معنى السعادة عند الإمام ياسين

Cover Image for معنى السعادة عند الإمام ياسين
نشر بتاريخ

يدخل البحث في سعادة الإنسان وما به تتحقق ضمن البحث في سؤال المعنى)، إذ يتناول الأستاذ ياسين في سائر كتبه هذا المفهوم لجوهريته ومركزيته، وهو يتناوله من منطلق الفقه القرآني الذي يحدد أن الإيمان بما هو سر السعادة في الرؤية المنهاجية يستوطن في القلوب فتَتَنَوَّرُ أو يدخلها ظلام الكفر والنفاق فتَسْوَد. والعقل بعد ذلك والعمل الفردي والاضطراب الجماعي في الأرض والتاريخ تَبَعٌ ونتيجة وجزاء. وعلى انشراح القلب أو انغلاقه، وكفره أو نفاقه، وإدراك العقل أو بلادته، وصواب العمل أو خطإه، ونية الجهاد أو غيابها يترتب الجزاء الأخروي. والآخرة للإخبار بها وبالخالق جاءت الرسل ونزلت الكتب. عن السعادة الأبدية أو الشقاوة والعياذ بالله تحدث القرآن أبلغ ما تحدث. ومَرَدّ السعادة والشقاء لفساد المعاني القلبية أو صلاحها كما يفسد الجسد أو يصلح تبعا لحالة المضغة القلبية التي تحرك الحياة)[1].

و يميز الأستاذ ياسين تبعا لذلك بين نوعين من السعادة يمكن أن نصطلح عليهما بسعادة الاستمتاع في مقابل سعادة السماع):

الأولى سعادة حسية: أو (سعادة الاستمتاع التي تنزل بالإنسان إلى الأسفل)، وهي تلك التي تمنحها وتبشر بها الحضارة الحواسية الهائمة بلا هدف غير هدف “السعادة” الدوابِّية في طريقها المسدود رغم ما فتح الله عليها من أبواب كل شيء ابتلاء)[2]،.. سعادة “الاستمتاع” من “المتعة”، والمتع متعددة ولا تنتهي إلى غاية، وأغلبها على الناس المتع المادية الحسية التي لا يزيد إشباعها غير توليد المزيد والمزيد من شراهة الإنسان وجوعته.

هذا النمط من السعادة شعار على السواء للفلسفتين الليبرالية والاشتراكية، فـالفكرُ اللبرالي يربط حقوق الإنسان بسعادة الفرد، يتصورها مزيدا من المتعة واللذة. والفكر الشيوعيُّ يسعى لنفس السعادة المادية وإن كان يُقَدِّم في الاعتبار حقوقَ المجموع على حقوق الفرد. في كلا الجانبين ولُوعٌ شديد، بل انحباسٌ تامٌّ، باللذة المادية، والقوة الحسية، وثقافةٍ تدور حول ذلك، وفنٍّ يُصوره، واقتصاد يخدمه، وحُكْمٍ يدبره. لندَع الحديث عن هذه السعادة الدوابِّيَّةِ هل أسعدت الإنسان أم أشقته، هل عوضته ببضائعها ووسائلها ما فقده من معنى وجوده. نستغني عن ذلك الحديث هنا لنبسط حقوق الإنسان في أن تُوَفَّرَ له شروطُ الرحلة الكريمة إلى الآخرة، والعرض الإلهي والدعوة الرسالية الموجهة إليه أن يقتحم العقبة إلى ربه سبحانه الكريم الوهاب)[3].

وسعادة معنوية: أو (سعادة السماع التي ترتفع بالإنسان إلى الأعلى)، وهي التي تمنحها قيم الإيمان والذكر والتراحم بين العباد، وسعي بعضهم في سعادة البعض الآخر تجسيدا لمفهوم الجسد الذي لا يصح صحة عامة إلا بصحة سائر أطرافه وأجزائه، وصحة ظاهره وباطنه، إذ ليس الإسلام مفتاحا ماديا زائدا يبشر بتنمية أسْرَعَ، وبمستوى معيشة أرفع، وبمرافق للاستمتاع والاسترواح أوسع. بل الإسلام، في عنايته القصوى بالجانب الحسي إذ جعل الزكاة ركنا رَكينا، إنما مهد بتوطئة الدنيا لساكنيها طريق الآخرة، وإنما دعا إلى البر والإحسان والتراحم ليكسب العباد بإسعاد بعضهم بعضا في الدنيا سعادة الأبد، وندد بالظلم والترف والاستكبار في الأرض، لأن الظلم ونتائجه عوائق مانعة تصُد بهمومها ومتاعبها الأرضية الناس عن طلب ما عند الله وعن التجرد لله، وندد بالفقر والقلة والذلة والمسكنة لأنها جميعا أضداد لشرف الاستخلاف في الأرض وإعمارها، ومن ثم أضدادٌ لكمال إيمان المؤمن وإحسان المحسن)[4].

المنهاج النبوي) منهاج رحمة يستهدف تحقيق السعادة بمعناها المطلق والأبدي، بمعناها الذي يمكن الإنسان من أن يعرف خالقه ويكون على الصراط المستقيم الذي سبقت إلى خطه الرسالات وإلى رسمه النبوات، صراط “الذين أنعم الله عليهم”(النساء:69)، هذه السعادة ليست إلا سعادة ذلكم الإنسان الذي له حضوره الفاعل في الدنيا دفاعا عن قيم العدل وتجسيدا لها، من غير أن يفقد منزلته هناك في الآخرة بعد عبور جهادي نفسي من طريق سلوك الإحسان، فالله عز وجل “إنما يبعث رسله عليهم السلام لشأن عظيم، لشأن أخرويٍّ أبديٍّ. بعثهم لهداية الخلق إلى طريق مستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. وهو صراط السعادة الأبدية. “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين(الأنبياء:107)”[5].

ومن نماذج السعادة المعنوية نوع جماعي يتحدث فيه الأستاذ ياسين عن السعادة الأسرية)، التي يتطلع فيها أفراد المجتمع الإسلامي -كما هو الشأن في سائر المجتمعات السوية- إلى الاستقرار، وهو يعتبر أن المرأة هي محور هذا الاستقرار حين تتخذ القرآن دليلها. ففي سورة الفرقان يعرض الله عز وجل صفات المسلم -رجلا كان أو امرأة- النموذجي، ويلخصها في إحدى عشرة خصلة تُتَوَّجُ بالسعادة الأسرية والاجتماعية: “وعباد الرحمن..(الآية).تلك هي قيمة السعادة الأسرية في الإسلام، وذلك هو دور المرأة المسلمة: أن تكون محور هذه السعادة.معنى هذا أن “ربة البيت” النموذجية هذه هي نقيض المخلوقة التافهة المقهورة التي تزخر بها مجتمعاتنا المبتلاة بالأمية، المثقلة بالتقاليد الذكورية الجائرة. فكما أن شرع الله انتشل مِنْ قَبْلُ المرأة العربية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم من غياهب القهر والمعاناة، أصبح من العاجل اليوم أن نستنقذ المرأة المسلمة المعاصرة -التي فاقت أختها الجاهلية سقوطا- من براثن الظلم والإهمال. فعصرنا يكاد يكون أقل رأفة بالمرأة من العصر الذي كان فيه الأب المتوحش يواري وليدته التراب !)[6].

[1] – ياسين، عبد السلام. سنة الله،م,س، ص47.

[2] – ياسين، عبد السلام. الإحسان، الدار البيضاء: مطبوعات الأفق، ط1، 1998،1/514-515.

[3] – ياسين، عبد السلام. إمامة الأمة،م.س، ص100.

[4] – ياسين، عبد السلام. الإحسان، م.س،1/514-515.

[5] – ياسين، عبد السلام. العدل،م.س، ص77.

[6] – ياسين، عبد السلام. الإسلام والحداثة، وجدة: مطبوعات الهلال ط1، 2000، ص 198.