سيدتنا أم كلثوم بنت عقبة والتجرد التام لله

Cover Image for سيدتنا أم كلثوم بنت عقبة والتجرد التام لله
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

عودة مرة أخرى لسيرة الصحابية أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها وأرضاها، تلك الصحابية الشابة اليافعة التي تركت كل شيء خلفها وهاجرت وحيدة فريدة إلى المدينة حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم، في وقت حرج اشترط فيه المشركون شروطا مجحفة على المسلمين في صلح الحديبية؛ ومن بنوده أن يردوا كل من أتاهم فارا بدينه من مكة إلى المدينة.  

هذه الشابة الصغيرة في السن تجلت في حياتها معاني التجرد الكامل لله، حيث لم تكن هجرتها مجرد هجر لمكان، بل سبقتها ولازمتها هجرة شعورية استطاعت معها أن تقطع ذلك التعلق الفطري بالأهل والاستكانة لحياة الدعة والترف التي كانت تعيشها، وانقلعت من حياة القعود والاستسلام للواقع، وكل دواعي ذلك متوفرة، فأسباب هجرتها كلها صعبة، بل ومستحيلة؛ فإضافة إلى بعد المسافة وتعذر الرفيق فإن صلح الحديبية ملزم للمسلمين بإرجاعها لأهلها إن نجحت في الوصول إليهم.

ومع كل ذلك أصرت سيدتنا أم كلثوم على الرحيل متجردة من كل الأسباب ومن حولها وقوتها، وكأنه إلهام من الله قذف في روعها أن الله منجز لها هجرتها، وكذلك كان؛ وصلت سالمة غانمة إلى المدينة، ولم تقصد بيت أخيها من أمها سيدنا عثمان بن عفان، بل ذهبت رأسا إلى بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمدة على نفسها متحملة مسؤوليتها في اختيارها، حيث عرضت مسألتها ونزل القرآن مؤيدا لموقفها.  

امتحنت في إيمانها؛ إن كانت هجرتها لله ورسوله وليس لشيء آخر، وقبلت بين المسلمين، ثم ما لبثت أن أثبتت تجردها لله حين تقدم لخطبتها عدد من الصحابة، فاستشارت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار عليها بالزواج من مولاه زيد بن حارثة، مقدما إياه على كبار الصحابة ممن تقدموا إليها، وقبلت وهي سليلة الحسب والنسب.

لقد أنار الإيمان قلب هذه الشابة فأظهر معدنا نفيسا واستعدادا فطريا لما يمكن أن يفعله الإيمان بقلب امرأة، وكيف أن الصحابيات الجليلات ضربن أروع الأمثلة في انحيازهن لما آمنَّ به، واقتحمن العقبات بعد أن انتشلتهن صحبة خير الورى من دونيتهن ولا شيئيتهن، مثبتات أن الإسلام قام على يد رجال ونساء، وأنه دين أفسح للمرأة مجالا مستحقا تعبر فيه عن إنسانيتها، بل وتعيشها على حقيقتها بعيدا عن ثقافة الوأد والحجر.