الحوار الهادئ.. أسلوب نبوي في التربية

Cover Image for الحوار الهادئ.. أسلوب نبوي في التربية
نشر بتاريخ
رجاء المنبهي
رجاء المنبهي

كثيرة هي الأسر التي تتخبط في مشاكل الأطفال وكيفية التعامل معهم، لاسيما في هذا الوقت مع تدهور المجتمع، وتدفق وسائل الإعلام التي لم تترك للأسرة الفرصة لامتلاك زمام الأمور.

ترى؛ أين الخلل؟ وما السبب؟ هل يختلف أطفالنا عن أطفال عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم إننا نحن من حاد عن طريقه عليه الصلاة والسلام؟

ما السبيل إلى إخراج الأسرة من بؤرة المشاكل إلى جو يسوده الهدوء والاستقرار مع الأبناء؟ وأي أسلوب وأي نهج نسلكه لتحقيق هذا الاستقرار؟

أيمكن أن يكون التهديد والتخويف والقمع سببا وسبيلا لاستقرار متين مع الأبناء؟

نستقرئ سنة نبينا الكريم فنجد أنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه استعمل مثل هذه الأساليب في تربيته ومعاملته للأطفال.

إن تربية الأبناء ليست بالأمر الهين، فالأمر يتطلب امتلاك مناهج صحيحة، وأساليب مستقاة من نبع القرآن والسنة النبوية الشريفة. وإن من أنجع أساليب التربية التي يدلنا عليها هذين الأصلين الحوار؛ ذلك الحوار الهادئ الذي يطبعه الرفق والحكمة، البعيد كل البعد عن القمع والاستهزاء والشتم والضرب..

وقد يتساءل كثير من الآباء عن سبب وقوع المشاكل، وعن سبب تأخير أطفالهم في التربية، والإصرار على جوانب النقص، وقد يكون أحد الأسباب وأهمها هو انقطاع حبل المحاورة، والنقاش العقلي الهادئ.

فالحوار يضع الفرد أمام الأمر الواقع بصورة واضحة دون معيقات نفسية حاجبة، وتتفتح الآفاق للطرفين؛ المربي والإبن، فيستفيد كلا منهما.

ولحوار أفضل مع الطفل، أسوق بعض الاقتراحات، علها تنير الطريق وتبلغ المقصود.

اختر الوقت المناسب لمحاورة ابنك

لابد من اختيار الظروف الملائمة، والنفسية الجيدة للطفل قبل التحاور معه، محترمين في ذلك وقت لعبه مع أصدقائه فلا نقطع عليه سعادته، وإذا كان جالسا أمام التلفزيون لمشاهدة برنامج الأطفال فلا نطلب محاورته في ذلك الوقت.. بل نتحين الفرص المناسبة، ثم نهيئ الجو ونلطفه بعبارات تفتح شهية هذا المتحاور الصغير، كأن نذكر مميزاته وصفاته الحسنة، وننوه ببعض أعماله، ثم نشوقه لموضوع النقاش ونحاول إقناعه بطريقة سلسة وحكيمة، بعيدة عن إجباره وتكلفه.

وهذا ليس من باب المبالغة، فمثل هذه الأمور وإن بدت بسيطة فإن وقعها عظيم في نفسية الطفل.

أنصت إليه بدل أن تقمعه

قد يخطئ البعض عندما يتصور التربية والأخلاق الطيبة هي السكوت الدائم للطفل، وعدم تدخله في أمور الكبار.. وهذا تصور خاطئ، فالطفل الذي لا تتاح له فرصة التكلم، ولا يتدرب على الحوار وأدبه وأساليبه في بيته مع والديه، يكون ضعيف الشخصية في كبره، عديم الثقة في نفسه.

إلزام الطفل بالسكوت وقمعه، وعدم إعطائه الفرصة للإدلاء برأيه، دليل على عدم قدرة المربي على الحوار، وعدم توفره على امتلاك أساليب ناجعة لإقناع الطفل.

وإذا تأملنا في سيرة سيد الخلق، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، نجد محاورة الصبيان والإنصات إليهم كانت من شيمه عليه الصلاة والسلام. حاور غلاما يريد المشاركة في معركة بكل هدوء وروية، وسمع رأيه وأنصفه. عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: “أيمت أمي وقدمت المدينة فخطبها الناس، فقالت: لا أتزوج إلا برجل يكفل لي هذا اليتيم، فتزوجها رجل من الأنصار، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض غلمان الأنصار في كل عام فيلحق من أدرك منهم، قال: فعرضت عاما فألحق غلاما وردني، فقلت: يا رسول الله، لقد ألحقته ورددتني، ولو صارعته لصرعته، قال: فصارعته فصرعته فألحقني” [1].

لننظر إلى هذا التعامل النبوي؛ أنصت للغلام وأعطاه الفرصة للتعبير عن رأيه، ولولا هذا لما اكتشف عليه الصلاة والسلام شجاعة هذا الغلام وقدرته على المصارعة.

فلا بد إذن من إنصات جيد للطفل، نفسح له المجال لإبداء رأيه، بل ومساعدته في التعبير عما يريد قوله.

وبهذا نكون قد ربحنا أجر احترام هذا الطفل البريء، وأجر اتباع سنة الحبيب المصطفى في تقديره الصبيان وإعطائهم حقهم، وقد يتجلى لنا ما يغيب عنا من صحة فهمهم، فلسنا دائما على الحق.

حاوره على قدر عقله

ليس من المناسب أن نتكلم مع الطفل بأسلوب لا يفهمه ولا يستسيغه، فالرسول صلى الله عليه أوصانا بأن نخاطب الناس على قدر عقولهم، وحسب مستواهم.

ولا بد من استحضار عامل السن عند الحوار، ذلك أن طفل الثالثة ليس هو طفل السادسة، وطفل العاشرة ليس هو طفل المراهقة.

ودليل هذا أنه قبل معركة بدر حينما قبض الصحابة على غلامين يسقيان لقريش.. سألوهما عن عدد الجيش، فإذا بهما لا يحسنان الإجابة فضربوهما، حتى أقبل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو العالم بخبايا النفس، فسأل الغلامين: كَمِ القَومُ؟ قالا: كَثيرٌ . قال: ما عدَّتُهم؟ قالا: لا نَدري، قال: كَم ينحَرون كلَّ يَومٍ؟ قالا: يوما تِسعًا، ويومًا عَشرًا، فقال رسولُ اللهِ: القومُ ما بينَ التِّسعمائةِ إلى الأَلفِ” [2].

عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الغلام لا يدرك عدد الآلاف ولكن طاقته العقلية تدرك عدد العشرات، فخاطبه بما يفهم. فيالها من حكمة ممزوجة برحمة، نحتاج إلى وقفة وتأمل لنستقي منها العبر ونتعظ.

ثم لابد أن يكون هدفنا واضحا ومحددا أثناء محاورتنا للطفل، فلا نتيه به بعيدا، ولا نطيل الوقت في الحوار معه، لأن قدرته ليست كقدرة الكبار.

تجنب أسلوب التوجيه المباشر

إن مما تتطلبه التربية استحضار نفسية الطفل وما يؤثر عليها من عوامل، فالطفل سريع التأثر والغضب، فإذا رأينا اعوجاجا في سلوكه وأدبا لا يليق، فلا نوجه له اللوم المباشر، ولا نقدم له النصح أمام أصدقائه، فإن ذلك مما يضعف شخصيته، ويحطم نفسيته.

ثم إن أسلوب التوجيه المباشر لا يغير من سلوك الطفل شيئا، بل يزيد الطين بلة، ويولد العناد، وقد يأتي بعكس ما نتوخاه.

هلم إلى حوار هادئ مع طفلك

ندرك مما سبق، ومن غيرها من الوقائع التي تخبرنا عنها السيرة الكريمة، أهمية اتخاذ الحوار أسلوبا للتفاهم مع أبنائنا وأداة تربوية، لا نقمع ولا نستهزئ ولا نسب، تربية تستحضر شخصية الطفل وتحترمها، بل وتقدرها.

إن الحوار مع الطفل يقفز به إلى القمة، ويكوّن شخصيته، فيستطيع التعبير عن آرائه، والمطالبة بحقوقه، فينشأ حرا كريما، ويكون في المستقبل ذا حضور مميز، ويكون لآرائه صدى في النفوس، لأنه تربى منذ الصغر على الحوار وعدم القمع.

لذلك، لا ينبغي تهميش الطفل وعزله في زاوية بعيدا عن الإدلاء برأيه كأنه عنصر غريب، بل يجب إشراكه في كل الأمور، حتى في صناعة القرارات الأسرية، كأن يسأله الأب مثلا أو الأم – من باب شحذ قريحته واستخراج ما لديه من أفكار والانتفاع برأيه إن بدا صوابه – عن رأيه في تحديد موعد الخرجة، وفي أثاث المنزل، وعن اختيار وجبات الطعام.. وغيرها من الأمور، لما في ذلك من الأثر العظيم والثمرات الجليلة في تدريب الصغير وتعويده أدب الحوار وإبداء الرأي.

قد تحول دون اتباع هذا الأسلوب في التعامل مع الأبناء بعض الظروف التي يعيشها الآباء والأمهات داخل البيوت وخارجه؛ صحية كانت أو مادية أو معنوية؛ منها إرهاق الأم مع كثرة الأشغال، وظروف الحمل، وكثرة الأبناء.. إذ كيف تستطيع الأم أن تتوفق في إعطاء كل طفل من أبنائها حقه من الحنان والعطف، وأن تتحاور مع كل واحد منهم على حدة، مع تفاوت أعمارهم واختلاف شخصياتهم وهي وسط كم هائل من الأعمال يستنزف طاقتها الجسمية والنفسية؟ لذلك نقول أن العملية التربوية تستلزم التعاون بين جميع أفراد الأسرة، وبقدر ما كان تحمل أعباء الأسرة عملا تشاركيا بقدر ما حظيت بالتوازن المطلوب الذي يضبط توازنها.

ولعل خير محفز على اتباع أسلوب الحوار الهادئ في التعامل مع الأبناء نتائج ممارسته الميدانية، فلنجرب جميعا هذا الأسلوب النبوي لما فيه من راحة نفسية خالية من التوتر. وهذا لن يتأتى إلا إذا أخلصنا العمل لله تعالى وتوكلنا عليه، وطلبنا العون منه سبحانه، لأن تربية الأبناء ورعايتهم عبادة تقربنا إلى الله عز وجل.


[1] رواه الإمام الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد.

[2] من حديث طويل لعروة بن الزبير، أورده الألباني في فقه السيرة، الصفحة أو الرقم: 221، إسناد صحيح لكنه مرسل. ورواه أحمد بسند صحيح. ورواه مسلم مختصرا.