صناعة الحرية (12).. ها هو السجن ثم ماذا بعد؟

Cover Image for صناعة الحرية (12).. ها هو السجن ثم ماذا بعد؟
نشر بتاريخ

ها هو السجن، ثم ماذا بعد؟

سُجن الجسد لإلهاء العقل بمعاناة البدن، وصَرف الذهن عن التفكير في الغير وفي التغيير! وسلب الحرية لمنع التأثير، وتغيير الأفكار، وتلك من أخطر وظائف السجن كما شرح بعمق ميشيل فوكو في كتابه “المراقبة والعقاب1، وجورج أورويل في روايته “19842، غير أنه أحيانا لا تكفي ولا تفلح العقوبة في تعطيل العقل، ولا تكفي التشريعات -التي توضع أصلا لكي تُسوغ لمؤسسات السجن فعل أية عقوبة تُخضع السجين وتكسر إرادته، خاصة وأن الأستاذ كان يعي أن مسألة توسيع دائرة الحرية وإجبار الحكام على الاعتراف بالمعارضة، لا تُنال بالحديث من وراء حجاب ولا بالكلام البارد المعسول، وإنما تتطلب مما تتطلبه صدقا نادرا وحكمة بالغة وثمنا غاليا، من أجل اقتحام العقبة، و“العقبة تحرير وعدل وسيادة” 3، وهذا لا يستطيعه في الحقيقة إلا الأكابر الذين يصنعون دواء الحرية بقُدوتهم، فـ “دواء الحرية صعب، ولكنه وحده الدواء الصحيح” 4 كما يقول علال الفاسي (ت1974م).

قد تسيطر الدولة على الممتلكات وعلى الأجساد وعلى المؤسسات، لكنها لا تستطيع أن تسيطر على العقول أو توقف الأذهان عن التفكير بطرائق مختلفة، أو تمنع الإرادات من التحرر والاقتحام. وقد تُرهب الناس فيسكُتون خوفا، لكنهم لا يتوقفون عن التفكير سرا، يقول الفيلسوف الهولندي باروخ اسبينوزا: “لو كان من السهل السيطرة على الأذهان مثلما يمكن السيطرة على الألسنة، لما وجدت أية حكومة نفسها في خطر، ولما احتاجت أية سلطة لاستعمال العنف، ولعاش كل فرد وفقا لهوى الحكام، ولما أصدر حكما على حق أو باطل، على عدل أو ظلم إلا وفقا لمشيئتهم. ولكن الأمور لا تجري على هذا النحو (…) لأن ذهن الإنسان لا يمكن أن يقع تحت سيطرة أي إنسان آخر، إذ لا يمكن أن يخول أحد بإرادته أو رغما عنه إلى أي إنسان حقه الطبيعي أو قدرته على التفكير وعلى الحكم الحر في كل شيء. وعلى ذلك فإن سلطة تدعي أنها تسيطر على الأذهان إنما توصف بالعنف، كما تبدو السيادة الحاكمة ظالمة لرعاياها ومغتصبة لحقوقهم عندما تحاول أن تفرض على كل منهم ما يتعين عليه قبوله على أنه حق، وما يتعين عليه رفضه على أنه باطل” 5.

وعادة السلاطين في الدول التقليدية الشمولية شراء الضمائر والعقول، واحتواء العلماء والفضلاء، إذ إن “الدراهم الخسيسة، وشراء الضمائر، واستغلال النفوذ، من لوازم الأنظمة الفاسدة” 6، بُغية ضمان “إجماع القطيع” على سياساتهم، حتى يصير صاحب الرأي المعارض وكأنه مجنون ابتداء، يليق به المستشفى! كي يتعادى بالمرض فيطوى خبره ولا يروى، أو المقبرة كي يكون عبرة لغيره. ولك أن تتذكر ما فعلته فرنسا بالأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي (ت1963م) في منفاه بجزيرة “لارينيون” (1926-1947م) التي كانت مرتعا للأوبئة، إذ تركته عُنوة على قرب من مستنقع متعفن ليُصاب بالملاريا ويموت، وقد مات بعض أقاربه به، إلا أن عناية الله تدخلت وحمت أسد الريف من كيد فرنسا. وقصص كثيرة في تعذيب المعارضين في التاريخ تشبه في قسوتها أفلام الخيال المرعبة.

فاجأت رسالة الإسلام أو الطوفان الأوساط السياسية والثقافية المغربية، إذ حرص مرسِلها على وصولها إلى النخبة الدينية والسياسية قبل بلوغها إلى يد الملك، وما من أحد اطلع عليها إلا وأثارت انتباهه قوة مضمونها وشجاعة صاحبها، وتوجس خيفة على حياة كاتبها لما يعلمه من أسلوب الحكام في التعامل مع المعارضين، وكان من العلماء داخل المغرب وخارجه مَن اعتز بالرسالة ودعا لصاحبها وعرَّف به. كما كان منهم من خنس، ومنهم من توارى بعيدا، ومنهم من رأى غير ذلك. يقول الأستاذ أحمد الريسوني: “وجدت الكتاب دعوة صادقة ومبادرة تاريخية حقيقية، ومكتوبة بأسلوب أدبي رفيع، وبأسلوب عاطفي جياش، فهي رسالة أخاذة بكل عناصرها ومكوناتها، ولكن الأخاذ فيها أكثر هو هذه الشجاعة والجرأة وهذا النصح الخالص” 7، وقال غيره: هذا تهور 8!

الأستاذ أحمد الريسوني والمهندس محمد حمداوي في زيارة للإمام في بيته

أما الملك، فبعد اطلاعه عليها وتداول مضمونها مع علمائه وبعض أصدقائه، أمر باعتقال صاحبها وإخفائه عن الأنظار والإعلام، وكأنه ما خُلق شخص بهذا الاسم، ووأد الرسالة وكأنها ما دُونت رسالة نصيحة في ذلك الزمن؛ زمن “الغليان الوطني” 9 كما سماه بيير فيرميرين. وتم إثر ذلك تنظيم حملة تمشيط واسعة في صفوف العلماء والوزراء وباقي المسؤولين يستقصون عن الرسالة ويجمعونها في الكوميساريات. والجميع حيران في تصنيف الرجل أهو صوفي؟ وهل يفعل أهل التصوف فعلته 10؟ أهو سلفي؟ وما علمنا عن أهل التسلُّف هذا العمل! أهو شيوعي؟ وهل يدعو الشيوعيون إلى الإسلام؟


[1] فوكو، ميشيل. المراقبة والعقاب، ولادة السجن، مركز الإنماء القومي، ترجمة علي مقلد، مراجعة مطاع صفدي، بيروت، ط1، 1990م، ص 47 وما بعدها.
[2] أورويل، جورج. 1984، ترجمة الحارث النبهان، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 2014م.
[3] ياسين، عبد السلام. الإسلام والقومية العلمانية، دار الخطابي للطبع والنشر، الدار البيضاء، ط1، 1989م، ص 22
[4] الفاسي، علال. النقد الذاتي، مرجع سابق، ص 65
[5] اسبينوزا، باروخ. رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، 2008م، ص 435
[6] ياسين، عبد السلام. الخلافة والملك، دار الآفاق، الدار البيضاء، ط1، 2000م، ص82
[7] التليدي، بلال. ذاكرة الحركة الإسلامية المغربية، مطبعة طوب بريس، الرباط، ط1، 2010م، ص 13
[8] انظر: الملاخ، أحمد. شريط ذاكرة الجماعة، مرجع سابق.
[9] فيرميرين، بيير. تاريخ المغرب منذ الاستقلال، ترجمة عبد الرحيم حزل، مطابع أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط1، 2009، ص 135
[10] عن موقف الإمام من التصوف انظر: الفراك، أحمد. “الحركة الإسلامية المغربية والتصوف”، ضمن أعمال ندوة علمية في “التصوف في المغرب وسؤال الإصلاح”، منشورات حركة التوحيد والإصلاح، مطابع شمس برينت، سلا، ط1، 1441ه/2019م، من ص 129 إلى ص 148.