معالم التغيير في قضية المرأة

Cover Image for معالم التغيير في قضية المرأة
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

مدخل

عرفت وضعية المرأة انحطاطا بالتبع لوضعية المسلمين عامة بعد الانكسار التاريخي، فتحولت من مكانة عالية بوأها إياها شرع الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إلى دمية مكدودة وكم مهمل وسلعة تباع وتشترى إما في سوق النخاسة وقصور الأمراء الذين حاذوا بالإمارة عن منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في سوق الإشهار.. ولئن كانت بعض مظاهر الإهانة والتقهقر قد انقضت، لكن المرأة بقيت تعاني من نفس الوضعية مع اختلاف المظاهر؛ تابعة يفعل بها ولا تفعل، قابعة في غياهب الأمية والجهل والفقر والتهميش والتسلط .. انحطاط لابد أن يظهر أثره في المجتمع، فلا رجاء يرجى من تغيير مجتمعي لا تحظى فيه المرأة بالمكانة اللائقة. فأي تغيير نريد؟ وعلى أي أساس؟ وما موقع المرأة في هذا المشروع؟

1- المرأة ومشروع التغيير

إن الواقع المهين للمرأة اليوم ووضعها المزري، جعلها تعيش في محنة حقيقية، ساهم في تكريسها الانكسار التاريخي والفقه المنحبس وكيد وتآمر أعداء الإسلام. ولن يتم تجاوز هذه المآسي إلا بوعي المرأة بوضعها وبحقوقها، وشحذ همتها لكي تقوم بنفسها لمهمة التغيير المنشود؛ تغيير ما بالنفس، وتغيير ما بالأمة.

الأسس العامة للتغيير

يقوم التغيير الثوري على تغيير بنيات المجتمع، وبناء اقتصاده، وإصلاح نظامه السياسي، رافعا شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم لا شيء بعد ذلك، لا حديث عن الإنسان ولا عن معناه وغاية وجوده، لا حديث عن موته وبعثه وحسابه.

أما التغيير الإسلامي والقومة الإسلامية المرجوة فتتعدى غاية تغيير بنى المجتمع وتنشيط الاقتصاد والجد في العمل المنتج وتطوير الصناعة والابتكار.

“لا تتنكب دولةُ القرآن ضرورات الابتكار، والتصنيع، والتنمية الاقتصادية، ومنافسة بضائع الآخرين، وأسلحتهم، وتنظيماتهم المالية، والإدارية، والعسكرية. ولا تتنكب مهمات تغيير البُنَى الفاسدة، وتركيب جهاز الدولة تركيبا يساعد على الفعالية والجدوى، ويساعد عل توحيد الأمة، وجمعِها، وتحصينها من القلق والاضطراب. بل تهدف دولة القرآن إلى كل ذلك التغيير، وتعتبره واجبا من آكد واجباتها. لكن الدعوة إلى الله، وإنقاذ الإنسان من ظلام الكفر، وقتامة النفاق، وقذارة معصية الله، وغبش الغفلة عنه، المؤدية إلى بؤس الدنيا وعذاب الآخرة، هي الهدفُ الأسمَى، ومحورُ الحركة، ومحطُّ الطموح” [1].

إن التغلغل في السواد الأعظم للمجتمع لاستعادة ثقته يقتضي سلوك مدارج التغيير، وتطهير الأنفس مما علق بها من مخلفات الماضي. لأن اكتساب ثقة الناس الذين عانوا كثيرا، وما يزالون، من ظلم الحكام، ونفاقهم، واحتقارهم.. يتطلب صبرا ومصابرة، رحمة وحكمة، تدرجا وتربية.. حتى تصغي الآذان وتتفتح القلوب.

أسس التغيير في قضية المرأة

يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: 11].

جاء في القرآن الكريم أن تغيير أحوال الأمةى يقترن بتغيير ما بالنفس. فالمرأة إذا أرادت تغيير واقعها لابد لها من تغيير ما بنفسها أولا. وعندما يتغير موقفها من نفسها، فتتغير علاقتها بربها؛ تطلب رضاه وترجو الارتقاء في مراتب الدين من إسلام إلى إيمان إلى إحسان، يتغير تبعا لذلك تصورها لما ينبغي أن يكون عليه مجتمعها وتعمل على توطين ذلك بما أوتيت من وسائل وقدرات؛ فيتغير ما به من رذيلة وظلم اجتماعي واستبداد سياسي وخمول فكري وتبعية.

إن أحوج ما تحتاج إليه المرأة في طريقها التغييري، المواظبة على طلب كمالها القلبي، تتعلم مراتب دينها، فتصلح تلك المضغة وتحرص على صفائها حتى تشع على جوارحها فيحُسُن خُلقُها وتصبح بلسما شافيا، تُبشر ولا تنفر، تحتضن وتعالج أمراض المجتمع. ولن يتم الأمر ويكتمل إلا إذا كان عن علم وحكمة، علم خطوة وليس علم خطبة، وذلك بالسير على خطى الجيل الأول من المؤمنات الصادقات، أمثال خديجة أم المؤمنين وسمية أول شهيدة في الإسلام وسيدتنا عائشة العالمة وغيرهن كثير. نساء بهن نهض الإسلام، منهن من اقتحما العقبات لم تنتظر الرجل أن يسحبها. كذلك أنت اليوم أيتها المرأة؛ تهاجرين إلى الله ورسوله، فتتسلحين بالإيمان والأخلاق والعلم والمعية مع صحبة صادقة صالحة عاملة، فتهون التحديات وتقتحم عقبات الجهاد.

كمالات أربع لا مفر لك من تحقيقها؛ الكمال القلبي والخُلقي والعلمي والوظيفي.

“القومة وما تبنيه من دولة خلافية قومة لله قبل أي اعتبار، وقيام العبد لربه، يتعلم دينه وسنته، ويعبده لا يشرك به شيئا ليفوز في الآخرة هو الغاية. كل جهد تبذله الجماعة لإقرار الأمن في الأرض وتدبير شؤون الدنيا وكفاية المعاش لا معنى له في سلم القيم الإسلامية إن لم تكن الدعوة إلى الله هي قبلة الدولة” [2].

2- التغيير سلسلة متصلة الحلقات

قضية المرأة لا تحل إلا في إطار حل شامل؛ تغيير شامل مرتبط الحلقات متماسك اللبنات، مبني على أساس متين مشدود الأركان. وأول لبنة فيه تبدأ من داخل الأسرة، تلك القلعة الصغيرة التي تديرها المرأة، حتى إذا تجاوزت عقبة تحصينها وحمايتها انطلقت نحو خوض معركة النهوض بوضعية أختها المظلومة، بل النهوض بالأمة جمعاء.

الأسرة أول لبنة في التغيير

بعد أن تطمئن المرأة إلى أن الشريعة السمحة لا تغمطها من حقوقها شيئا، فإنها تقوم إلى جانب زوجها بمسؤولية التربية والتعليم والدعوة إلى الله، بدءا بأبنائها؛ لأن صلاحهم لن يكون إلا بتمسكهم بالإسلام الصحيح، بقيمه وعقيدته السليمة، ليقيموا عليه كل أمور حياتهم سواء كانت في الاجتماع أو السياسة أو الاقتصاد.

فأساس بناء المجتمع المسلم هو الأسرة المسلمة، ومحضن هذه الأسرة هو البيت، وعماد هذا البيت زوجة صالحة وزوج صالح، فالحياة بقسوتها وبلائها يخفف وطأتها تعاون الزوجين المؤمنين على اقتحام العقبات؛ بالعدل والإحسان والبر والتسامح والمودة والرحمة..

“إن الله تعالى أمر بالعدل والإحسان. فالذي كان يمسك البيت النموذجي والزوجين الفاضلين والمجتمع الأول ضوابط العدل والحقوق المؤداة، ثم الإحسان بهذا المعنى الأول للإحسان. قَلع المؤمنات والمؤمنين الإيمانُ والتطلعُ إلى مقامات الإحسان من أرض المشاحّة والمخاصمة على الحقوق. توَّج الإحسانُ العدلَ وتخلّله وسكن بين ضلوعه. فالمرأة الزوج تصبر عن بعض حقها إحسانا واحتسابا، والزوج الرجل يجتهِد ليوفيها حقها ويزيد خوفا من الله ورجاء في مثوبته وقربه” [3].

هذه المعاني الإحسانية لابد للمرأة أن تعيها وتحرص أن يتعلمها الزوج الرجل، إن كان يجهلها أو يتجاهلها، بلطف ومحبة وحكمة، حتى لا يختل البناء وينعكس ذلك على الأبناء.

لأن كمال المرأة الوظيفي وكمال الرجل تظهر ثماره في تربية أبنائهما، حرصا على أن لا يفسد العمل فيكون الأبناء غثاء كغثاء السيل.

فجهاد المرأة أن تصنع غدا أفضل، وتربي جيلا صالحا قويا، على علم ودراية بدنياه وآخرته؛ لا يهين المرأة، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يترفع عن الظلم، ويتسم بالمواصفات التالية: حب الله ورسوله، الصدق، الانتصار للمستضعفين في الأرض، العلم والاجتهاد في الدين، القدرة على الإنتاج وتطوير الأمة. وسنام كل هذا الجهاد في سبيل الله، وتبليغ رسالته إلى العالمين.

إن تنشئة وتربية مثل هذا النموذج هو لب التغيير ومطلبه، فمنه تبدأ القومة. وللمرأة في فقهه الصدارة والمرتبة الأولى.

دور المرأة في التغيير المجتمعي

أول ما تنطلق القومة من داخل ذلك البيت الصغير، المتشبع بالتعاليم الإسلامية، ثم تنتقل بها المرأة إلى بيوت مما يليها من بنات جنسها الأميات القاعدات تعلمهن:

1ـ أن رسالة القرآن إليهن أن ينتبهن إلى مصيرهن، ويقبلن على أنفسهن يغيرن ما بها لتقبل على ربها. لأن كل تغيير في السياسة والاقتصاد والأخلاق إنما هو تبع لهذا التغيير الجوهري للإنسان.

2- أن الشريعة كفلت لهن الكرامة، وحق التصرف في الأموال، والكسب.. هن شقائق الرجال في الأحكام، وما زاد أو نقص فإنما هو توزيع عمل وتخصص.

3- أن ما تعانيه المرأة اليوم يستوجب منهن اقتحام عقبات: ثقل العادات والماضي، وصد عدوان مقاومي التغيير، وانتزاع الحقوق من تعسف الرجل، واقتحام عقبات التقدم في العلم والاجتهاد في الدين.

4- العدل بين الأبناء، فالطفل الذكر له أدوار ومهام داخل البيت، كما لأخته الطفلة الأنثى. ويجب أن تبنى العلاقة بينهما على الاحترام والتقدير المتبادل، حتى إذا شبا وترعرعا نمت معهما بذرة أن لكل منهما اختصاصات كلفه بها الشرع وراعى فيها التكامل. فالرجل له القوامة وتقابلها الحافظيه للمرأة. وأن يتعلما أن ديننا دين عدل ومساواة أمام الله، وكل من يخالف العدل يجب جهاده.

ومع هذا كله استجابة لداعي نصرة المستضعفات والمستضعفين في كل المجالات، حسبما يتيح لها موقعها وقدرتها، تستقبلها بيقينها الراسخ بموعود الله تعالى، وقلبها المطمئن لفعله سبحانه، وسمتها الدال على تربيتها.

“نعم بكل تأكيد! الإسلام دين جهاد. نعم الإسلام دين مقاتلة المستكبرين. نعم هو دين العدل ونصير المستضعفين. وهو مع هذا كل لا يتجزأ. وسواء في التحريف من يحكم باسم الإسلام حكما ظالما فيعطل العدل، ومن يدعو لعدل تغيب معه معالم الهداية السماوية” [4].

أمران لابد منهما؛ إيمان وحكم بما أنزل الله، تلك محجة بيضاء تركها سيد الخلق، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

خاتمة

خير ما نختم به؛ بشرى أزفها لكل امرأة طموحة تأبى الظلم، أخبرنا بها الرسول صلى الله عليه وسلم “لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء
، ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره. ثم يأتي الله تبارك وتعالى بالعدل، فكلما طلع من العدل شيء ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره”
(رواه الإمام أحمد).

ولتتذكر المرأة أنها كانت وما تزال قائدة التغيير؛ فهي نصف المجتمع والنصف الآخر يتربى في حضنها. هي صاحبة قضية ورسالة، يجب عليها استغلال كل الفرص المتاحة لتغيير ما بها أولا، ولتغيير ما بالأمة ثانيا. شعارها قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (سورة التوبة، الآية 72).


[1] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ط 2018/1، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، ص 79.

[2] عبد السلام ياسين، سنة الله، ط 2005/1، مطبعة الخليج العربي – تطوان، ص 306.

[3] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، ط 2018/1، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، ج 1، ص 186.

[4] عبد السلام ياسين، القرآن والنبوة، ط 2018/1، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، ص 84.