صناعة الحرية (35).. القمع والقتل والتفاوض

Cover Image for صناعة الحرية (35).. القمع والقتل والتفاوض
نشر بتاريخ

القمع والقتل والتفاوض

على إثر فشل مفاوضاتها مع الإمام وباقي أعضاء القيادة، ضاعفت الدولة القمع في حق أعضاء الجماعة، وخاصة في صفوف فصيلها الطلابي بالجامعة، وعلى وجه الخصوص بثلاث مدن كبرى آنذاك: الدار البيضاء ومراكش ووجدة، ففي البيضاء أدى التدخل القمعي للسلطة إلى استشهاد الطالب عبد الجليل فخيش 1 يوم 18 أبريل 1991م بمستشفى ابن رشد بسبب مضاعفات التدخل العنيف من طرف قوات القمع بكلية الطب، كما خلَّف نفس التدخل عشرات المصابين والمعتقلين في صفوف الطلبة والطالبات. الحدث الذي أوقف الدراسة بجميع كليات ومعاهد جامعة الحسن الثاني، وخرجت بموجبه مسيرات ضخمة تندد بمقتل الشهيد، فاشتعل فتيل النضال ضد السياسة القمعية للنظام، وتحول الفضاء الجامعي إلى اعتصام مفتوح استمر حوالي 5 أشهر.

وبهذا الضغط النضالي الكبير للجماهير الطلابية اضطرت الدولة إلى تدبير مفاوضات مع ممثلي الهياكل الطلابية، حيث أرسل الملك مبعوثه وزير الدولة أحمد العلوي (ت2002م) إلى ممثلي الطلبة من أجل تسوية الوضع الناتج عن سوء التدبير في إدارة الجامعة. يقول أحد الطلبة المناضلين الذين فاوضهم الوزير آنذاك:

“في البداية كان طلبُ الوزير التوصل بمطالب الطلبة استجابة لرغبة الملك من أجل حل المشكل، فاستجابت الجماهير الطلابية، وسطرت ملفا مطلبيا واقعيا غير تعجيزي ولا سياسي صادقت عليه في تجمعاتها العامة، وأرسلت نسخة منه للوزير ونشرت نسخ أخرى في ساحات الجامعة، وكان على رأس المطالب فتح تحقيق في مقتل الشهيد ومحاسبة المسؤولين عنه، لكن الطلبة فوجئوا بعد تسليم الملف المطلبي للوزير، بطلب غريب منه يحثهم فيه على إرسال رسالة من ممثلي الطلبة تلتمس من الملك التدخل لتحقيق المطالب، لأنه لا يمكن التدخل بدون طلب.

حرص الوزير بإصرار واستماتة على أن يبعث أعضاء مكتب الفرع رسالة إلى الملك من أجل التدخل لدى الحكومة للاستجابة للملف المطلبي، الشيء الذي رفضته الجماهير الطلابية في تجمعها العام، ليعيد الوزير الكرة في لقاء آخر مع مكتب الفرع في مقر رئاسة الجامعة يخبرهم فيه أن الملك يريد لقاءهم، فيعتذر أعضاء المكتب بدبلوماسية” 2.

 الملك يطلب لقاء الطلبة..

نجح طلبة البيضاء في إدارة المفاوضات مع مبعوث الملك، وذلك بحسمهم في مسألة اتخاذ القرار بردِّها إلى الجموع العامة، فلا يُهمُّوا بخطوة إلا بعد استشارة موسعة مع الجماهير الطلابية، الأمر الذي أمدَّ القيادة الطلابية بعُنصري الثقة والقوة في التفاوض، بالإضافة إلى الحفاظ على وحدة الصف الطلابي، حيث اقتصرت وظيفة مكتب الفرع على تنفيذ قرارات التجمعات العامة دون تجاوزها، حتى وإن تعلق الموضوع بـكتابة رسالة استعطاف إلى الملك، فإن الجمع العام للبثِّ في النازلة والذي توافق زمنيا مع حفل تأبين الطالب الشهيد عبد الجليل فخيش في ساحة كلية الطب، حيث حجَّ إليها الطلبة بوزراتهم البيضاء في مسيرات حاشدة من مختلف كليات المدينة الجامعية، قرَّر عن طريق التصويت رفض كتابة الرسالة إلى الملك، وقد حضر أثناء عملية التصويت مبعوث الملك شخصيا، فعلَّق على النتيجة وهو يتناول أقراصا من الدواء بقوله: “داروها الخوانجية” 3.

طالب مبعوث الملك بلقاء مع مكتب الفرع ليطالبهم بلقاءٍ مباشر مع الملك، حيث قال: “إذا تعذر إرسال الرسالة فإن الملك يرغب في لقائكم”، لكن الطلبة اعتذروا بلباقة، بحجة أن صلاحياتهم لا تسمح لهم بذلك. “مؤكدين أن الملف المطلبي الذي سطرته الجماهير بأيديهم يمكن تحقيقه إذا كانت هناك نيات صادقة، على أن تكون قناة الحوار هي رئاسة الجامعة” 4.


[1] كان الشهيد عبد الجليل فخيش ابن مدينة الصويرة طالبا في السنة الثالثة بكلية الطب، جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.
[2] فتحي، عبد الصمد. “مسيرة 19 غشت والانتفاضة البيضاء: السياق والدلالات”، منشور بموقع الجماعة (aljamaa.net) يوم 19 غشت 2015م، وشوهد يوم 30 أبريل 2020م.
[3] المرجع نفسه.
[4] المرجع نفسه.