فلسطين.. حقنا العائد يقينا

Cover Image for فلسطين.. حقنا العائد يقينا
نشر بتاريخ

مرحباً! 

أنا اسمي يقين، وأعيش هنا في رحاب اللامكان، عالقة في الطريق، المنتصف، بين وطنين. أعيش على وقع ذكريات حكاها لي كل من جدي وأبي؛ عن بيتنا الجميل وحقلنا البهي، وحياتنا التي كانت ستكون جميلة جداً لولا..

لم أرَ قريتي يوماً، لكن عبق طيب ذكراها هو ما يبعث الدفء في أرجاء بيتنا المصنوع من القصدير.

كان جدي، الذي ولد قبل النكبة باثني عشر عاماً، يروي لنا عن حقلنا الذي كان مليئا بأشجار الزيتون والليمون والرمان، وأراضينا التي تشهد كل حبة تراب فيها على ذكرياته هناك، وبيتنا الدافئ الذي تمتلئ زواياه بالحب والأحلام.. يحكي والدموع تنساب من عينيه؛ كيف هُجّر أهالي فلسطين قسراً من أراضينا، كيف شن جيش الكيان المحتل حملات تقتيل وتشريد ضد شعب أعزل، يذبحون ويهدمون وينهبون، ويطردون أصحاب الحق والأرض!

يسترسل جدي في حكاياته بحرقة، مؤكدا أن العدو المحتل انتشر بعد النكبة، عام ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف (1948)، كالسرطان في الأراضي الفلسطينية، سلب منا الأرض والتاريخ والهوية، وأسس دولة وهمية على أشلاء الضحايا ودماء ملايين الشهداء. أرامل وثكلى، يتامى وأسرى، شهداء ولاجئون.. ذنبهم الوحيد أنهم أصحاب الأرض!

 ثم يكمل جدي الحكايةَ وهو يغالب الدموع، يتنهد تنهيدة تخر لها الجبال، والغصةُ في حلقه تأبى أن تزول، يقول جملته التي ما يفتأ يعيدها في كل مرة: “إنّ ما قام به العدو الصهيوني متوحش ومؤلم وظالم، لكن طعنة إخوتنا في العروبة والإسلام أكثر إيلاماً وغدراً وقهراً”.

حتما كان يقصد تطبيع حكام العرب علاقاتِهم مع المحتل الصهيوني الغاصب، ابتداءً بتوقيع مصر معاهدة كامب ديفيد عام تسعة وسبعين وتسعمائة وألف (1979)، مروراً بمعاهدة أوسلو بين العدو المحتل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام ثلاثة وتسعين وتسعمائة وألف (1993)، ووصولاً إلى معاهدة وادي عربة في الأردن عام أربعة وتسعين وتسعمائة وألف (1994).

توفي جدي سنة خمس وألفين للميلاد (2005)، ولم يشهد توالي الطعنات على ظهورنا؛ دولة عربية تلو الأخرى تهرول للانضمام لقافلة التطبيع الخانعة الذليلة، يعترفون اعترافاً صريحاً بدولة “إسرائيل” التي بُنيت على أنهار دماء إخوتهم! ويسلمونهم مشروعية العيش على أرض أخذوها بقوة السلاح!

يا للخزي والعار! وبينما يستنجدنا أقصانا الشريف ويستصرخنا لنضمد جراحه ونوقف نزيفه، ينهال عليه حكام العرب بسياط التطبيع ليزيد الجرح عمقاً وتورماً..

عزاؤنا الوحيد هنا في مخيمات اللجوء، هو أنه رغم أن الحكومات تخنع وتخذل وتساوم، إلا أن الشعوب الحرة ترفض وتشجب وتقاوم! وترفع أصواتها في كل مرة معلنةً أن الحكاية لم تنته بعد. ومهما زور المغتصب التاريخ وغير الخريطة، فنحن نحمل فلسطين في قلوبنا، ونحفر تاريخها في ذاكرتنا.

ومهما طبع الحكام وتواطأوا وباعوا، فالشعوب حية لن تنسى ولن تتخلى ولن تضع أيديها في أيادي الصهاينة الملطخة بالدماء!

سماني جدي “يقين”، وأخبرني أننا سنعود يقيناً إلى أراضينا، وأنها ستتطهر من دنس الصهاينة لا محالة، هذا وعد الله ولن يخلفه أبداً، أما المطبعون فحسبنا فيهم قول الله تعالى: وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم.