آداب الصلاة في المسجد

Cover Image for آداب الصلاة في المسجد
نشر بتاريخ

أظلنا شهر عظيم خص به المولى عز وجل أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيه تتنزل الرحمات وتمحى السيئات وترفع الدرجات.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم” (رواه النسائي).

ولعل من أجَلِّ بركات هذا الشهر الأغر الإيمان الذي يعم ربوع الأقطار الإسلامية، فنرى إقبالا شديدا على عمارة بيوت الله شيبا وشبابا، رجالا ونساء، لما في ذلك من عظيم الأجر والثواب.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن للمسجد أوتادا، الملائكة جلساؤهم، إن غابوا افتقدوهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم. جليس المسجد على ثلاث خلال: أخ مستفاد، أو كلمة حكمة، أو رحمة منتظرة” (رواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما)، وعنه أيضا رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من غدا إلى المسجد، أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح” (متفق عليه).

ويعرف شهر رمضان الكريم حرصا كبيرا للمرأة لنيل حظها من هذه المكرمة بحضورها المميز والوازن في بيوت الله بعزيمة قوية وهمة عالية، تزاحم المناكب وتسابق الزمن لتتدارك ما فاتها من تحصيل علم وشهود عبادة.

وقد خصت الشريعة الإسلامية العبادات بآداب تعين على حسن أدائها ونيل الثواب منها، وتنم عن عظمة هذا الدين، ونخص بالذكر هنا آداب الصلاة في المساجد إذ يجهلها كثير من الناس، بسبب ضعف التوعية إن لم نقل انعدامها. فوسائل التنشئة الاجتماعية (ونقصد بها الأسرة والمدرسة والإعلام) أفرِغَت من دورها، بل تسعى الكثير من المخططات والبرامج لإفسادها، ويشتد سباقها خاصة في هذا الشهر الفضيل، لتُشغل الأمة الإسلامية عن وجهة ربها، وعن التقرب إليه بالفرض والنفل.

فما هي أهم الآداب التي حثنا الشرع الحنيف على الالتزام بها؟ وما هي سبل التحلي بها؟

1- تعظيم النية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى” رواه البخاري ومسلم.

وقال بعض السلف الصالح: رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية.

وقال يحيى بن كثير: تعلموا النية فإنها من أبلغ العمل.

وقال بعضهم: تجارة النيات تجارة العلماء.

فتنوي المؤمنة والمؤمن على حد سواء استحضار نية طلب العلم والعبادة، وبذل النصح للمسلمين، وتعميق أواصر المحبة بينهم، وتفقد أحوالهم، لأن هذا هو القصد من حضور الجماعات. ومما يعين على ذلك التضرع والدعاء قبل الذهاب للمسجد ليفتح الله أبواب الفضل وسبل التوفيق.

2- الحرص على الطهارة والسمت الحسن

شرعت النظافة كمقدمة لمجموعة من العبادات؛ كاستحباب الاغتسال للجمعة والعيدين، وكذا العمرة والحج، بل حرص الإسلام على تكريم جسد الميت بوجوب تغسيله قبل دفنه.

والطهارة من سنن الفطرة، جاء في صحيح مسلم عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنها قالت: قال رسول الله عليه الصّلاة والسّلام: عشرٌ من الفِطرةِ: قصُّ الشَّاربِ، وإعفاءُ اللِّحيةِ، والسِّواكُ، واستنشاقُ الماءِ، وقصُّ الأظافر، وغسلُ البراجمِ، ونتفُ الإبطِ، وحلْقُ العانةِ، وانتقاصُ الماءِ. قال زكريَّاءُ: قال مصعبٌ: ونسيتُ العاشرةَ، إلَّا أن تكونَ المضمضةَ. زاد قُتيبةُ: قال وكيعٌ: انتقاصُ الماءِ يعني الاستنجاءَ”.

والقصد من تأكيد ديننا الحنيف على الطهارة هو التأدب مع خلق الله وعدم إذايتهم، بل عدم إذاية الملائكة الكرام، لذا نجد أحاديث تنهى عن أكل الثوم والبصل عند الإتيان للمسجد تأدبا مع الملائكة. ففي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثُّومَ، وَالْكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ”.

3- التحلي بالسكينة عند الذهاب للمسجد

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا” (رواه البخاري ومسلم)، فلا داعي للهرولة والجلبة حرصا على عدم إدراك الصلاة.

4- التأسي برسول الله في الدعاء عند الدخول والخروج من المسجد

روى مسلم في صحيحة وأبو داود في سننه من حديث أبي حميد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ”.

وروى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: “أَعُوذُ بِاللَّه الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ… فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم”.

5- استحباب تحية المسجد

يستحب أداء ركعتين هما تحية المسجد قبل الجلوس، فعن أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ” (رواه البخاري ومسلم). 

مع التنبيه أنها تكره إذا دخل المصلي ووجد الإمام قد بدأ خطبته.

6- التحلي بالرحمة واللين وخفض الجناح في المسجد

تتجلى مظاهر الطبيعة الإنسانية أثناء تأدية العبادات، خصوصا في حضور الجماعات من صلاة وصيام وحج وعمرة، لذا أكدت مجموعة من النصوص الشرعية على الالتزام بالأخلاق الحسنة والأدب الرفيع أثناء القيام بها لنيل ثوابها.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّه” (متفقٌ عَلَيْهِ).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ” (رواه البخاري ومسلم).

فعَن ابن عُمرَ رضيَ اللَّه عنهما، أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: “أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَينَ المنَاكِب، وسُدُّوا الخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلا تَذَرُوا فَرُجَاتٍ للشيْطانِ، ومَنْ وصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّه، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعهُ اللَّه” (رواه أبُو دَاوُدَ بإِسناد صحيح).

وذلك من أجل تيسير العبادات ودفع المشقة أثناء القيام بها، وإظهار المسلمين وهم يؤدون المناسك في مظهر جميل من الأدب والسكينة والتنظيم؛ سواء في أداء فريضة الحج والعمرة أو في صلاة العيدين والجمعة ونفل التراويح.

7- إلتزام الخشوع والاشتغال بالعبادة

بنيت المساجد لإقامة شعائر الله من صلاة وذكر وقراءة القرآن وكذا طلب العلم لقوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ * رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزّكَـاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مّن فَضْلِهِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (النور، 36-38).

لذا علينا أن نشتغل بالعبادة ونجتنب اللغو والغفلة عن الله إلا أن يكون كلاما في طاعة الله؛ من إبداء النصح للمسلمين برفق وأدب لتحبيبهم في عمارة المساجد وعدم تنفيرهم منها بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن رفع الصوت ولو بقراءة القرآن تأدبا مع المسلمين.

8- تربية الأطفال على آداب الصلاة في المسجد

قبل أن نتطرق لهذا الموضوع نعرض أولا للهدي النبوي الشريف في هذا الباب:

قال أبو قتادة رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمامة بنت العاص -ابنة زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم- على عاتقه، فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها” (رواه البخاري ومسلم).

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوّز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه” (رواه البخاري ومسلم).

مما نخلص إليه أنه من المستحب اصطحاب الأطفال للصلاة في المسجد لتربيتهم على التعلق به، وحضور حلق العلم والعبادات، لكن مع التأكيد على تربيتهم على التحلي بروح المسجد وآدابه. ولعلنا نستشف السن الأمثل لحضور الأطفال للصلاة في المسجد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا وفرقوا بينهم في المضاجع” (أخرجه البزار (9823)).

لكن حضور دون هذا السن من الأطفال الصغار قد يؤذي المصلين ويخل بسكينة المسجد، وغالبا ما يظهر أحدهم هذا الضجر والانزعاج، مما يعود سلبا على الآباء والأطفال وعموم المصلين.

9- الحفاظ على نظافة المسجد

المسجد رمز الحضارة الإسلامية، وكانت له أدوار مميزة في بناء الشخصية الإسلامية. فقد كان مركز العلم، ودار القضاء، ومربط الجهاد والدعوة، و أول صرح أسس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولعل من أسبق أولوياتنا إعادة المكانة اللائقة لبيوت الله عز وجل، بدءا بالتشجيع على نظافتها ورونقها، بما يليق ببيت ينسب لرب العزة سبحانه، ومجلس الملائكة، وقبلة المصطفين من خلقه.

10- محبة المسلمين والدعاء لهم

الغاية من تشريع الإسلام إقامة العبادات في الجماعات هو تمتين أواصر المحبة والتواصل بين المسلمين. والمسجد أنصع صورة لتحقيق هذا الهدف، لأنه مكان انجماعهم في أوقات ومناسبات متعددة، والدعاء لهم بظهر الغيب مما يؤلف القلوب ويقوي أواصر المحبة.

عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: لما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبَ نفسٍ، قلت: يا رسول الله، ادع الله لي، قال: (اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر، وما أسرت وما أعلنت)، فضحكت عائشة حتى سقط رأسها في حِجْر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الضحك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيسرك دعائي؟)، فقلت: وما لي لا يسرني دعاؤك، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنه لدعائي لأمتي في كل صلاة)” (رواه ابن حبان في صحيحه).

ونستبشر خيرا بهذا الإقبال اللافت على بيوت الله، ونتأسى برسول الله صلى الله عليه في رفقه ورحمته بخلق الله، تحبيبا لهم في طاعة الله، وتشريعا منه لسنة التدرج وتربية لأمته. ولنا في سيرته الأسوة الحسنة في التحلي بالصبر والتؤدة والرفق بالمسلمين لنرتقي بهم في مراتب الإسلام والإيمان والإحسان.

ونختم بهذه الواقعة الطريفة، لنستلهم منها الدروس والعظات.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلاً من ماء، أو ذَنوباً من ماءِ، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين” (رواه البخاري).

نسال الله أن يجعلنا ممن تعلقت قلوبهم ببيوت الله، وسعوا لعمارتها وتحبيب عباد الله فيها، ونشر العلم القرآني والهدي النبوي الشريف من خلالها، ورفع صرحها لأنها مظهر من أجل مظاهر عظمة هذا الدين، وتمكين شريعته.

نسال الله أن يكشف الغمة عن مسجدنا الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثاني الحرمين، ويحرره من أيادي العدو الصهيوني الغاصب، إنه ولي ذلك ومولاه.