في العنف المدرسي

Cover Image for في العنف المدرسي
نشر بتاريخ

أتى على المدرسة العمومية حين من الدهر قل فيه التقدير، إجمالا لا تخصيصا، للعملية التربوية التعليمية والقيمين عليها من الجسم التربوي والطاقم الإداري، انتشر العنف المدرسي وحل في الكثير من الأحايين مكان التبجيل والاحترام للذي كاد أن يكون رسولا، فأصبحنا نقف بشكل شبه مطّرد على ممارسات أبعد ما يمكن أن تكون عن الأخلاق والأذواق،  بل هي أقرب أحيانا إلى الجريمة منها إلى الخطإ المعفو عنه.  

تعالت الأصوات منددة  بهذا الواقع المشين، وتوجهت أصابع الاتهام تارة للمتعلمين وأخرى للمدرسين والإداريين، ومن المهتمين من كان أكثر علمية فأدلى بإحصاءات استنادا إلى دراسات ميدانية أجريت، أو إلى تقارير كتبت، أو دعاوى رفعت في المحاكم، أصحابها أطراف العملية التعليمية التعلمية. كيف وصلنا إلى مثل هذا المنحدر؟ وهل من سبل لمحاصرة الداء حتى لا يرقى إلى مستوى الظاهرة المجتمعية فيصير مؤشرا حقيقيا على تدني المستوى التربوي والتعليمي، وعلى الانحطاط الأخلاقي؟

ليس من فضول القول التنصيص على أن التربية تسبق التعليم وتحتضنه، ووعاء لا تربية فيه كيف يتنزل فيه العلم النافع، وإن تنزل فكيف يستفاد منه ويفعّل في تنمية الوطن وخدمة الأمة بإخلاص وتفان، ولعل هذا ما عبر عنه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى حين اشتكى على الرغم من حافظته الوقادة من سوء الحفظ، وخلد ذلك في بيتين هما منارة للأجيال:

شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي           فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي

وَأخبرَنِــــي بأَنَّ العِلْـــــــمَ نُـورٌ            ونورُ الله لا يهــدى لعــــاصي

كما ليس من لغو الحديث التأكيد أن جبهة اللين والرحمة والصرامة الأخوية والحب والاحتضان والصدق في العطاء وتقديم الحوار والقوة والأمانة وإعطاء القدوة الحسنة بالحال قبل المقال مما ينبغي أن يحرص عليه مربو الأجيال حتى لا ينشأ جيل يفتقد إلى المثال ويسهل عليه تجاوز القيم.

يتحدث الواقع المعاين كما الدراسات عن تراجع المدرسة العمومية عن دورها في التربية ونقل القيم، كيف لا وقد أُشغل المدرس بتطبيق مناهج روعي فيها الكم قبل الكيف، وفي بيئة عنوانها الاكتظاظ، فأصبح همه الكبير في الغالب الأعم، الجري في حلبة مصارعة الزمن المدرسي لعله يدرك خط الوصول قبل فوات ركب الامتحانات.  

تراجعت أيضا، وللأسف الشديد، قيم المجتمع فولى زمن كان فيه أولياء المتعلمين عونا للمدرسة في إنجاح مهمتها التربوية التعليمية، بل أصبحوا في الكثير من الأحيان طرفا في النزاع، يزورون المدرسة، إن فعلوا، لا للتواصل مع المدرسين بخصوص مستويات أبنائهم التحصيلية ومجهوداتهم لتحسينها، بل لشن حرب ضروس قد يكون سلاحها العنف الجسدي في دفاع مستميت عن المشاغبين منهم أو المستهترين أخلاقيا أو المتراجعين دراسيا، محملين المسؤولية كاملة  للطاقم التربوي، وأحيانا الإداري الذي لم يحسن اختيار الفصل الدراسي الملائم لأبنائهم.!

إذا غابت التربية على القيم حل الاستهتار بديلا وأضحى الخلق عليلا،  وفتيل الغضب قاب قوسين من الاشتعال خاصة مع ظروف الاكتظاظ ونقص الطاولات وضغط المقررات وبيئة التعلم غير الملائمة حسا ومعنى.

كما أن الأمر قد يعزى إلى تراجع المكانة الاعتبارية التي كان يحتلها المدرس في المجتمع، حتى أصبحت جلسات السمر لا تحلو إلا بالتنقيص من قيمته وجعله موضوعا للتنكيت والمزاح.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتناول العنف المدرسي إلا في إطار النظرة الشمولية لواقع مجتمعاتنا التي لما غاب عنها العدل، ظهرت الأدواء الاجتماعية المتعددة من جريمة وبطالة وأمية، وانتشرت المخدرات خاصة في أوساط المراهقين والمراهقات، مشاكل تؤثر حتما على العلاقات داخل المجتمع وتلقي بظلالها القاتمة على البيئة المدرسية بالتبع، وهذا ما يفسر انتشار العنف في المؤسسات المتموقعة في الأحياء الهامشية أكثر مما سواها.

والذي لا شك فيه أن العنف المدرسي يتصاعد معدله زمن الامتحانات خاصة الإشهادية منها، إذ في ظل انشغال الكثير من المتعلمين عن مسؤوليات التمدرس وإبحارهم غير المقنن في مواقع التواصل وغيرها من الملهيات، أصبح الغش في نظرهم حقا مكتسبا والنجاح هدفا مأمولا وجب إدراكه بأي ثمن. وبوضع المدرسين في فوهة مدفع المواجهة، يجدون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إغماض الطرف عن تلك الممارسات والحرص على عدم الدخول في مواجهات مباشرة مع الممتحنين، أو أداء واجب المراقبة بكل تفان ومسؤولية فتكون النتيجة في الغالب ملاسنات وسباب وشتائم يتعرضون لها أو رميهم بالحجارة  أو تكسير سياراتهم أو تدمير معدات الأقسام وما إلى ذلك من مظاهر العنف.

نضيف إلى هذه المعطيات أن ضعف التواصل أحيانا بين المتعلمين وأوليائهم  والمدرسين والإداريين يحدث هوة كبيرة يملؤها العنف والإكراه والسلطوية والتحكم.

آن الأوان أن تدق بقوة أجراس الإنذار إن بقي من أمل لمعالجة هذا الواقع لإنقاذ المدرسة وتجويد العلاقات فيها، ولا يمكن لهذا الخطر أن يرفع إلا في إطار حل شامل يبدأ من معالجة ظروف العمل وتجويدها وتحسين مستوى المدرسة شكلا ومضمونا حتى يستشعر المتعلم أنها ملاذه الآمن الذي يأوي إليه وأمه الثانية التي يحتمي في أحضانها، ومدرسته الحلوة التي يتربى في جنباتها، وأن معلمه وحارسه ومدير مؤسسته… هم أسرته الثانية التي يفخر بها، وانتهاء بإحقاق العدل المجتمعي الذي به يستشعر الناس، كل الناس، على اختلاف مشاربهم، وتنوع بيئاتهم، وتباين مستوياتهم، أنهم جسد واحد ينعم بالأمن والاستقرار ولا يحتاج تحت سلطة القهر والتحكم وضياع الحقوق إلى ممارسة العنف للدفاع عن حقوقه أو إثبات وجوده.

إن استصدار المذكرات لن يكون وحده كافيا لتغيير هذا الواقع المشين، بل إن تظافر الجهود وإعادة الاعتبار لوظيفة التعليم ولمربي الأجيال، حاملي لواء العلم ورسالة الأنبياء عليهم السلام لا المنتظرين بشغف حوالة نهاية الشهر من شأنه تغيير الوضع إلى أحسن حال.