ضفاف | 8 | أرحنا بها يا بلال

Cover Image for ضفاف | 8 | أرحنا بها يا بلال
نشر بتاريخ

“أرحنا بها يا بلال”.. كيف كانت يا ترى تلك الراحة التي كان يتذوقها صلى الله عليه وسلم وهو قائم على ضفاف نهرالعبادة يصلي بين يدي ربه؟ّ وكيف يتحول التكليف الإلاهي إلى شوق روحي يتذوق به العبد حلاوة القرب من رب العباد؟

“أرحنا بها يا بلال”.. يقولها صلى الله عليه وسلم وهو موقن بأنها وإن كانت لحظة أرضية إلا أنها تأخذه إلى تلك المنحة الربانية التي طبطب بها عليه ربه في الرحلة المعجزة، مرت لحظاتها وانقضت ولم تنقض تلك النفحات الملكوتية، بل بقيت تتكررويسبح  في عوالمها عروجا وترقيا خمس مرات في اليوم.

من شدة حبه للصلاة لم يكن يلتفت الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه لهذه الصلوات المفروضات، فكان يقوم الليل يحييه بالصلاة ويطيل الوقوف بين يدي رب السماوات. اسمع إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: “صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة، فأطال القيام حتى هَمَمْتُ بأمْرِ سُوءٍ! قيل: وما هَمَمْتَ به؟ قال: هَمَمْتُ أن أجلس وأَدَعَه”، يقول فيه عبد الله بن رواحة رضي الله عنه:

يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عن فِراشِهِ ** إذا اسْتَثْقَلَتْ بالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ

وقال عنه شوقي رحمه الله:

محيي الليل صلاة لا يقطعها ** إلا بدمع من الإشفاق منسجم

مسبحا لك جنح الليل محتملا  ** ضرا من السهد أو ضرا من الورم

ركوعا وسجودا وتلاوة وتسبيحا وتشهدا وسلاما، نسبغ ظاهر الفعل ولا ننسى عميق الحس والمعنى، نجعل في دقائقها المعدودات بين يدي الحنان المنان حدثا عظيم بدلالته وعظيما بآثاره فينا، نستشعر تلك النفحة الربانية التي تأخذنا إلى راحة إيمانية منذ البدء بفاتحة الصلاة: الله أكبر .. الحمد لله رب العالمين إلى السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ سلام  وراحة أذاقها الله لحبيبه  عند المكان المقدس قاب قوسين أو أدنى من عرش الرحمان، فحمل لنا منها نورا يملأ دواخلنا ويملأ الكون ويدخل في كنفه كل عباد الله.

هنا بالذات يتحول التكليف إلى تشريف، وتصبح الصلاة صلة وتواصلا واتصالا، وكلما سمعنا حي على الصلاة حي على الفلاح تنفست أرواحنا الصعداء فرحا بمتعة اللقاء.

لقاء كان للصحب الكرام معه قصص وحكايات.

يحكى أن

عباد بن بشر الأنصاري البدري؛ صحابي جليل عرف رضي الله عنه بحب القرآن وجعله شغله الشاغل، فكان يردده في ليله ونهاره حله وترحاله حتى عرف بين الصحابة بالإمام وصديق القرآن.

كان لعباد مواقف كثيرة تليق بحامل القرآن، ومن أجمل ما ذكر له قصة عجيبة حين عودة الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوة ذات الرقاع، حيث نزل والصحابة في شعب من الشعاب وكان يتعقبهم أحد المشركين وقد أقسم ألا يعود إلا وقد أراق منهم دما.

فما كاد الصحابة يضعون أمتعتهم حتى قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: من يحرسنا في ليلتنا؟ فقام إليه عباد بن بشر وعمار بن ياسر وقالا: نحن يا رسول الله، ولما خرجا إلى مدخل الشعب قال عباد لأخيه عمار أي جزء من الليل تحب أن تنام فيه، أوله أم آخره؟ فقال عمار: بل أنام أوله.

وكان الليل هادئا وادعا فاشتاق قلب عباد إلى العبادة والوقوف بين يدي ربه تاليا قرآنه مسبحا ومعظما، وكان يحلو له القرآن إذا رتله مصليا فيجمع بين متعة الصلاة ومتعة القرآن. فتوجه إلى القبلة ودخل في الصلاة : الله أكبر .. وبعد الفاتحة قرأ من سورة الكهف، وفيما هو منشغل بالصلاة أقبل الرجل المشرك فلما رآه من بعيد قائما على المدخل عرف أن النبي صلى الله عليه وسله في الداخل، وأنه حارس القوم، فتناول الرجل سهما من كنانته فرمى به عباد فأصابه  فما كان من عباد إلا أنه انتزع السهم من جسده ومضى في تلاوته وصلاته، فرماه المشرك بسهم آخر فوضعه فيه فانتزعه عباد كما انتزع سابقه، فرماه بثالث فانتزعه عباد كما انتزع سابقيه، وزحف عباد بن بشر حتى اقترب من صاحبه عمار بن ياسر وأيقظه قائلاً: انهض فقد أضعفتني الجراح وكثر مني الدم، فلما رآهما الرجل المشرك ولى هاربًا خوفا منهما.

والتفت عمار بن ياسر إلى عباد بن بشر فرأى الدماء تنزف غزيرة من جراحه الثلاثة، فقال له: سبحان الله، لو أيقظتني عند أول سهم رماك به؟!

 فقال عباد: كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها حتى أنتهي منها، وأيم الله لولا خوفي أن أضيّع ثغرًا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لكان قطع نفسي أحب إلي من قطع الصلاة.

لله ذرك يا عباد! يقال: لكل نصيب من اسمه، وأنت نلت من اسمك النصيب الأوفر؛ كنت حق العبد الواقف بين يدي الله باشرا مستبشرا بحلاوة الصلة ولذة الوصال.

علمتني اللغة

علمتني اللغة أن حرف الصاد من الحروف المميزة والفخمة، وهو من الحروف التي تشير إلى الصلابة والشدة وفي الوقت نفسه تشير إلى الصبر والتراص والتماسك، ولحرف الصاد صوت قوي مسموع يأخذك إلى حيث كان القصد والنية.

واللام حرف يحمل معاني التملك والاتصال والربط والتعليل، وإذا مد بألف زاد الاتصال اتساعا. فتصبح الصلاة أسمى مميز يحملك بصبر وصلابة على الاتصال والتواصل مع البارئ المصور.

وتاؤه المربوطة تخفي وراءها من المعاني الخفية والمنح الربانية ما تتوق له الروح وتطمح له الأنفس وتتطلع إليه الهمم، ولن ينالها إلا بتحقق الصلة وإقامة الصلاة.

شذرات شعرية

رَبَّاهُ! قَلْبِي مِثْلُ عَيْنِي دَامِعٌ  ** قَطْرُ الأَسَىٰ فِيهِ كَسَيْلٍ جَامِعٌ!

يَشْكُو جِرًاحًا أَثْخَنَتْ أَرْكَانَهُ  ** وَاسَتَنْزَفَتْ فِي سَاحِهِ أَحْزَانَهُ!

لـمَّا رَأَىٰ وَفْدَ التَّنَائِي قَدْ دَنَا  ** فَانْزَاحَ مِنْ دَقَّاتِهِ صَفْوُ الـهَنَا!

لـمَّا رَأَىٰ نُورَ (الـخُشُوعِ) اسْتُنْفِذَا ** مِنْ خَافِقَيهِ ارْتَاعَ أَلَّا يُنْقَذَا!

لـمَّا إِلَىٰ رَوْضِ التَّحِيَّاتِ انْتَهَىٰ ** أَلْفَى الخُضُوعَ الـمُبْتَغَىٰ كَانَ انْتَهَىٰ!