غلاء الأسعار: حالة استثنائية عابرة أم وضع مقيم سيتفاقم؟

Cover Image for غلاء الأسعار: حالة استثنائية عابرة أم وضع مقيم سيتفاقم؟
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

انطلقت حملة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي تعبيرا عن الرفض الكبير لـ “تسونامي” غلاء الأسعار الذي اجتاح السوق المغربية، حيث تفاعل رواد هذه المنصات بعدد من الرسوم الكاريكاتورية والتدوينات الساخرة، دون أي تعويل على التبريرات التي يسوقها المسؤولون الحكوميون في خرجاتهم لبث طمأنينة وهمية أو شرح تفاصيل الوضع الحالي وتداعياته، بسبب غياب الثقة في تصريحات تشوبها كثير من المغالطات والأكاذيب.

فالارتفاع المتوالي للأسعار، الذي أخذ منحى تصاعديا منذ شهر دجنبر من سنة 2020، شمل العديد من المواد وعلى رأسها المواد الأساسية المرتبطة بالمعيش اليومي، وعرف هذا المنحى عدة موجة، فموجة تتلو موجة، ثم لا يلبث الناس أن ينسوا أو يتناسوا زيادة معينة، حتى تعود الموجة مجددا إلى الارتفاع. لكن موجة الغلاء مؤخرا تسارعت بشكل كبير جدا وشامل حيث انتقلت الزيادات من درهم أو أقل في المادة الواحدة وعبر دفعات، إلى أكثر من 10 دراهم أو 20 درهم في المادة الواحدة ودفعة واحدة.

المقلق في كل هذا أن أسعار أغلب المواد الاستهلاكية الأساسية حين ترتفع لا تعاود التراجع أو النقصان، وارتباط كل هذا بضعف القدرة الشرائية لأغلبية الشعب المرتبطة بارتفاع البطالة، وضعف الأجور، بالإضافة إلى تأخر التساقطات المطرية والجفاف وتقلبات السوق الدولية، زد على كل هذا مخلفات الجائحة، ينبئ أن المستقبل القريب يحمل في طياته مزيدا من التأزم في وضعية الفئات الهشة من المجتمع.

ولكن ما هي بالفعل عوامل وأسباب هذا الغلاء، وهل هو مرتبط بالسوق الدولية فقط أم بالجفاف أم أنه له دواعي أخرى؟ ولماذا يجب فعلا على المغاربة أن يغضبوا جراء هذه الزيادات الصاروخية التي لا يعرف إلى أي مدى يمكن أن تصل إليه؟

موجة الغلاء

ازدياد الأثمنة لا تخطئه العين، فالزيادات تراوحت ما بين 2 دراهم و25 درهم في عدة مواد أساسية تشكل عمود المطبخ المغربي، تأتي في مقدمتها المواد الغذائية، خاصة زيوت المائدة والزيوت النباتية، ثم الدقيق والخضراوات.

فزيت المائدة لا زال يعرف زيادات متتالية، حيث شهد ارتفاع ثمنه في اللتر الواحد بـ 4 دراهم، وفي خمسة لترات ارتفع بـ 25 درهماً! والدقيق عرف زيادة قدرها 15 درهم للخمسة كيلوغرامات، أما الكسكس بأنواعه فعرف زيادة تتراوح بين الدرهم والثلاثة دراهم، وزيت الزيتون انتقل ثمن اللتر الواحد من 47 درهم إلى 50 درهم.

فيما انتقل ثمن العدس من 10 دراهم للكيلوغرام الواحد إلى 15 درهما، والحمص كذلك من 12 إلى 16 درهم، والفاصوليا من 15 دراهم إلى 17 درهم للكيلوغرام الواحد، والبيصارة أيضا من 10 إلى 13 درهم.

الرعاة أو الكسابة كذلك اكتووا بالزيادات الكبيرة التي عرفتها أثمنة المواد العلفية والفلاحية، فالنخالة التي كان ثمنها يتراوح بين 80 و85 درهم، أصبحت الآن بـ 130 درهم، والشمندر الذي كان بـ 120 درهم وصل الآن إلى 200 درهم، والشعير الذي كان بـ 230 درهم للقنطار، وصل الآن إلى 450 درهم. وأيضا ارتفع ثمن بالة الفصة التي كانت بـ 35 درهم وقفزت إلى 65 درهم، وبالة التبن كانت بـ 11 درهم ارتفعت الآن إلى 35 درهم.

التفاعل الحكومي: تبريرات وبرنامج استعجالي!

أرجعت الحكومة أسباب ارتفاع الأسعار بالمغرب إلى السياق الدولي “الصعب”، معتبرة أن هذا الارتفاع مرده أساسا ارتفاع أثمنة المواد الأولية على الصعيد العالمي. وبدل تعزيز حق المواطن في حماية قدرته الشرائية تذرعت حكومة “الغالب الله” بالوضع الدولي، وقدمت عددا من الأرقام والمعطيات التي اعتبرها جزءا معتبرا من المهام التي قامت بها للتصدي لهذه الموجة.

ويرى كثير من المراقبين بأن الأزمة العالمية كلام مستهلك، ولا تنطلي إلا على من له ذاكرة السمك، ففي سنة 2016 عندما انهارت أسعار البترول ووصلت إلى ما دون الـ 25 دولار للبرميل بقي سعر اللتر من البنزين في المغرب على حاله. بالإضافة إلى أن تحرير أسعار المحروقات من طرف الدولة ساهم بشكل كبير في عدم التحكم في الأسعار، وهو ما يجعل المغاربة وجها لوجه أمام جشع أباطرة المحروقات.

لكن، وبعد التصريحات المتذبذة للحكومة، استدركت الحكومة وأطلقت برنامجا استعجاليا للتخفيف من آثار الجفاف، حيث أوضح بلاغ لرئاسة الحكومة، أن هذا البرنامج يرتكز على 3 محاور، الأول يتعلق بحماية الرصيد الحيواني والنباتي وتدبير ندرة المياه، ويستهدف الثاني التأمين الفلاحي، في حين يهم الثالث تخفيف الأعباء المالية على الفلاحين والمهنيين. وتتمحور أغلب إجراءات هذا البرنامج في توزيع الشعير المدعم لفائدة مربي الماشية، والأعلاف المركبة لفائدة مربي الأبقار الحلوب للحد من آثار ارتفاع أسعار المواد العلفية وتراجع موفورات الكلأ، وتلقيح ومعالجة الأغنام والماعز والإبل، وكذا تسريع أجرأة التأمين ضد الجفاف بالنسبة للفلاحين، بالإضافة إلى إعادة جدولة مديونية الفلاحين، وتمويل عمليات تزويد السوق الوطنية بالقمح وعلف الماشية.

وتفاعلا مع هذه الإجراءات أكد الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي في تصريحات منشورة أن الخطوات التي تم القيام بها تلجأ لها كل الحكومات المتعاقبة في كل سنة جافة، مضيفا أن “المصيبة في كل هذا أننا نتعامل كبلد مع القضايا الإشكالية الكبرى مثل الجفاف وهو معطى بنيوي في المغرب بحلول ظرفية ترقيعية“، مضيفا أن “الأمر يشبه إعطاء حبوب أسبرين لمريض مصاب بالسرطان، والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح هو إلى أين نتجه وكيف نتجاوز هذه المعضلة؟ لأنه لا يمكن أن نغير الموقع الجغرافي للمغرب ولا طبيعة مناخه“.

الأسعار الدولية

السبب الرئيسي في ارتفاع مستوى أسعار النقل وكذا أسعار المواد الاستهلاكية يرجع حسب الحكومة لارتفاع أسعار الطاقة في السوق الدولية، حيث صعدت أسعار النفط الخام في بداية التعاملات الأسبوعية يوم الإثنين 14 فبراير إلى أكثر من 95 دولارا للبرميل، وهو أعلى رقم تصله منذ شهر شتنبر سنة 2014، وذلك بسبب التوتر بين روسيا وأوكرانيا وتهديدات الولايات المتحدة بالتدخل. ومباشرة بعد بداية تحرك الجيش الروسي وانطلاق القصف يوم الخميس 24 فبراير قفزت أسعار النفط الخام إلى أكثر من 100 دولار للبرميل.

ارتفاع المحروقات يعود أيضا، حسب المراقبين، إلى إغلاق مجموعة من وحدات الانتاج، والطلب المتزايد بعد الانتعاش الاقتصادي الذي عرفه العالم، وكذا التطورات الجيو سياسية، والتي أدت إلى تخوفات عالمية من حدوث ارتباك في سلاسل إمدادات السلع والطاقة، مع احتمال تصاعد التوترات العسكرية خلال القابل من الأيام. ومرد ذلك يرجع بالطبع إلى كون روسيا ثاني أكبر منتج للنفط الخام في العالم بعد الولايات المتحدة، بالإضافة إلى كون أوكرانيا تعد إلى جانب روسيا في صدارة الدول التي تصدر القمح والحبوب للعالم.

يضاف إلى هذا توقعات المندوبية السامية للتخطيط التي تشير إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات على المستوى الدولي قد يصل إلى 150 دولار للبرميل الواحد في نهاية السنة الجارية. وإن كان سعر البرميل الواحد يتراوح هذه الأيام بين 90 و95 دولار، ما أدى إلى ارتفاع أسعار المحروقات حيث بلغ سعر الغازوال 11 درهما و12 درهما البنزين، فالخبراء يرون أن التوقعات إن حصلت وبلغ سعر النفط إلى 150 دولار، فإن سعر المحروقات وطنيا سيصل إلى ما بين 20 و25 درهما.

وحسب المحللين الاقتصاديين ليس أمام هذه الموجة من الارتفاع الأسعار من حل، فالمفترض أن تستعد الحكومة بشكل مسبق لمثل هذه الأزمات، وذلك بتحسين ظروف عيش السكان، وتوفير موارد مالية إضافية للدولة، مع استحضار أن الدولة وهي بصدد رفع يدها عن صندوق المقاصة شيئا فشيئا وزعت وعودا براقة مفادها بأن ما سيوفر سيصل مباشرة إلى الفئات الهشة، وهو الذي لا أثر له إلى اليوم، رغم أن الخزينة وفرت ما بين 40 إلى 45 مليار درهم سنويا منذ سنة 2015. مما يطرح أسئلة عديدة حول مصير ما تم توفيره.

والأمرّ من هذا كله هو الوقوف موقف المتفرج أو المتواطئ من باب أحرى، أمام هذه السرقات التي تقوم بها شركات المحروقات المسؤولة بشكل كبير عن زيادة الأسعار، ولا أدل على ذلك من قضية “17 مليار درهم” التي سبق أن خلص تقرير برلماني إلى أنها أرباح فوق الأرباح الأصلية تم الاستيلاء عليها في ظرف سنتين فقط، دون الحديث عما بعد ذلك، مع المآل الغامض للتحقيقات في الموضوع، التي زادها غموضا إعفاء رئيس لجنة المنافسة بعد تقريره حول التجاوزات. كل هذا أرخى بظلاله على التسيب الحاصل في الارتفاعات المتتالية في أسعار المحروقات وما يتبعها من زيادات في أسعار عدد من المواد الأساسية، وكلها تمتد إلى جيب المواطن المنهك.

الجفاف

في شهر فبراير من كل سنة ينتظر غالبية الفلاحين تساقطات مطرية هامة، لكن إلى حدود الساعة سجل تأخر كبير في هطول الأمطار، حيث بلغ المعدل الوطني للتساقطات لحد الآن 76 ملم، مسجلا بذلك عجزا بنسبة %69 مقارنة بموسم عادي، و%64 مقارنة بالموسم السابق. وبحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية، فإن متوسط التساقطات المسجل على المستوى الوطني من فاتح شتنبر 2021 إلى 31 يناير 2022 بلغ 38.8 ملم، مقابل معدل مناخي طبيعي يبلغ 106.8 ملم. والعجز المسجل مقارنة بالموسم السابق يبلغ %53 في المائة! وهي نسبة كبيرة جداً.

التأخر الحاصل في نزول الأمطار سبّب تراجعا كبيرا في نسبة ملء السدود، حيث أشارت معطيات رسمية قدمها وزير الفلاحة أن نسبة ملء السدود بلغت %32 إلى حدود 21 فبراير، مقابل 42% خلال نفس الفترة من السنة الماضية، وهو ما أدى إلى تسجيل ندرة كبيرة في المياه، سواء مياه الري أو مياه الشرب، ما يعني أن محاصيل الفلاحين الصغار بالخصوص صارت معرضة للتلف.

الوضعية المتأزمة شملت أيضا مربي المواشي حيث يعانون من غلاء أثمنة الأعلاف المركبة كما سلف، كما أن من يدعم لا يكفي الحاجة، ما أدى إلى تفاقم حالات نفوق الماشية ببعض المناطق المتضررة، بالإضافة إلى تأثير هذا على وفرة المنتجات الغذائية كالحليب ومشتقاته.

الخبراء في علم المناخ يؤكدون أن هذا التأخر في تساقط الأمطار يعزى إلى تكون مرتفع جوي فوق شمال إفريقيا وجنوب غرب أوروبا، يمنع حدوث عملية التكاثف، ما يعني أن المنطقة التي يقع فيها المغرب تتميز بـ”جفاف هيكلي” وهو ما يسبب فترات جفاف متكررة.

 كل هذا يعني أن السنة الفلاحية في خطر، مما سيزيد من تفاقم الوضعية الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة أصلا بفعل الزيادة الصاروخية في المحروقات، والمواد العلفية والغذائية الأساسية التي يكتوي بها المغاربة، خاصة صغار الفلاحين، لأن أزمة الجفاف هذه السنة أزمة مضاعفة، وهي أعقد من السنوات السابقة، ففي ظل شح التساقطات المطرية الكبير، سيؤدي هذا إلى نقص حاد في المياه، لكنه سيصير أشد سوءا مع اقتراب فصل الصيف لأنه سيعرف ضغطا هائلاً على المياه.

ناهيك أن نسبة النمو التي توقعها قانون المالية لن تبلغ بالتأكيد %3، فبسبب الجفاف وأزمة سوق الطاقة وارتفاع كلفتها تعطل مسار الانتعاش الاقتصادي بعد الجائحة وتبخر، ولكن ليس بسبب هذا فقط، بل أيضا بسبب سوء التدبير والتقدير، فكل الخبراء نبهوا إلى أن الفرضيات التي تم وضعها لقانون المالية أحلام، حيث أكد أقصبي أن فرضيات قانون مالية 2022 كانت غير واقعية منذ البداية، فبالنسبة للغاز وضعت فرضية 450 دولار كسعر للطن، علما أنه في شتنبر كانت أسعاره تتعدى 800 دولار للطن. ونفس الأمر بالنسبة لمحصول القمح، لأن وتيرة الجفاف بالمغرب ارتفعت وأصبحت أكثر حدة، وهذا أمر بنيوي، لذلك لا يمكن في فرضيات قانون المالية أن نراهن على معدل 75 مليون قنطار فقط لأنه في السنة التي سبقته حققنا معدلا فوق المعتاد، وأن ننسى أنه بعد كل سنة فلاحية جيدة تليها أخرى سيئة.

ولا ننسى أن واقع الفرشة المائية المتهالك لم يمنع أصحاب القرار من توقيع اتفاقية تطبيع مشبوهة شهر غشت الماضي بموجبها سيزرع 10 آلاف طن من الأفوكا سنويا كاستثمار صهيوني في بلادنا، حيث يستهلك كيلوغرام واحد قرابة الألف لتر من الماء حسب تقدير مراقبين.

ولكن لن يتوقف الأمر عند مجرد غلاء الأسعار، فعلماء المناخ سجلوا تطورا ملحوظا في الدورة المناخية بالمغرب، فبدل تعرض البلد لسنة جفاف على رأس كل عشر سنوات، تراجعت هذه الوتيرة إلى سنة جفاف كل ثلاثة إلى أربع سنوات. ودون مراجعة شاملة تعيد النظر في نموذج التنمية الفلاحية والسياسات العمومية المرتبطة بالماء، خاصة أمام مسلسل الاستنزاف والهدر، ودون تفعيل حقيقي لضوابط الحكامة والمنافسة الشريفة وحماية المستهلك وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن القادم سيكون أسوء.