من رسائل حسناء “مدونة الأسرة”

Cover Image for من رسائل حسناء
“مدونة الأسرة”
نشر بتاريخ

الحمد لله الذي جعل المودة والرحمة بيـن الزوجين آيـة من آياتـه، والصـلاة والسـلام على خيـرالناس لأهله، وعلى آله وصحبه وحزبه.

أختي الفاضلة

آن الأوان لأجيبك عن أسئلة، بل تحديات طالما وضعتها أمام كل رأي يخالفك في حماسك الزائد وتفاؤلك المفرط حول نتائج ما يسمى بمدونة الأسرة.

كم تناقشنا وكم تحاورنا، ولم يترك لك الحماس والتفاؤل فرصة الاستماع بجد واهتمام للرأي الآخر، كم وكم تجادلنا ولم يكن جدالنا العقيم ليوصلنا إلى بر ترسو عليه مراكب قناعاتنا وأفكارنا.

لكن ومع مرور هذا الوقت على تطبيق المدونة، آن الأوان لحوار هادئ رزين بيننا، دون غليان أو تشنج وحمية، خاصة بعدما بدأت تظهر عليك علامات الإحباط واليأس مما تجدينه من متاعب ومشاكل وتناقضات داخل فضاء القضاء الذي كانت ثقتك عمياء في مساطره، خاصة مع التعديل الجديد الذي طرأ على قانون المدونة، ثقة وحمية قد كانت حاجزا بين تواصل نقاشاتنا، فأنت ترين التعديل الجديد كأنه هو الدواء السحري اللازم اللازب لحل كل قضايا المرأة والأسرة والطفل.

لم يكن رأيي – وأنت على علم بذلك – يخالف مسألة التغيير؛ تغيير باجتهاد في القوانين من طرف متخصصين، بقدر ما كان شكي في النجاح في تطبيق ما جاء به هذا التغيير وتوفير الوسائل والآليات والقوة البشرية المنفذة والمطبقة للقانون بعدل وإنصاف، بعيدا عما ألفناه من استغلال القضايا والمشاكل الإنسانية من أجل النهب والرشوة، فرغم انتقادي لفصول من المدونة، لم يكن ذاك هو هاجسي وهمي، بقدر ما كنت أرى أن التغيرات وإن كانت قد تحدث أرباحا قانونية لصالح المرأة، فإنها تركت تغراث عدة للتلاعب والغش والتماطل، لتبقى المشاكل والقضايا الأسرية حديث المحاكم، الذي يطول شهورا بل سنوات، ولا تحل معه عقد أسر تفككت أو تكاد، وهذا باعترافك أنت، فقد اتضح لك وأنت التي تعيشين مشاكل الأسرة وتتابعين قضاياها في المحاكم، كيف أن التلاعب هو سيد الموقف داخل ساحات محاكمنا لدرجة قد يتسرب اليأس إلى قلبك.

فأستغرب كيف تحولت نفسك من الثقة التي لا حدود لها إلى يأس بل إلى إحباط وتردد، حيث قد يصل بك الحال في أحيان كثيرة إلى تفضيل الصمت.

أختي الفاضلة

أنا لا ألومك بل ألتمس لك كافة الأعذار على ذلك التفاؤل وهذا اليأس، وأنت التي كنت تطمحين في أن تحل مشاكل الأسرة وقضاياها بأقصى سرعة، نظرا للسنين التي عايشت من خلالها هموم النساء المهضومة حقوقهن، فلما ظهرت بارقة الأمل تعلقت فيها بكل جوارحك.

فاسمحي لي الآن أن أتكلم بهدوء لأنك بعد تجربتك هاته، على استعداد كبير لسماعي بإنصاف دون حمية أو عصبية.

أختي الفاضلة

أظنك الآن قد اقتنعت أن تغيير القوانين لا يمكن أن يعطي نتائج إيجابية إذا لم تتغير المساطر القضائية والعقول التي تفصل في القضايا وتنظر في الأحكام، وكذا طريقة تفكير الآباء والأمهات والأزواج عموما، فالزوجة المتسلطة قد تستغل ضعف زوجها وبعض أخطائه فتركب جماح سطوتها، لتحول حياته إلى جحيم، والرجل العارف بثغرات القانون قد يحول حياة زوجته إلى ضنك، فلا هي متزوجة ولا هي مطلقة، فيضطرها هذا إلى التخلي عن كافة حقوقها، والقاضي الذي لا يملك الضمير الرقيب عليه لا يتوانى في التعطيل والتأخير والتماطل. وهكذا تتحول حياة الأسر إلى رحلات بين المكاتب والمحاكم وجري وراء سراب أو وهم، وأنت أعلم مني بهذه المآسي والهموم القضائية.

أختي الفاضلة

ألا ترين معي أننا إذا نشدنا التغيير، يلزم أن نهيئ له الأرض التي سينبت فيها، هذا إذا كان هذا التغيير أصلا صالحا؟ ألا ترين معي أنه في الوقت الذي سنصلح فيه قانون المدونة كان من اللازم أن نعد أجهزة القضاء بشكل يساعد على تيسير تطبيق النصوص؟ أما والحال في محاكمنا كما هو عليه، فلا معنى للتغيير، أما والجهل غالب على مجتمعنا نساء ورجالا فلا معنى لوضع هذه الإصلاحات دون توعيتهم وإرشادهم، وإلا سنكون قد وضعنا بين أيديهم أسلحة للتحدي والمبارزة وليست حلولا للتخفيف من المشاكل الأسرية. ولعل نسبة الطلاق المرتفعة، وأعداد الأطفال المشردين الذين أصبحوا منظرا معتادا في شوارعنا، والنساء ضحايا المحاكم من ضاعت حقوقهن وحقوق أولادهن ليصبحن عرضة للتهميش والفقر مما يجبرهن على العمل بأي طريقة لكسب لقمة العيش. كل هذا يدل على فشل ذريع في مشروع إصلاح المدونة، وإن كان من الإنصاف الاعتراف بأن هذا المشروع حمل الجديد وبعض الفائدة، لكن النتائج لم تصل إلى مستوى تطلعات المجتمع، خاصة مع ما أعطي له من قدر عظيم من الدعاية والإعلان.

أختي الفاضلة

لعل الإصلاح وحل المشاكل بعدما تصل الملفات إلى المحاكم والعلاقات الزوجية إلى الرغبة في الطلاق قد لا يعطي نتائج مرضية، ما لم يغير حال الأسر المغربية، فتنصف المرأة والطفل والرجل، وما لم يبن الأساس على أرض صلبة. لذلك سؤالي الملح الدائم: قبل وصول الأسر إلى المطاف الأخير- المحاكم-. أين كانت الحركات النسائية؟ أين دورها في التأطير والتوعية؟ تأطير وتوعية ليس بالقوانين والحقوق فقط، بل أيضا توعية المرأة والرجل بدورهما المقدس داخل الحياة الأسرية، لا تعميق الهوة بينهما. فكلاهما نصف مكمل للآخر، فالزواج رباط مقدس وميثاق غليظ وليس شركة مهمة كل واحد منهما الخروج بأكبر قدر من الأرباح المادية.

أختي الفاضلة

لعلك لازلت تتذكرين كم كنت أعيب عليك اندهاشك بالآخرين وطموحك لتقليدهم فيما يدعون من حريات وحقوق، فأٌقول لك، وهل استوعبت الخير الذي نملك نحن المسلمين قبل الاستغاثة بما عند الآخرين؟.

ليس عيبا أن نستفيد من التجربة الأخرى، لكن دون أن نكون نسخة له، والنسخة لا تكون إلا ممسوخة. لأن التربية ليست هي التربية والمجتمع غير المجتمع، والمعتقدات ليست هي المعتقدات، ليس عيبا أن نأخذ ما يصلح لنا، لكن بعد أن نفهم جيدا ما عندنا.

لذلك أدعوك للاستماع إلى حديث كثيرا ما رفضت سماعه، لأن انشغالك لم يسمح لك بالتريث والاستماع بعيني قلبك المؤمن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، الذي طالما حدثني عن شوقك لزيارة مدينته.

الحبيب صلى الله عليه وسلم، قدوتنا في حسن الخلق والمعاشرة لأهله، يعطي نساءه الحق في الأخذ معه والرد في الكلام، لدرجة يسأل سيدنا عمر ابنته حفصة باستغراب، هل حقا تراجعين رسول الله في الكلام؟ فكان جوابها بالإيجاب،. كما كان يستشيرهن في كثير من الأمور، ولازال التاريخ يذكر إشارة أمنا أم سلمة للرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، فكانت حكمتها سببا في إخراج الرسول من حرجه مع الصحابة، ومواقف الرسول الكريم مع أهله أكثر من أن تحصى، حيث رسم للأزواج منهاجا للتعامل مع زوجاتهم، من حيث حقهن في التعبير وإبداء الرأي والاستشارة، مع ما قدمه الرسول من مثال رائع في المودة والرحمة والحب لزوجاته رغم تعددهن، قال صلى الله عليه وسلم “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي “حيث كان يصبر على غيرتهم، وكان يمازحهن بل و يلعب معهن ويفسح لهن المجال للتعلم وتعليم الناس أيضا، ولعلك بالعودة إلى سيرهن قد تكتشفين المزيد من خيرية الرسول في تعامله مع أهله.

أختي الفاضلة

لقد اعتبر القرآن الكريم المودة والرحمة التي يقذفها الله في قلوب الأزواج من آياته العظمى الدالة على عظمته سبحانه وتعالى. مودة ورحمة وحب هي مفاتيح للعلاقة الزوجية، مودة ورحمة تظهر حلاوتها في انسجام الأسرة وثمارها في تربية الأبناء، لمن كان اختيار شريكه الآخر على ضوء ما رسمه الإسلام وما علمنا الحبيب صلى الله عليه وسلم حيث قال في شروط اختيار الزوج “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”. أضف إلى ذلك القدرة على الإنفاق، قال صلى الله عليه وسلم: “من استطاع منكم الباءة فليتزوج”. أما شروط اختيار الزوجة فيقول صلى الله عليه وسلم: ” تنكح المرأة لأربع لمالها ولجمالها ولحسنها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك”.

أختي الفاضلة

سأسألك سؤالا دائما كنت أطرحه عليك ولكنك كنت تسوفين أو تغيرين مجرى الحديث. كم محاضرة ألقيت؟ وكم تكوينا أجريت للنساء ممن تشرفين على تكوينهن بل كم مقالة كتبت في التعريف بهذه المبادئ الراقية والأخلاق العالية لإنشاء وتكوين الأسر السعيدة التي يقدر كل فرد من أفرادها المهمة التي كلفه الشارع بها، لا تقدير محاسبة وحق وواجب فقط، بل تقدير تقديس قال صلى الله عليه وسلم: “الجنة تحت أقدام الأمهات” الأمومة مهمة مقدسة، والأبوة أيضا. “لا يدخل الجنة عاق لوالديه”، تقدير لنيل الخيرية: “خيركم خيركم لأهله” هذه المبادئ هي البدايات الضرورية لأي إصلاح، لأنها هي الأساس المتين الذي سيجنبنا الوصول إلى المحاكم والقضايا.

أختي الفاضلة

لم أرفض يوما ولا اختلفت معك فيما تقومين به من دور في التوعية بالحقوق، وما يجب على المرأة فعله في حالة إخلال الزوج بها، لكن أختي أليس الأصل هو المودة والتساكن بين الزوجين؟ ورغبة كل واحد منهما أن تكون خدمته لٍلآخر سببا في دخولهما الجنة، فالزوج يسعى لإرضاء زوجته حبا وكرامة، لا خوفا من سيف قانون مصلت على رقبته يخاف مخالفته، وكذلك الزوجة تسعى لإسعاد أسرتها لإيمانها بأنها هي القلب الرحيم الذي يدخل الدفء، بعطفها وحنانها ومحبتها وبكل العواطف الجياشة النبيلة التي جعل الله عز وجل قلب المرأة خزانا لها، لا رهبة من زوح متسلط سيجبرها على التخلي عن كرامتها وحقوقها. فالبيت السعيد هو الذي يضع أفراده نصب أعينهم رضا الخالق عز وجل، ويسعون جادين لبناء سعادتهم الأخرى في جنات النعيم. قال تعالى: ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون. فالزواج رباط مقدس لا يفنى مع الموت بل يستمر إلى الآخرة ومن العيب أن نجرده من كل شيء سوى ميزان عدل يسعى كل زوج أن لا ترجح كفه الآخر على كفته، محاسبة واحتراز وحذر، حياة بهذا الشكل ستكون حتما جافة بين أي زوجين لأنها تجردت من روحها، وتعلقت بما هو مادي فقط وكلما جفت العلاقة كلما كانت عرضة للكسر.

المهمة المنتظرة إذن هي أن نعيد الثقة بين الزوجين، أن نعيد مفهوم الزواج إلى طريقه الصحيح. قال تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة. ولن يتم هذا إلا بتوعية المقبلين والمقبلات على الزواج بأدوارهم الحقيقية داخل الأسرة، وتشرب كل المعاني السامية التي جاء بها الإسلام تجاه الأسرة، لعلنا نخفف من القضايا المطروحة على المحاكم، ونرتقي بالحياة الزوجية وبمستوى تربية الأولاد.

أختي الفاضلة

إن قضية المرأة ليست معزولة في شكلها ومضمونها عن قضايا المجتمع وما يعانيه من مشاكل سياسية واقتصادية وتربوية، فأي تفكير في حل قضية المرأة بمعزل عن النهوض بالمجتمع ككل لن تكون نتائجه إلا محدودة قاصرة عن تحقيق الأهداف. فأي تقدم سياسي واقتصادي يعرفه المجتمع سينعكس حتما على كل مكوناته. وهكذا فالإصلاح والتغيير لابد أن يكون شموليا.

وفي ختام رسالتي هاته: أتمنى أن أكون قد وفقت في إيصال أفكاري وقناعاتي لك، ورجائي أن تقبليها، لنناقش ونحلل بعد ذلك ما اختلفنا فيه، وفقنا الله لما فيه خير لنا في دنيانا وآخرتنا.

والصلاة والسلام على خير الأنام، وعلى آله الطيبين وصحابته الأخيار ومن اتبع هديه إلى يوم الدين.