عادت الأمطار لتكشف مرة أخرى هشاشة الواقع المرير الذي تعيشه مدينة آسفي. ومع انحسار المياه بدأت ملامح “التدبير الأزموي” المعتادة: لجان إحصاء، وعود بصرف تعويضات، ووعود بجبر ضرر التجار… ورغم أن هذا واجب الدولة، إلا أن السؤال المؤلم يبقى: إلى متى ستظل آسفي مدينة تنتظر “الصدقة” وهي التي تضخ المليارات في خزينة الدولة؟
مفارقة الثروة والوحل: أرقام تسائل الضمير
آسفي ليست مجرد نقطة جغرافية تغرق، بل هي قطب استراتيجي يساهم بنصيب الأسد في السيادة الطاقية والغذائية والجمالية للمغرب. إنها المدينة التي تحتضن واحدا من أكبر المجمعات الكيماوية في العالم (المكتب الشريف للفوسفاط)، وتساهم بما يقارب 7% إلى 10% من الناتج الداخلي الخام الصناعي للدولة.
ولا تتوقف فرادة آسفي عند حدود الصناعة الثقيلة؛ فهي عاصمة الفخار بلا منازع، المدينة التي طوعت الطين ليصبح تحفاً فنية تجوب القارات، وهي رئة المغرب في الثروة السمكية والموطن التاريخي في صناعة التصبير. وزاد من هذه القيمة الاستراتيجية الميناء الجديد لآسفي الذي استقطب استثمارات ضخمة ليكون بوابة لوجستيكية متخصصة في استقبال السفن التجارية الكبرى، مكرساً دور المدينة كشريان نابض للاقتصاد الوطني.
وهنا يبرز السؤال الجارح: كيف يعقل لمدينة تملك حركية تجارية بهذا الحجم، وتفتخر بصناعة تقليدية (فخار) هي واجهة للمغرب عالمياً، وتضيء بكهربائها 25% من بيوت المغاربة، أن تغرق أحياؤها في ظلام التهميش؟ كيف يعقل أن يغرق “تلال الفخار” وتختنق أزقة “المدينة القديمة”؟
المدينة القديمة: الإرث الذي يتحول إلى مقبرة
إن التشبث بمقولة “الحفاظ على الإرث التاريخي” في المدينة القديمة بآسفي أصبح شعاراً لتبرير الاستمرار في التهميش.
المدينة القديمة اليوم لم تعد صالحة للعيش الكريم، فالمباني المهترئة والآيلة للسقوط لا تحتاج إلى “ترميم” تجميلي، بل تحتاج إلى حلول جذرية تنقذ الأرواح.
آسفي تحتاج إلى شجاعة سياسية تقرّ بأن كرامة المواطن المسفيوي أغلى من الجدران المتآكلة.
إننا نحتاج إلى:
– إعادة هيكلة شاملة للمدينة: تتناسب مع حجمها كقطب صناعي، مينائي، وحرفي عالمي.
– ترحيل فوري وتعويض سكني بكرامة: إنقاذ الساكنة من فخ السكن المهدد بالانهيار ونقلهم إلى أحياء تليق بآدميتهم.
– توطين الثروة: يجب أن تنعكس عائدات الفوسفاط، وجبايات الموانئ، وثروات البحر، وشهرة الفخار على “بنية المدينة” التحتية.
ختاما: آسفي تستحق الأفضل
إن صرف التعويضات هو “حق” وليس “مزية”، لكنه لا يعفي المسؤولين من خطيئة إهمال التخطيط الحضري. آسفي تستحق “إقلاعاً حقيقياً” يعيد صياغة هندستها من جديد. لا يمكننا أن نقبل بصورة “العملاق الاقتصادي” الذي يغرق في “شبر ماء”. الكرامة لا تُرمّم، بل تُبنى بقرارات جريئة تضع الإنسان المسفيوي في قلب التنمية، تماماً كما هي ثرواته وموانئه وفنونه في قلب الاقتصاد والهوية الوطنية.