عمل المرأة في البيت: من الأنانية إلى الإحسان

Cover Image for عمل المرأة في البيت: من الأنانية إلى الإحسان
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

مقدمة

أثارني مقطع من خطبة – يتداول على مواقع التواصل الاجتماعي- يبين فيه الخطيب اتفاق جمهور العلماء على أن عمل المرأة في بيتها وخدمتها لأهلها- من طبخ وتنظيف وكنس … – ليسا واجبا عليها، فمن حقها أن ترفض وأن تطالب زوجها بخادم أو أن يوفر لها هذه الخدمات، كل ذلك بموجب الشرع ومقتضاه، وإن كان هذا الكلام – حسب رأي الخطيب- قد يزعج كثيرا من الرجال. هؤلاء الرجال الذين سيغضبون وينزعجون لأنهم ربما يصدمهم العلم بحق من حقوق المرأة الذي يقرع أسماعهم لأول مرة، فيقلب موازين مفاهيمهم، وهم الذين تربوا على أن مهمة المرأة الأساسية خدمة الزوج والأولاد، وبالمقابل أتخيل النساء اللواتي عرفن هن أيضا هذه المعلومة، كيف سيتعاملن معها؟ ألا يمكن لهذه المعلومة التي لم توضع لها مقدمات ولا حواشي للشرح والتعليق والإيضاح أن تخلق المشاكل في بيوت الكثيرين؟ من أجل ذلك أردت أن أبسط القول في موضوع عمل المرأة في بيتها، لأن حصر المسألة في الحق والواجب هو في رأيي من باب حجر الواسع، وإلا فإن فتحنا باب البذل والعطاء والسلوك والارتقاء، سنكون قد منحنا للأزواج فرصة للتنافس على الخيرية والإحسان وحسن الاقتداء.

الإسلام يثمن خدمة المرأة لبيتها وزوجها

إن السيرة العطرة تحمل في ثناياها عدة إشارات إلى قيمة عمل المرأة في بيتها وخدمتها لأهلها، نلتقط هذه الإشارات الجلية تارة والخفية تارة أخرى من سيرة الرعيل الأول من الصحابيات، فهذه أمنا خديجة خير نساء العالمين، آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته وحمته، جاءتها البشارة من السماء حيث قال أبو هريرة: “أتى جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت ومعها إناء فيه إدام، أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربي ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب” 1. جاءت بشارة السماء لأمنا خديجة من السماء في لحظة من لحظات خدمتها لزوجها، فهي تحمل في يدها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فلماذا اختار الوحي هذه اللحظة أليست هذه إشارة إلى أهمية هذه المهنة؟

وهذه أسماء بنت يزيد الأنصارية خطيبة النساء،جاءت وافدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم حاملة تساؤل النساء “إنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجا أو معتمرا أو مرابطا حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟…، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثم قال لها:انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، و اتباعها موافقته، يعدل ذلك كله” 2 لقد خرجت أسماء من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مكبرة مهللة، وكيف لا وقد رفع الرسول قيمة ما تقوم به النساء من خدمات في بيوت أزواجهن إلى مرتبة تعادل حضور الجمعة والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج والأفضل الجهاد في سبيل الله، توجيه نبوي من الحبيب صلى الله عليه وسلم لتعظم المرأة المسلمة ما تقوم به من عمل في بيتها، عملها في البيت بهذه المعادلة النبوية هو مرقاة للصعود في مدارج الإيمان وفضائل الأعمال تصل إلى منزلة هي الجهاد في سبيل الله، تلاحق المرأة المسلمة بما تسديه من خدمات الرجال فيما فرض عليهن، وأعفيت هي منه تيسيرا لها وتوسعة عليها، لتتفرغ لمهمة لا يمكن أن ينبري لها سواها تربية النشء و رعاية بيتها ف“المرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها “ 3.

الصحابيات يخدمن بيوتهن

قدمت الصحابيات النموذج والقدوة على تآزر الزوج والزوجة، والصبر على لأواء الحياة، كل ذلك من أجل حفظ تماسك البيت الإسلامي ومتانته، فكتب السيرة تسرد لنا الأمثلة المتعددة، نذكر منها سيدتنا أسماء بنت أبي بكر التي تصف مهنتها في عمل أهلها وخدمة بيتها في حديث رواه الشيخان عنها. قالت “تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك من شيء غير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤونته (أي مشقته) وأسوسه. وأدق النوى لناضحه (جمل يجلب عليه الماء) فأعلفه، وأستقي الماء، و أخرز غربه(أرقع الدلو)، وأعجن. ولم أكن أحسن أخبز. فكانت تخبر لي جارات الأنصار،وكن نساء صدق. وقالت: وكنت أنقل النوى” 4.

ونذكر أيضا سيدة نساء الجنة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنها كانت تطحن رضي الله عنها حتى مجلت يداها(أي انتفختا ونفطتا). وجاء مال للنبي صلى الله عليه وسلم، فبعثها علي لتطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يساعدها بخادمة تعينها، فاستحيت أن تفاتح أباها في الموضوع. فجاء علي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:” يا رسول الله، لقد سَنَوْتُ حتى شكوت صدري”. سَنَوْتُ بمعنى جذبت الدلو من البئر،…فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهما شيئا ويترك أهل الصفة ) 5. وعلمهما إذا أويا إلى فراشهما أن يسبحا ثلاثا وثلاثين وأن يحمدا مثل ذلك وأن يكبرا مثل ذلك. فاطمة الزهراء رضي الله عنها ما كلفت بإتعاب نفسها وهي الشريفة العظيمة، لكن لما كان علي فقيرا يعمل أجيرا في سنو الماء، وكانت هي خريجة بيت النبوة، بيت العلم والحلم والفضيلة اختارت أن تمد يد العون لزوجها حبا وكرامة، وبالمقابل أشفق الزوج الحاني عليها، فطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يساعدها بخادمة، فعمد الحبيب صلى الله عليه وسلم أن يربطهما بالخالق عز وجل تسبيحا و حمدا وتكبيرا لطلب العون منه ولم يسعفها بخادم.

المرأة راعية وحافظة

روى الشيخان والترمذي وأبو داود عن بن عمر رضي الله عنهما قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع و مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته “ 6، للمرأة من خلال الحديث مسؤولية في بيتها، تأدية لمهمة الحافظية التي وكلت إليها لقوله عز وجل فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله 7، والحفظ استمرار واستقرار هما قطب السكون في الحياة الزوجية وحياة المجتمع. النساء بفطرتهن يحفظن استمرار الجنس البشري بما هن محضن للأجنة، وحضن للتربية، ومطعمات، وكاسيات ومدبرات لضرورات معاش الأسرة) 8، والسؤال هو: هل يمكن للمرأة المسلمة أن تحقق الحافظية التي كلفها بها الشرع، دون أن تكون مشرفة هي بنفسها على خدمة بيتها؟. لعل مفاتيح الحفظ ستكون بيدها إن هي سعت لطاعة خالقها، وتطلعت للقائه وهو راض عنها، وجعلت سبيل ذلك خدمة زوجها وأولادها، تزرع الخير والحق في نفوس أبنائها كما تعتني بصحتهم ونظافة مأكلهم وملبسهم، تحفظ نفسهم وعقلهم ودينهم، وترعاهم بنفسها أو تستعين في ذلك من يخدمها، على أن تكون في كل الأحوال على دراية تامة بأدق تفاصيل بيتها، لا تنوب عنها في ذلك أحد، ولا يلهيها شيء خاصة في زماننا حيث تعددت الملهيات والمشاغل والمفاتن. تتخذ من خدمة البيت سلما للرقي ومصعدا لنيل الدرجات، تجدد نيتها وتساعد زوجها بالأناة والحلم والتذكير ليتخلص من أنانيته ويقدر قيمة عملها في بيتها، ويتشرف هو أيضا بمد يد العون.

أنانية الرجال تذوب بالاقتداء

تحكي أمنا عائشة عما كان يصنع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، “فقالت: كان يكون في مهمة أهله، تعني خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة” 9.

وتروي عنه أيضا “ما كان إلا بشرا من البشر يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه” 10.

فهلا عاد الرجال من المسلمين إلى سيرة الحبيب صلى الله عليه في بيته وفي مهمة أهله حتى تذوب أنانياتهم، فيفعلون كما كان يفعل عليه أفضل الصلاة والسلام ويساعدون زوجاتهم اقتداءا به و اتباعا لهدية؟ هذه الأنانية هي التي فرضت على المرأة أشغال البيت فأصبحت عادة، تضاف إليها أعباء أشغال جلب الماء والزراعة بالنسبة في البادية، وأعباء الشغل خارج البيت والوظيفة بالنسبة للمرأة المعاصرة. هذه الأنانية الذكورية البعيدة عن روح الإسلام هي التي ألزمت الفقهاء أن يضعوا لها حدا لردع النزاعات التي قد تحدث، فاتفقوا على أن الزوج الموسر يلزمه خادم لزوجته كما تلزمه نفقتها ونفقة أولادها من باب المعاشرة بالمعروف لقوله تعالى وعاشروهن بالمعروف 11. والأصل أن يكون هناك تعاون بين المرأة والرجل على أعباء البيت، إحسانا بينهما وتآلفا ورحمة، تنطلق هي من حافظيتها وتخدم بينها تبتغي وجه الله في رعاية بيتها وخدمة أولادها ومد يد العون لزوجها، ويساعدها الرجل اقتداءا بالرسول صلى الله عليه وسلم – خير الناس لأهله- ويشجعها بالكلمة الطيبة، والابتسامة الشاكرة، والهدية الداعمة، وبالتذكير بفضلها، وتذكيرها بما تناله من عظيم الأجر وكبير الشرف حين تدخل السعادة على أسرتها، بما تقدمه من خدمات، تجعل كل أفراد الأسرة يجدون في البيت حضنهم الدافئ و حصنهم الآمن، وهذا يرقيها لتلحق بركب من سبق من أمهات المؤمنين، من لا يرين في خدمة بيوتهن وضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا واجبا وشرفا.

شغل بلا عطلة

“والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها” 12، وإن كانت مسؤوليتها في بيتها لا تنسخ مسؤوليتها خارجه إلا كما تنسخ سائر التكاليف الشرعية عنها لقوله عز وجل: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويِؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله. أولئك سيرحمهم الله. إن الله عزيز حكيم 13، ويشهد على ذلك بلاء الصحابيات من أمثال أسماء بنت أبي بكر في الهجرة وفي تصديها للحجاج الثقفي، وكذا أسماء بنت يزيد الأنصارية ببلائها مع غيرها من النساء المجاهدات في موقعة اليرموك وغيرهما من النماذج كثير.

خاتمة

جميل أن يعرف الرجال قيمة عمل المرأة في بيتها وفضل هذه الخدمة وعظيم شأنها عند الله عز وجل، وجميل أيضا أن تعرفوا أيضا أن ما تقوم به تفضلا وتكرما، وأنه لا ينال منهم وسام الخيرية إلا من اقتدى بخير البرية، وتنازل عن أنانيته ومد يد العون وكان خيِّرا مع أهله، ولكن الأجمل أن تسعى المرأة لنيل أعلى الدرجات والمقامات، فتجدد النيات وتحرص على رعاية بيتها وتعتبرها نافلة من النوافل وطاعة من الطاعات، فلا يرضي الزوجة المؤمنة ولا يرضي الزوج المؤمن إلا أن يكونا ممن يقال لهم يوم القيامة ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون 14.


[1] أخرجه البخاري، تنوير المؤمنات ج2 ص290.
[2] سنن النسائي فصل الجهاد/ 3104.
[3] رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر.
[4] تنوير المؤمنات ج2 ص141.
[5] تنوير المؤمنات ج1ص210.
[6] تنوير المؤمنات ج2ص300.
[7] سورة النساء الآية 34.
[8] تنوير المؤمنات ج2 ص88.
[9] التنوير، ج2، ص140.
[10] التنوير، ج2، ص140.
[11] النساء الآية 19.
[12] رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر.
[13] سورة التوبة الآية72.
[14] الزخرف الآية70.