في عصمة الأنبياء قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته

Cover Image for في عصمة الأنبياء قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته
نشر بتاريخ

من كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ ، للقاضي عياض، ج2، ص ٩٧-١٠٢. الطبعة الثالثة: 1461هـ – 2001م.

القسم الثالث/الْبَاب الأول/فصل: في عصمة الأنبياء قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شيء من ذلك

وَأَمَّا عِصْمتهم من هَذَا الْفَنّ قَبْل النُّبُوَّة فَلِلنَّاس فِيه خِلَاف؛ وَالصَّوَاب أَنَّهُم مَعْصُومُون قَبْل النُّبُوَّة مِن الْجَهْل بِالله وَصِفَاتِه وَالتَّشَكُك في شيء من ذَلِك.

وَقَد تَعَاضَدَت الْأَخْبَار وَالآثَار عَن الْأَنْبِيَاء بِتَنْزِيهِهِم عن هذه النقيصة مُنْذ وُلِدُوا، وَنَشْأتِهِم عَلَى التَّوحْيد وَالْإِيمَان، بَل عَلَى إشْرَاق أنوار المعارف، ونفحات أَلْطَاف السَّعَادَة، كَمَا نبهنا عليه في الباب الثَّانِي مِن القِسِم الأَوَّل من كِتَابِنَا هَذَا.

وَلَم يَنْقُل أحَد من أهل الأخبار أن أحدا نُبّئ وَاصْطُفِي مِمَّن عُرِف بِكُفْر وَإشْرَاك قَبْل ذَلِك. وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْبَاب النَّقْل؛ وَقَد اسْتَدَلّ بَعْضُهُم بأن الْقُلُوب تَنْفِر عَمَّن كَانَت هَذِه سَبِيلُه.

وَأَنَا أقُول إن قُرَيْشًا قَد رَمَت نَبِيَّنا بِكُلّ مَا افترته، وعيّر كُفّار الْأُمَم أنْبِيَاءَهَا بِكُلّ مَا أمْكَنَهَا وَاخْتَلَقَتْه، مِمَّا نَصّ اللَّه تَعَالَى عَلَيْه، أَو نَقَلَتْه إلَيْنَا الرُّوَاة، وَلَم نَجِد في شيء من ذلك تعييرا لِوَاحِد مِنْهُم بِرَفْضِه آلِهَتَه، وَتَقْرِيعِه بِذَمَّة بِتَرْك مَا كَان قَد جَامَعُهُم عَلَيْه.

وَلَو كَان هَذَا لَكَانُوا بِذَلِك مُبَادِرِين، وبتَلَونه في معبوده محتجين، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من تَوْبِيخِه بِنَهيهم عَن تَرْكِهِم آلِهَتَهُم، وَمَا كَان يَعْبُد آبَاؤُهُم من قَبْل.

فَفِي إطْبَاقِهِم عَلَى الْإعْرَاض عَنْه دَليل عَلَى أَنَّهُم لَم يَجِدُوا سَبيلًا إليْه؛ إذ لَو كَان لنُقِل، وَمَا سَكَتُوا عَنْه، كَمَا لَم يَسْكُتُوا عِنْد تَحْويل القِبْلة، وقالوا: مَا وَلَّاهُم عَن قِبْلَتِهِم التي كَانُوا عَلَيْهَا (البقرة، 142)، كَمَا حَكَاه اللَّه عَنْهُم.

وَقَد اسْتَدَلّ الْقَاضِي الْقُشَيْرِيّ عَلَى تَنْزِيهِهِم عَن هَذَا بِقَوْلِه تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (الأحزاب، 7).

وبقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ (آل عمران، 81).

قَال: فطَهَّرَه اللَّه فِي الْمِيثَاق.

وَبعِيد أن يَأخُذ مِنْه الْمِيثَاق قَبْل خَلْقِه، ثُمّ يَأْخُذ مِيثَاق النَّبِيّين بالإيمَان بِه ونَصْرِه قَبْل مَولِدِه بِدُهُور، وَيجوِّزُ عَلَيْه الشّرْك أَو غَيْرِه مِن الذنوب. هذا مَا لَا يُجَوّزُه إلا مُلْحِد.

هَذَا مَعْنَى كَلَامِه.

وكيف يَكُون ذَلِك وَقَد أتاه جِبْرِيل عَلَيْه السَّلَام، وَشَقّ قَلْبَه صَغِيرًا، وَاسْتَخْرَج مِنْه عَلَقَة، وَقَال: هَذَا حظ الشيطان مِنْك، ثُمّ غَسَلَه وَمَلأه حِكْمَة وَإيمانًا، كَمَا تَظَاهَرَت بِه أَخْبَار المَبْدأ (1).

(…)


(1) مسلم (162/261) عن أنس. تحفة الأشراف (346).