من كتاب “تنوير المؤمنات” | نساء الإسلام

Cover Image for من كتاب “تنوير المؤمنات” | نساء الإسلام
نشر بتاريخ

كيف تحولت الصحابيات رضي الله عنهن؟ كيف تربين في الشدائد التي قتلت فيها أول شهيدة -بل أول نفس- في الإسلام تحت العذاب؟ كيف تربين بعد ذلك حتى حصلت لهن تلك المعاني القلبية العميقة التي حولت إرادتهن عن التعلق بزينة الحياة الدنيا؟

إلى نموذج الصحابيات ترجع نساء الإسلام لاستيحاء المثال، لا إلى أحكام مجردة معممة تناولها الفقهاء كل في زمانه ومكانه، وظروفه السياسية، وتقلبات الزمن به، وأولوياته، وضرورياته التي أباحت المحظورات، ومصالحه التي قورنت بالمفاسد، وضرره الأصغر الذي دَرَأ به الضررَ الأكبر.

يلزم اجتهاد وفقه لفقهِ الظروف التي أثرت في اجتهاد الفقهاء الأجلاء في عصور هبط فيها الحكم إلى دركات العض والجبر.

وما علينا من الاجتهاد حين تكون السنة مجسدة حية إلا التقليد في حدود بيئتنا المعاصرة ووُسعنا للنموذج الحي المثالي. لا مكان للتأويل ولا للتخصيص والتقييد عندما نقرأ الحياة العملية للصحابيات رضي الله عنهن. أولئك كن السابقاتِ الأُولَياتِ من المهاجرات والأنصاريات اللواتي رضي الله عنهن ورضوا عنه، وأعد لهن جنات تجري من تحتها الأنهار.

نقرأ من بيت النبوة، نستقي من النبع، نقتبس الهدى والنور من مشكاة النبي وآله وأهل بيته. كان خلُقه صلى الله عليه وسلم القرآن كما قالت أمنا عائشة رضي الله عنها. فبالقرآن خلّقهن، وبالقرآن هذبهن، وبرأفته وحكمته قوَّمهن. وبحضوره ومعاشرته ومحبته التي سكنت شِغاف القلوب تشربن الإيمان واستروَحْن رَوح الإحسان.

نقرأ عن أمنا عائشة رضي الله عنها العالمة المفتية التي تُذكر مع كبار علماء الفتوى من الصحابة أمثال أبيها الصديق، والفاروق عمر، وعلي الإمام، وعبد الله بن مسعود.

نقرأ عن عائشة المحدثة المكثرة التي تتقدم فتسامي أكثر الصحابة جمعا للسنة ورواية لها وحفظا وتعليما. نقرأ عن عائشة المجاهدة التي كانت تنقُزُ قِرَب الماء تجري بها سريعة لتسقي جرحى أحُد وتواسيهم. نقرأ عن عائشة الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر التي كانت تنتقد أمير المؤمنين عثمان، نقرأ عن عائشة قائدة الثورة على الإمام علي كرم الله وجهه لما اجتهدت فأخطأت، ثم ندمت على خطإها وتابت في آخر حياتها واستغفرت.

نقرأ عن عائشة التي بلغها جبريل عليه السلام سلامه على لسان زوجها الرسول الكريم المربي صلى الله عليه وسلم.

كيف تربت هذه الفذة من نساء الإسلام؟ تلك الشابة التي كانت تحب اللهو فيقف لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تشبع نهَمَها من الفُرجة على الحبشة وهم يلعبون في المسجد، كيف نشأت؟ كيف ترعرع إيمانها؟ كيف انفعلت مستبشرة مُنزجرة بآيات الله تتلى طرية في بيتها؟ نقرأ ملابسات ذلك التنزيل الحي عسى أن يتجدد لنا بالمحاذاة والاتباع إيمان، وتتحقق لنا توبة، وتسمو لنا همة، وتُقْلِع لنا إرادة من حضيض حب الدنيا والشهوات إلى أوج اختيار الله والرسول والدار الآخرة. 

أنزل الله تعالى في سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (الآيتان: 28 – 29).

أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وهي لا تزال في فجر شبابها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة. وكذلك فعل ضرائرها الثمان رضي الله عنهن.

وسبب التنزيل أنهن رضي الله عنهن التفتن في السنة الخامسة من الهجرة إلى ما وسع الله به على المهاجرين الفقراء من فتح أرض قريظة بعد إجلاء يهود بني النضير. فطمعن -وهن نساء، وهن بشر- أن يوسع عليهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النفقة. وهو كان الأسوة في شخصه، فينبغي أن يكون أهل بيته مثالا للتقلل من الدنيا وزينتها. ونزل القرآن بالتخيير. فكان هذا الامتحان مِحكا لإرادتهن وتمحيصا وتوجيها وتحويلا. هذه تربية عملية لا تفقهها المرأة لو قرأت آيات الله في المصحف مجردة معممة.

قبل امتحان التخيير وصقل الإرادة كان التطهير من الذنوب والتتويب والتقويم.

(…)

عبد السلام ياسين، كتاب “تنوير المومنات”، ج 1، ص 149 – 151 على موسوعة سراج.