نفحات عشر في الليالي العشر (4)

Cover Image for نفحات عشر في الليالي العشر (4)
نشر بتاريخ

توقف فكري البارحة ومداد القلب.. ورحت أتأمل في حال المحرم الملبي.. دخل في حرمة ما ينقض نسكه، وأعطى الدنيا ظهره، وأقبل على ربه متجردا مما يجره إلى ماضي غفلاته وآثامه ورؤيته لنفسه..

كم هي جميلة صيغة التلبية بلباس التجرد ظاهرا وباطنا.. لبيك اللهم لبيك..

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا.. لا ينقضي الشوق إليه.. فترى الزائر المحب يود أن يرجع المرة تلو الأخرى.. كلما زادت زياراته تكاثرت أشواقه..

أمن.. إنه بيت الله.. للناظر إليه أول مرة هيبة عظيمة وإجلال.. حتى إذا طاف واقترب أحس به يجذبه كي يضمه ويلثمه ويبكي ذنبه وشوقه ووحشته وغربته.. يضمه ضما..

تناديني العشر أن أحرم نفسي مما يغويها، وأتخلص مما ينجسها ومن النار يدنيها.. فتنادي الروح باستحياء، ويطرق الدمع بتواتر وإلحاح، ويقعد البدن خاملا كأنه يحمل أوزار الخلائق كلهم.. ينتظر إفراج مولاه عنه وعفوه وصفحه..

لسان الحال ناطق: “هذا حال من انقطع عن البيت فكيف حال من انقطع عن رب البيت”؟!.. اللهم عفوك ورضاك.

أطوف به والنفس بعد مشوقة ** إليه وهل بعد الطواف تداني؟!

وألثم منه الركن أطلب برد ما ** بقلبي من شوق ومن هيمان

فوالله ما أزداد إلا صبابة ** ولا القلب إلا كثرة الخفقان

فيا جنة المأوى ويا غاية المنى ** ويا منيتي من دون كل أمان

أبت غلبات الشوق إلا تقرباً ** إليك فما لي بالبعاد يدان

وما كان صدّي عنك صد ملالة ** ولي شاهد من مقلتي ولساني

دعوت اصطباري عند بعدك والبكا ** فلبّى البكا والصبر عنك عصاني

وهذا مُحِبّ قاده الشوق والهوى ** بغير زمام قائد وعنان

أتاك على بعد المزار ولو ونت ** مطيته جاءت به القدمان