وعورات البيت كثيرة، وهي ليست محصورة في عورات البدن وحدها، إنما يضاف إليها عورات الطعام، واللباس والأثاث، التي قد لا يحب أهلها أن يفاجئهم عليها الناس دون تهييء وتجميل وإعداد، ومنها عورات المشاعر والحالات النفسية كذلك، فمن منا تحب أن يراها الناس في حالة ضعف تبكي، أو تغضب، أو تتوجع…

لأجل هذا أدب الله عز وجل ونبيه الكريم المؤمنين، هذا الأدب العالي، في الاستئذان على البيوت، وبين تفاصيله:

1. نبدأ بالسلام على أهلها لإيناسهم، وإزالة الوحشة عن نفوسهم.

2. بعد الاستئذان إما أن يكون في البيت أحد أو لا يكون، فإن لم يكن فيه أحد، فلا يجوز لنا اقتحامه، وإن كان؛ انتظرنا إجابة الطلب، فما الاستئذان إلا طلب الإذن.

3. فإن لم يأذن أهل البيت فلا دخول، وعلينا الرجوع دون أن نجد في أنفسنا غضاضة، أو نستشعر منهم الإساءة والنفرة، بل نقدم حسن الظن على سوئه، ونلتمس الأعذار طلبا للتزكية وتصديقا لقول الله عز وجل: فإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم.

فهي -إذن- ثلاث خطوات نحترمها، حتى يتحصل المقصود من الاستئذان، كما أنه ينبغي أن نبتعد عن كل ما من شأنه أن يخل بهذا الأدب، فلا نطرق الباب في أي وقت كان، ليلا (وقت النوم)، أو نهارا (وقت الطعام)، ولا نلح في الاستئذان فوق ثلاث، لئلا ينزعج أهل البيت فيفتحوا لنا وهم في حرج وضيق، مع الحرص على استعمال الهاتف (إن كان متوفرا) للاستئذان.

ب. الاستئذان داخل البيوت

يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ  اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ [النور، 58 – 59]، فالأطفال المميزون الذين لم يبلغوا الحلم يدخلون بلا استئذان إلا في ثلاثة أوقات:

1. قبل الفجر حيث يكون الناس عادة في ثياب النوم.

2. عند الظهيرة وقت القيلولة، حيث يستريح الناس عادة.

3. بعد صلاة العشاء حين يخلو الناس بأنفسهم للنوم.

وقد خصص الله عز وجل هذه الأوقات دون غيرها لأنها مظنة لاكتشاف العورات، فيستأذن الصغار حتى لا تقع أنظارهم على عورات أهليهم، وهو أدب يغفله الكثيرون داخل منازلهم، مستهينين بآثاره النفسية والعصبية والخلقية.

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه تنوير المؤمنات: “من علامات تربية الأطفال والبالغين تربية حسنة احترامهم لوقت الناس، وحياة الناس الخاصة. ويثقل بعضهم ويتطفل ويدخل الفوضى والتنغيص في أوقات الناس وبرامجهم، فيؤذي ويقذيفإذا كان البيت بيت دعوة وكان الوافدون عليه أرسالا تعذر على أهل البيت أن يتساكنوا المساكنة الطيبة، نعم بيت المؤمنة ينبغي أن يتسع، ويتسع خاطرها للواردين على الدعوة، لكن في حدود ينبغي أن تعرف“.

والحمد لله رب العالمين.


[1] النور الآيتان38-37