مقومات الاستجابة لله تعالى

Cover Image for مقومات الاستجابة لله تعالى
نشر بتاريخ
وفاء مسامح
وفاء مسامح

تميز الصحابة الأفاضل والصحابيات الفضليات – وهم الجيل الفريد كما وصفهم الشهيد سيد قطب رحمه الله – بقدرتهم المتميزة على الاستجابة الكاملة والفورية، الفردية والجماعية، العلمية والعملية للنداءات الإلهية المتكررة بقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا}.. هذا التميز والتفرد يدفعنا لنتساءل عن أسباب افتقاد الجيل المعاصر لمقومات الاستجابة الحقيقية؟ ونبحث عن عوامل طغيان علم الخطبة فينا وتراجع علم الخطوة؟

فما السر الذي أنار عقولهم وأحيى قلوبهم حتى تحدت عقبات النفس والهوى، وكسرت أغلال القعود والخلود إلى الدنيا وزينتها؟

إن النداء الإلهي رسالةٌ ربانية للعالمين، والمرسَلَ إليه لابد له من فهم واستيعاب للرسالة بإعمال العقل وصولا لإدراك المطلوب الواجب التنفيذ، فيجتهدُ عقل المسلم المكلَّف في استنباط دلالات الخطاب الإلهي واكتشاف مقاصده ليقبل عليها عن وعي وبصيرة، لكن هل يكفي العقل وإعماله في إشعال روح الاستجابة لأمر الله؟

يتحدث الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى عن أهمية العقل في فهم النقل، لكنه يجعل قضية “الإرادة” حاسمة في إنتاج الاستجابة الصادقة.

هذه الإرادة، الواجب تحريرها اليوم كما تحررت في العهد النبوي من كل ما يحبطها ويطفئ جذوتها ويغير وجهتها.. تشكلت من خلال عوامل ثلاثة بارزة:

أولها: صحبة نبوية راشدة زكت النفوس وملأتها حبا لله ورسوله، ورفعت همتها رفعا، وحررت إرادتها فكانت الغايةُ اللهَ ووجهَ الله.. لم تكن صحبة منعزلة بل صحبة في سياق جماعة مؤمنة متحابة متعاونة على البر والتقوى متنافسة على الخير متسابقة إلى معالي الأمور مترفعة عن سفسافها مستنيرة بقوله تعالى: “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ” (الكهف، 28).

ثانيها: ذكر الله المتواصل، وهو رأس المثبتات في زمن المثبطات.

الذكر ماء لحياة القلوب، بدونه لا حياة ترجى، وأنى للأموات أن يسمعوا نداء الله بله أن يستجيبوا له.. ذكر الله نور يضيء الطريق أمام المستجيب لأمر الله، فلا مجال للنسج على منوال الصحب الكرام إن لم يكن لهذا الجيل برنامج (تعال نؤمن بربنا ساعة) مثلما كان لهم.

ثالثها: التدرج الصادق

علمنا الصحابة الكرام أن السلوك إلى الله انتقال متدرج عبر مدارج القرب إلى الله لا قفزا “قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ”  (الحجرات، 14)، وكان القرآن يحثهم على الإسراع وعدم التراخي في طلب المعالي “أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ” (الحديد، 16).

بهذه الركائز الثلاث، تحققت الاستجابة لأمر الله بلا شرط ولا قيد، وبها أيضا تتحقق فينا وفي الأجيال القادمة إن عضضنا عليها بالنواجذ. جعلنا الله وإياكم من أهل الذكر والصدق، ورزقنا الصحبة الصالحة الدالة على الله المحررة للإرادة بمحض جوده وكرمه وتوفيقه.. آمين.