رمضان الكريم فصّ يزين الزمان

Cover Image for رمضان الكريم فصّ يزين الزمان
نشر بتاريخ

كلما أهل علينا بطلته البهية وحلته السنية نبادر إلى استحضار فضائله واستشعار أنواره. ينقسم الناس فيه إلى طوائف، منهم المنَعّم الكسلان المنقطع عن الأعمال، والمجتهد العالي الهمة، المشحوذ العزيمة، المكثر من ارتياد المساجد التي تمتلأ عن آخرها في هذا الشهر الفضيل ولا تكاد تجد فيها موطن قدم، يتنافس أناس في الذكر والتبتل وقراءة القرآن الكريم وصلاة التراويح وحقيق لهم أن يفعلوا، كما يتنافس آخرون في تلبية مطالب البطون وملء الأوقات بالملهيات بعيدا عن معرفة أسراره وإدراك أنواره.

لننظر إلى أحوال السلف الصالح وكيف كانوا يستقبلون شهر الله الذي أنزل فيه كتابه هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، لننظر ما كانوا فاعليه وهم يرجون الله أن تكون أيامهم كلها رمضان، وهم يستعدون لاستقباله ستة أشهر ويعيشون ببركات حصاده وأنواره الستة الأخرى.

ولعل أول ما كانوا يستحضرونه تجديد النية وتعظيم حرمته في صدورهم باعتباره ركن الدين الركين، والإلحاح في الدعاء طلبا لبلوغه والاغتراف من بركاته.

كانوا في ذلك يعوِّدون أنفسهم على الصوم ويتدربون عليه في سائر الشهور التماسا لتمام فضله، وتشوفا لجزيل أجره؛ الذي بشر به النبي الخاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: “مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا”.

وكانوا يقطعون ليله ونهاره بين صلاة وصيام وقيام وذكر وتلاوة للقرآن حفظا وترتيلا ومدارسة، فنور الله بذلك قلوبهم وألبسهم من سرابيل أنواره. قيل للحسن البصري رحمه الله: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوها؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن، فألبسهم من نوره.

كما كان تنافسهم في مجاهدة أنفسهم بليغا، وحرصهم على محاربة شحها عظيما، يتأسون في ذلك بنبيهم صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود من الريح المرسلة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كما في الحديث المتفق عليه: “كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن. فلَرسول الله، صلى الله عليه وسلم، أجود بالخير من الريح المرسلة”.

أجواء إيمانية مشعة وروحانية عالية وعمل دؤوب متواصل سعيا في تحصيل خيري الدنيا والآخرة، تراجع الكثير من أواره عند من فرط من الخلف فحول نهاره شخيرا وليله سهرا وفرجة وشهوة، حتى إنه عند فئام تحول إلى مجرد إمساك عن الشهوتين في نهاره وتنافس في الملذات بمجرد غروب شمسه، والأيام المعدودات تمضي وقوائم العتقاء تعد والعمر يتصرم، وهل إلى الإحسان من سبيل؟

شهر رمضان كما يعرفه من عرف فلزم “شهر البركات والخيرات والتوبة وتجديد الصلح مع الله وطلب غفرانه وإحسانه وعِتْق رِقابنا من النار. شهر يفطِم الجسمَ عن طبعه من شهوة الطعام، وحاجة الشراب، ولذة الجسد” [1] ، إنه “فَصٌّ يزين الزمن كما تزين الحُليَّ الجواهرُ النفيسة. إنه شهر رمضان عيد السنة كما هي الجمعة عيد الأسبوع. ولِعُمر المسلمة فصٌّ هو عام حجها” [2].

وليس رمضان إمساكا عن الشهوات من الفجر إلى الغروب فحسب، ولكن مع التحلي بأخلاق أهل القرب والتخلي عن رذائل أهل الأهواء، وله من الأسرار [3] ما حملت به الكتب والأسفار؛ منها ترقيق البشرية وتلطيف العوالم الحسية والتماس صفاء القلوب وإيقاد القريحة ونفوذ البصيرة، ونيل لذة المناجاة ومقام المعرفة، وحصول الذل والانكسار وزوال البطر والمرح والأشر الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله تعالى، وتذكر أهل الفاقة والجوع، ومنها كسر شهوات المعاصي والتغلب على النفس، وتيسير المواظبة على الطاعات، ومنها صحة الأبدان ودفع الأسقام، ومنها التحصن من الشيطان، لأن أكثر ما يتسلط الشيطان على ابن آدم من جهة بطنه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: “إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فضيقوا مسالكه بالجوع”.

قوم عرفوا الله فعرفهم محارمه..

فماذا يطلب إلى المؤمنة؟

“لتعرف المسلمة الجوع والعطش ولتتعلم ضبط نفسها وإلجامَ هواها. ولتتحكم في أوصافها الحيوانية لتسمُوَ الروح وتتطهر، ولتتدرب المؤمنة على تغليب الأوصاف الملائكية مستقلة عن جاذبية الطين” [4].

أطال الله مكثك وبارك زمانك ولا غاب هلالك إلا عن ذنب مغفور وسعي مشكور وعمل مقبول وعتق لرقاب عبيدك من النار وتحرير لهم من أسر النفس والهوى وربقة الذل والخنوع، إنك أهل ذلك والقادر عليه سبحانك.


[1] عبد السلام ياسين رحمه الله، تنوير المؤمنات، ط 4/2018، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، الجزء 1، ص 295.

[2] المصدر نفسه.

[3] ينظر الكنز الثمين في كشف أسرار الدين، ذ عبد الكريم العمراني الخالدي.

[4] عبد السلام ياسين رحمه الله، تنوير المؤمنات، م. س. ص 295.