مشروع قانون المالية 2023.. نفس المنهجيات ستؤدي إلى نفس النتائج

Cover Image for مشروع قانون المالية 2023.. نفس المنهجيات ستؤدي إلى نفس النتائج
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

انتقل مشروع قانون المالية لسنة 2023 إلى المرحلة البرلمانية بعرضه أمام مجلسي البرلمان في جلسة عمومية مشتركة يوم الخميس 20 أكتوبر 2022 بعد مصادقة المجلس الوزاري عليه يوم الثلاثاء 18 أكتوبر 2022. فحسب البلاغ الصادر عن هذا المجلس  فإن مشروع قانون المالية لسنة 2023 يعتمد أولويات يمكن تلخيصها في أربعة محاور هي: ترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية، وإنعاش الاقتصاد الوطني من خلال دعم الاستثمار، وتكريس العدالة المجالية، واستعادة الهوامش المالية من أجل ضمان استدامة الإصلاحات.

ولأن قانون المالية يكتسي طابعا خاصا يعبر عن سياسة دولة ما وتحكمه مرجعية معينة. فإنه يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات على مشروع قانون المالية لسنة 2023 كما صادق عليه المجلس الوزاري على مستوى منهجية إعداده وسياقه وأهدافه المعلنة.

1- ملاحظة منهجية في إعداد مشروع قانون المالية بالمغرب

من المفترض أن يعكس الإطار المرجعي لإعداد مشروع قانون المالية الفلسفة الديمقراطية المرتبطة بالتعاقد الانتخابي بين الائتلاف الحزبي والسياسي الفائز  في الانتخابات والمواطنين. لكن هذا الإطار المرجعي في المغرب هو أساسا خطب الملك باعتبارها توجه سياسات الدولة، ويتم ترسيم هذه التوجهات الملكية في إطار  المجلس الوزاري.

إذن إعداد مشاريع قوانين المالية بالمغرب تتم عبر مراحل؛ يعدها وزير المالية ثم تعرض على مجلس الحكومة، ثم تعرض وجوبا على المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك. وحتى البرنامج الحكومي يستمد روحه وفلسفته من التوجيهات الملكية. وهذا يعني منهجيا أن سياسات الدولة مستمدة من توجهات وخطب الملك. وهنا ينبغي التساؤل عن برنامج الأحزاب أثناء التعاقد الانتخابي، ودور الانتخابات، ودور البرنامج الحكومي وعلاقته بالأحزاب المشكلة للائتلاف الحكومي!

2- سياق مشروع قانون المالية

هو سياق يتسم بعدم اليقين على مستوى الاقتصاد العالمي والوطني الذي لم يتعاف بعد من آثار الأزمة الصحية العالمية والحرب الروسية الأوكرانية؛ هذه الظروف المضطربة في العالم نتج عنها ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية والطاقية على مستوى العالم، وارتفاع معدل التضخم، وكذا اضطراب في سلاسل التموين العالمي.

والمغرب، باعتباره بلدا رهينا اقتصاديا بالخارج بالنظر لأننا نستورد جزءًا كبيرا من غذائنا وكل احتياجاتنا من الطاقة، يتأثر بشكل كبير ومباشر بكل ما يقع في العالم. وما دام مشروع قانون المالية هو إطار توقعي للسنة المالية المقبلة، فإنه سيتأثر لا محالة بعدة عناصر تؤثر في اقتصاد المغرب.

ومن أهم هذه العناصر أن اقتصاد المغرب يتأثر كثيرا بطبيعة الموسم الفلاحي في توفير عدد مهم من الحاجيات الغذائية، وقد توقع مشروع قانون مالية سنة 2023 أن يكون محصول السنة الزراعية 75 مليون قنطار. وهذا الارتهان المستمر لأحوال السماء كل سنة يسائل نجاعة المخططات الرامية لتحقيق الأمن الغذائي للمغاربة وتقييمها وتفعيل مبدأ المحاسبة فيها وعلى رأسها مخطط المغرب الأخضر. سعر غاز البوطان يؤثر أيضا على إعداد مشروع قانون المالية، لأن الدولة ما تزال تدعم هذه المادة في إطار صندوق المقاصة، وهذا الغاز يتوقع أن يكون سعره في السوق العالمي 800 دولار للطن.

ومن العناصر أيضا المؤثرة في إعداد مشروع قانون المالية، معدل النمو الذي ينبغي أن يكون كذلك متوقعا لإعطاء إشارة للمستثمرين وللشركاء وللعالم أننا جادون في تحقيق معدل نمو جيد ليكون اقتصادنا أكثر جاذبية. وتوقع مشروع قانون المالية معدل نمو %4 فيه كثير من التفاؤل، لأن المتوقع في نهاية هذه السنة – أي سنة 2022 – أن نصل إلى معدل نمو لا يزيد عن %1.5. عجز الميزانية هو أيضا من العناصر التي توقعها قانون المالية %4.5، وهو أيضا معدل فيه مبالغة في ظل الوضعية الحالية.

3- أهداف مشروع قانون المالية

دُبِّج مشروع قانون المالية بهدف أساسي هو إرساء مشروع الدولة الاجتماعية، في إشارة إلى ورش التغطية الاجتماعية باعتباره ورشا ملكيا ولا علاقة له بالحكومة الحالية ولا الحكومات المقبلة. وما دام أن هذا الورش ارتكز على هدف التعميم فهذا يعني أن له كلفة، وهذا ما سيصعّب من إمكانية الالتزام به بالنظر لمعضلة التمويل وحكامة الاستدامة المالية لهذا النظام، لأنه ورش لم يأخذ حظه من الدراسة القبلية لضمان نجاعته وفرص نجاحه. ونحن نرى دولا كبرى بأنظمة اجتماعية متطورة وما تعانيه اليوم من جراء هذا السياق العالمي الحالي.  فهل سينجح ورشٌ هذه منهجية إعداده؟  بل على العكس ستكون له تداعيات سلبية على الطبقة المتوسطة لأن كلفة المشروع تتجاوز 50 مليار درهم، ونصف هذه الكلفة سيمولها المنخرطون الذين من المفروض أن يستفيدوا من هذا الورش لا أن ينفقوا عليه.

ومن مجالات إرساء أسس هذه الدولة الاجتماعية؛ حماية القدرة الشرائية للمواطنين عن طريق دعم أسعار  بعض المواد الأساسية مثل غاز البوطان والقمح وتصدير المضاربات. فكيف يعقل أن تترك الدولة مجالا حيويا مثل سوق المحروقات الذي يشهد مضاربات كبيرة دون أن تحرك ساكنا؟ وهل حماية القدرة الشرائية للمواطنين مجرد شعار يرفع؟

والمجال الثالث من مجالات إرساء الدولة الاجتماعية؛ دعم السكن عن طريق الدعم المباشر، وهذه أول مرة تنحو فيه الدولة منحى الدعم المباشر للسكن، وهذا في حد ذاته مؤشر دال على فشل برامج الدولة لمواجهة العجز في السكن.

الهدف المحوري الثاني الذي دُبِّج به مشروع قانون المالية هو دعم الاستثمار عبر آليات مضمنة في المشروع بمثابة ميثاق جديد للاستثمار. والاستثمار يحيل إلى النمو وإلى تنمية البلاد لأن أساس التقدم والتنمية هو الاستثمار. لكن هذا الاستثمار لكي يدعم ويقوى لا بد له من بيئة مناسبة ومناخ ملائم. فكيف هو مناخ الاستثمار بالمغرب؟

لا تزال مؤسسات دولية تشير إلى أكثر المعضلات التي تعيق نجاعة الاستثمار بالمغرب وهي الفساد الإداري. وهذا ما معناه أنه مهما حاولنا أن ندعم الاستثمار دون أن نوفر له بيئة سليمة ومحتضنة وجاذبة ولا تطبع مع الفساد فسيبقى الوضع على ما هو عليه.

والاستثمار ليس هو فقط كم نستثمر؟ بل كيف ينعكس على المستويين الاقتصادي والاجتماعي؟ أي أننا نتحدث عن نجاعة الاستثمار، وإلا سيكون مجرد ضياع للمال العام. مما يعني أن الاستثمار  عندنا يشكو من أمرين أساسين؛ أولا يشكو من ضعف الإنجاز، وثانيا: ضعف النجاعة، إذ نقوم باستثمارات ضخمة ونرصد لها أموالا لكن تأثيرها الاقتصادي وتأثيرها الاجتماعي ضعيفين.

الهدف الثالث في مشروع قانون المالية هو الإصلاح الضريبي عن طريق تفعيل مقتضيات القانون-الإطار المتعلق بالإصلاح الضريبي؛ إذ ستضاف ضرائب جديدة من قبيل الضريبة الداخلية على الاستهلاك، على المنتوجات المحتوية على السكر، والتوجه نحو أسعار موحدة بالنسبة للضريبة على الشركات في غضون الأربع سنوات المقبلة. ثم الإبقاء على  الضريبة على القيمة المضافة في مستوياتها، بل هناك إجراء يهدف إلى توحيد ورفع سعر الضريبة على القيمة المضافة من %10 إلى %20 بالنسبة لبعض المهن الحرة مثل المحامين والتراجمة والعدول… أكثر من هذا هناك إجراء جديد يخص المحامين والشركات المدنية المهنية للمحاماة؛ تم التنصيص على أداء تسبيق برسم الضريبة على الدخل بالنسبة للمحامين والضريبة على الشركات بالنسبة للشركات المدنية الأهلية للمحاماة.

وفي سياق ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين، وعكس ما كان ينتظر من الحكومة من تخفيض هذه الضريبة، يتضح أن الدولة ماضية في نقض شعاراتها بعضها ببعض، فكيف يستقيم ورش الدولة الاجتماعية بمثل هذه الإجراءات الضريبية التي تسعى إلى حل إشكالات الدولة من جيوب المواطنين حصرا؟

4- ملاحظات متعلقة بميزانية الدولة

يمكن تسجيل جملة من الملاحظات على بنية ميزانية الدولة، ومنها:

أ‌- يلاحظ ارتفاع الموارد المتأتية من الاقتراض الخارجي لتمويل الميزانية على مستوى المداخيل! إذ ارتفعت من 40 مليار إلى 60 مليار درهم؛ أي بزيادة %50. وهذا يؤكد مضي الحكومة إسوة بالحكومتين اللتين سبقتاها في رفع الدين عموما والخارجي بالخصوص. هذا بغض النظر عن ديون المؤسسات العمومية والمقاولات العمومية، ودين الجماعات الترابية. وهذا ما يؤكد المدى الذي وصلته تبعية اقتصادنا ككل خاصة القطاع العمومي للمانحين الدوليين.

ب‌- الملاحظة الثانية هي أن بنية ميزانية الدولة لم تتغير على مستوى النفقات؛ إذ نجد نفقات التسيير هي الموظفين والعتاد (%67) وهذا يعني أكثر من ثلثي النفقات، وهذه وضعية غير سليمة البتة، مع استحضار أن الأجور عندنا ليست بخير رغم هذه النسبة الكبيرة. أما نفقات الاستثمار فحوالي ربع الميزانية، ثم فوائد وعمولات الدين (7.5) بغض النظر عن أصل الدين.

5- خلاصة

المنهجيات نفسها والسياق نفسه يحكمان إعداد مشروع قانون المالية بالمغرب، وهي الأهداف نفسها ينقض بعضها بعضا، ومن المتوقع أن تعطي النتائج نفسها ليستمر الخلل في مكانه هو هو. فالخلل هو أن مشروع قانون المالية، يفترض أن يكون دستورا ماليا تعاقد عليه المنتخب مع المواطن في العملية الانتخابية، إذ من خلاله يترجم وعوده الانتخابية إلى سياسات عمومية وفق دراسات عميقة لخبراء مختصين ليكون مفعولها منعكسا على ظروف عيش المواطن ليجدد للمنتخب ولايات أخرى محددة. وهذه هي الديمقراطية في أبسط تعريفاتها. هذا هو المفترض لكن في المغرب البرامج الانتخابية لها أدوار أخرى غير تلك، وتنتهي صلاحيتها مباشرة بعد انتهاء المواسم الانتخابية.