ذ. حمداوي: هذه غاياتنا من التخليد السنوي لرحيل الإمام ياسين وهذه الأساسات الكبرى التي تركها لنا

Cover Image for ذ. حمداوي: هذه غاياتنا من التخليد السنوي لرحيل الإمام ياسين وهذه الأساسات الكبرى التي تركها لنا
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذ محمد حمداوي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، حول أنشطة وأهداف ومخرجات إحياء الذكرى التاسعة لوفاة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى.

كما تطرق الحوار لعدد من القضايا الهامة؛ ماذا بقي من الإمام بعد تسع سنوات على الرحيل، وصاياه والأساسات الكبرى التي بنى عليها مشروعه وجماعته، واقع الجماعة في ظل التحولات والتحديات التي تعرفها الحركة الإسلامية… وغيرها من القضايا والملفات الهامة، تجدونها ضمن هذا الحوار الهام:

تخلد جماعة العدل والإحسان الذكرى التاسعة لرحيل مؤسسها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله. ما الجديد الذي تميزت به هذه السنة؟

كعادتها، وكما دأبت عليه خلال الثمان سنوات الماضية، خلدت جماعة العدل والإحسان هذه السنة الذكرى التاسعة لرحيل مؤسسها ومرشدها، وكما يسميها أبناء وبنات الجماعة فهي ذكرى الوفاء. وتميزت هذه السنة باستمرار الظروف الاستثنائية التي تفرضها جائحة كورونا، وعليه وعلى غرار السنتين الماضيتين نُظّمت فعاليات الذكرى عن بعد مع حيز حضوري محدود. وكما نعلم فالأنشطة الحضورية للذكرى لها نكهة خاصة نظرا للأجواء الربانية التي تختص بها، وكذا فرصة التلاقي والتواصل بين قيادات الجماعة وضيوفها من الداخل والخارج، وتبادل الرأي والأفكار والتجارب وفتح مجالات للتعارف والتفاهم والتعاون والتنسيق. وفي غياب الأنشطة الحضورية انفتحت الجماعة هذه السنة على أبنائها وضيوفها وعلى الناس عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لإحياء هذه الذكرى وتبادل الرأي حول المواضيع المعروضة للنقاش.

أما من ناحية المضمون، فقد اشتملت الذكرى هذه السنة على عقد مجالس النصيحة ليلة السبت 04 دجنبر على الصعيد المركزي والمحلي، وهذه من المحطات الرئيسية نظرا لما يمثله الأساس التربوي في مشروع العدل والإحسان وفي برامجها من ركيزة أساسية.

 كما تضمن برنامج الذكرى ندوة حوارية في ثلاث جلسات يومي السبت والأحد 11 و12 دجنبر 2021 في موضوع “المغرب وسؤال المشروع المجتمعي”، شارك فيه ثلة من الباحثين والأكاديميين المتخصصين من مختلف التيارات الفكرية والسياسية. وتابع هذه الندوة الكثير من الضيوف والمهتمين من الداخل والخارج.

رسخت الجماعة عرفا خلال هذه السنوات التسع؛ وفاء لهذا الرجل المجدد، وانفتاحا على النخب والفاعلين لبحث قضايا مختلفة. لماذا هاتان الغايتان تحديدا؟ وهل من غايات وواجهات أخرى حرصتم عليها في هذا التخليد السنوي؟

أكيد؛ إن الإحياء السنوي لذكرى وفاة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى سيبقى مناسبة لتحقيق مجموعة من الأهداف والغايات، عِرفانا لهذا الرجل وما قدمه للجماعة وللوطن وللأمة الإسلامية من اجتهادات ورؤى وتصورات في مختلف المجالات التربوية والسياسية والمجتمعية.. لذا نغتنم هذه الفرصة السنوية للتذكير بما أجراه الله على يديه من خير يعم الأمة والإنسانية، ولتجديد الصلة بمشروعه الإنساني الكبير، ولتسليط الضوء على الكثير من تفاصيل فكره رحمه الله مما يستدعيه السياق المحلي والدولي في كل سنة، خاصة وسط هذا الحصار الخانق للدعوة الإسلامية وللخطاب الصريح الذي يزعج الكثيرين.

وبطبيعة الحال؛ الانفتاح على الفعاليات المجتمعية ومد جسور التواصل معها يعد من أهم أهداف حفل الوفاء السنوي؛ لكن ينبغي التذكير أن الجماعة لا تعتبر الحوار والتواصل نشاطا موسميا، بل هو مبدأ من مبادئها التي تسعى إلى تنزيله وتحقيقه في كل وقت وحين، طلبا لتحقيق الخلاص الجماعي وطموحا في حلف جامع عام نعتبره طوق نجاة وبداية ومنطلقا لكل تغيير منشود. 

وفيما يرتبط بسؤالك حول وجود غايات أخرى؛ فبالتأكيد أن حفل الوفاء الذي تنظمه جماعة العدل والإحسان لا تنحصر أهدافه في الغايتين المذكورتين سلفا، بل تسعى من خلاله إلى تحقيق جملة من الغايات الأخرى يمكن تسجيل بعضها كالآتي:

– غايات تربوية: تتمثل أساسا في جعل هذه الذكرى منطلقا لتجديد التوبة والعزيمة وتعميق المحبة لهذا الرجل الذي أفنى حياته في الدلالة على الله بروحه وجسده ولسانه وقلمه.

– غايات معرفية: تتجلى في كشف النقاب عن المواقف الواضحة لجماعة العدل والإحسان من جملة من القضايا التي تشغل بال المواطن المغربي أساسا والمهتمين بالفكر المنهاجي خصوصا.

– غايات تواصلية: من خلال فتح أوراش للنقاش والتداول وبسط وجهات النظر المختلفة لقضية من القضايا المركزية، تصحيحا لجملة من التمثلات المجانبة للصواب والتي تنطبع في أذهان الآخر من خلال ما ينشر عبر الإعلام المشوه للحقائق.

ناقشتم هذ العام، في ندوة مركزية، موضوع “المغرب وسؤال المشروع المجتمعي”، وشارك فيها فاعلون وباحثون. ما أهم ما تميزت به الندوة؟ وما القضايا الملحة التي ناقشتها؟

تميزت الندوة بكلمة السيد الأمين العام لجماعة العدل والإحسان فضيلة الأستاذ محمد عبادي، أشار فيها إلى تميز مشروع الإمام المرشد رحمه الله، الذي اهتم بمصير الإنسان في الدنيا وفي الآخرة وفي علاقته بربه، وهو المشروع الذي يتأسس على قواعد العدل والإحسان والشورى ويضمن الحرية والأمن والكرامة لكل أفراد المجتمع.

وأشار أيضا إلى أهمية تكثيف اللقاءات الحوارية قصد التعاون والتفاهم، من أجل إنشاء حلف مثل حلف الفضول لنصرة المظلوم. وتحدث عن الوضع الاجتماعي المأساوي وحذر من الاختراق الصهيوني في كل مجالات الحياة، والذي يستهدف الإجهاز على ما تبقى من قيم المجتمع ومقوماته ومبادئه.

وشارك في ندوة “المغرب وسؤال المشروع المجتمعي” ثلة من الفضلاء السياسيين والحقوقيين للجواب عن ثلاثة أسئلة؛ الأول حول الدولة والحكم، الثاني حول التنمية، والثالث حول القيم المجتمعية. وقد جاءت الندوة في مرحلة يتم الحديث فيها عن نموذج تنموي جديد بعد الإقرار بالفشل لمشاريع التنمية منذ الاستقلال.

أشار المتدخلون إلى عدم استحضار مفهوم التنمية الاجتماعية في المشاريع المقدمة بالموازاة مع التنمية الاقتصادية، وغياب استحضار البعد الإنساني فيها.

وأشاروا إلى بعض العناصر المعرقلة للتنمية من اقتصاد الريع، والاستثمار في شراء النخب وضمان ولائها للنظام السياسي.

كما تحدثت الندوة عن استنزاف الطبقة الوسطى بالمغرب، وما لها من دور مهم في اقتصاديات جميع الدول، وكذلك غياب إرادة حقيقية للاستثمار في قطاع التعليم والمشاكل التي يعيشها هذا القطاع رغم تتالي “الإصلاحات” بدون أثر إيجابي على الترتيب الدولي.

ولم يغب عن الندوة موضوع الأخلاق والقيم في نقاش المشروع المجتمعي، وأشارت إلى أن إبعاد الأخلاق والقيم عن أي مشروع مجتمعي هو غير ممكن، وأكدت على وحدة الأسرة والفرد والجماعة والمجتمع كقيم بانية لكل مجتمع.

وكان لقيمة الحرية نصيب مهم في النقاش وإجماع على أهميتها وضرورتها بما يناسب القيم الأخرى التي تحفظ الهوية وتحترم القوانين التي تؤطر المجتمع.

وتم التأكيد في ختام الندوة من قبل الدكتور عبد الواحد متوكل، رئيس الدائرة السياسية للجماعة، على العامل الحاسم في التحرير والتغيير والتنمية، وهو الإنسان، فلابد من بناء الإنسان أولا، والوسيلة التربية ثم التربية ثم التربية، كي يكتسب هذا الإنسان الثقة في نفسه، ويعلم أنه يستطيع أن يصنع ويغير.

هل من مخرجات متوقعة لهذه المحطة الحوارية، أم إنها لا تعدو أن تكون ندوة نقاش وانتهى الأمر؟

إن ما تم تداوله من كم معرفي وعلمي متميز وآراء مختلفة، حول المحاور التي حددتها الندوة، من طرف ثلة من الخبراء والأكاديميين والحقوقيين وبعض مكونات المجتمع المدني ممن يحملون هم خير هذا الوطن، يعتبر في حد ذاته قيمة مهمة من مخرجات الندوة، يضاف لها ما أكده عدد من المشاركين على أهمية المناسبة لتقريب الآراء بين مكونات المجتمع وتثمينهم لها والدعوة للتكثيف من أمثالها لإرساء فضيلة الحوار الكفيلة ببناء مجتمع متواصل مدبر لاختلافاته.

لاشك أن الحوار في تصورنا المنهاجي ضرورة إيمانية وواجب دعوي وحكمة سياسية وإنسانية، نشدانا للأمن الاجتماعي لهذه الأمة والتّهمّم المشترك بأحوالها والإحساس بمآسيها والرغبة في النهوض بها من مستنقع التخلف والتسلط… لذا فإنه من العبث اعتبار المحطات الحوارية مجرد نقاشات تنتهي آثارها بختم جلساتها. لذلك أقول أن مخرجات هذه المحطات الحوارية قد تظهر نتائجها الإيجابية حتما مع مرور الزمن، خاصة عند مفترقات الطرق وفي المراحل الانتقالية، بل هي الضامن الأساس لنشر الثقة بين مختلف الفعاليات المجتمعية، والاستفادة من الآخر ومما حباه الله به من ذكاء وحكمة، في أفق بناء عمل مشترك مؤسس على معايير واضحة لا تقصي أحدا ممن ينشد مجابهة الفساد والاستبداد ويطلب الحرية والكرامة والعدل الاجتماعي والسياسي.

سجل المتابعون أنكم نظمتم أيضا مجلسا لنصيحة مركزية، وازتها مثيلاتها على المستوى المحلي. لماذا هذا الحرص على مجلس النصيحة؟ وماذا يشكل في الأساس التربوي لجماعة العدل والإحسان؟

الأساس التربوي، والذي يعني في هذا السياق تزكية النفس، يعد الأمر الأساس من أجل ترسيخ الإيمان وتقويته في القلوب ومن أجل الربط المستمر للأرواح المؤمنة بربها عز وجل، مستحضرة ومستشعرة رقابته المستمرة في كل مكان و في كل لحظة وحين، فينعكس ذلك صفاء في القلب، وحسن ظن بالله وبخلقه، وسلوكا أخلاقيا قويما، وهبة للعمل وسعيا جادا نافعا للنفس وللغير.. هذه المعاني وغيرها من المعاني النبيلة، تعمل بإذن الله مجالس النصيحة وكل المجالس التربوية على ترسيخها وتشربها والتربية من أجل الاستقامة عليها، من خلال مضمونها الطيب المبارك الذي يضم القرآن الكريم ومدارسته وسيرة سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام وسيرة أعلام الأمة السابقين واللاحقين. ومن خلال قيام الليل الذي قال عنه رب العالمين: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا). لأنه -كما جاء في التفسير- العبادة التي تنشأ في جوف الليل هي أشد تأثيرًا في القلب، وأبين قولا لفراغ القلب مِن مشاغل الدنيا. وهي أشد أثرا للخير في النفس وأرسخ أجرا وثوابا.

تسع سنوات على رحيل الإمام والمؤسس، ماذا تستحضرون من سيرة الرجل ومشروعه؟

سنة بعد سنة، ومع مرور الأيام والسنين، نزداد في جماعة العدل والاحسان يقينا فيما أسّس له الإمام رحمه الله على العديد من الأصعدة. ففي كل مناسباتنا نستحضر وصاياه ومشروعه المتكامل والجامع الذي يسعى إلى استنهاض حال العباد للإقبال على الله والاستعداد للقائه والفوز برضوانه، كما يحث الأمة على الصحوة من غفلتها واستجماع قواها لاسترجاع عزتها ومجدها من خلال التصالح مع ربها والتمسك بتعاليم دينها.

نستحضر جهاد الإمام وتفرغه الكامل لبسط مشروعه والدعوة إليه والدفاع عنه وتوفير الشروط الضرورية لتنزيله على أرض الواقع، رغم العقبات والمعيقات، متسلحا بيقينه في الله تعالى. نستحضر ما كتب وألف وما قال وحاضر وما أطر واحتضن وما جمع وما ربى، فترك تصورا متكاملا وجماعة حاضنة ووصايا خالدة.

نستحضر كل هذا العطاء مرفوقا بأحواله وأخلاقه من يقين وتضرع وتبتل وتواضع وكرم وحلم وتسامح وعزة في الحق ومجاهدة وصبر …

رحم الله الإمام وجعلنا من الأوفياء.

ما الأساسات الراسخة التي وضعها الرجل ودعا إليها، ولا يمكن تصور العدل والإحسان بدونها؟

الأساس المتين الذي أرساه الإمام رحمه الله في الجماعة، ورسّخه معرفة وسلوكا ومنهجا عمليا، هو الأساس التربوي الذي يستحث الفرد ليطلب مرضاة الله تعالى، وليرفع همته ليكون في قائمة أهل الإحسان. فهذه الغاية هي أم الغايات في تصور العدل والإحسان، وهي جوهر رسالتنا لأنفسنا وللإنسان.

الأساس الثاني هو الدعوة إلى الله تعالى، فلطالما عرّف الإمام الجماعة بأنها جماعة تتوب إلى الله وتدعو الناس إلى التوبة إلى الله تعالى، لذلك فهذه الرسالة هي التي تؤطر حركة الجماعة باعتبارها تريد الخير للإنسان، وهو ما جعلها منفتحة على الآخر، متبنية لمنهج الرحمة والرفق في الإصلاح والتغيير. وهو ما يجعل العمل السياسي أحد مجالات عملها.

أما الأساس الثالث فهو المنهاج النبوي، باعتباره كليات مستمدة من الكتاب والسنة مؤطرة للفكر والعمل، تساعد على فهم التاريخ، وتحليل معطيات الواقع، واستشراف المستقبل. فهذه الكليات هي التي جعلت الجماعة فاعلة ومبادرة، ومتئدة غير مستعجلة، راسخة في مبادئها غير متقلبة في اختياراتها. وقد كان لهذا المرتكز أهمية في وحدة تصور الجماعة وتماسكها، وقدرتها على الإبداع والتجديد والتفاعل الإيجابي مع التحديات والصعوبات.

وهذا الأساس نتلمّسه بشكل كبير في العشرية الأخيرة بعد أحداث الربيع العربي، حيث نجد مكتوبات الإمام رحمه الله تعالى، وقفت عند منعطفات الإصلاح والتغيير والمنهج في تعامل الحركة الإسلامية معها؛ كما استحضرت التحديات الإقليمية والدولية التي تعيق التغيير، وما يلزم ذلك من الحكمة. فبدون رؤية استراتيجية توشك الأحداث أن تجرف فعل الحركة الإسلامية، وتفقد ما تجمع لسنوات من العمل والبناء.

صحبتم الإمام زمنا طويلا، ما الوصايا الرئيسة التي كان يوصيكم بها ويحثكم على التمسك بها؟

كان رحمه الله لا يفتر أبدا يذكر بالخُلق الحسن، وبالتزكية الإيمانية الفردية بأورادها الفردية (القرآن وقيام الليل والصيام…). فكان ينزعج إذا رأى مفطرا غير ذي عذر واضح في أيام الصيام الفاضلة الإثنين والخميس والأيام البيض وغيرها. لأنه كان رحمه الله يعتبر، وخصوصا لأبناء الصفوف الدعوية الأولى، أن الحرص على مداخل الخير كلها في تزكية النفس، أنوار مجددة للإيمان، ومثبتة على الحق وغارسة لليقين، وباعثة لقوة الإرادة في العمل والبذل والعطاء، ومحفزة على التحلي بالأخلاق الفاضلة. وهذه الأمور قبل أن يوصي بها رحمه الله كنا نتعلمها منه قدوة وسلوكا عندما نجده في كل وقت صواما قواما تاليا لكتاب الله، رفيقا شفيقا بالأهل والأطفال والأحباب والزوار، مقدرا محترما للمخالفين له في الرأي والاجتهاد. كما كانت تؤثر فينا كثيرا علاقته الحانية الراقية جدا مع زوجته للا خديجة رحمهما الله.

وفي الدعوة كان دائما يوصي بالثبات والإخلاص وبدوام الفعل، والارتفاع عن سفاسف الأمور، والرحمة بخلق الله، ويحذر مرارا من الانزلاق وراء الوعود السياسية الكاذبة، وألا يقعقع لنا بالشنان (مثل يقال للذي لاَ يُخْدَعُ وَلاَ يُرَوَّعُ..)، وأن نجهر بكلمة الحق لا نخشى في الله لومة لائم، وأن نحرص أيما حرص على الشورى و الانسجام في مجالسنا التدبيرية، وأن يكون همنا الأول إعداد الزاد ليوم الميعاد، وأن نعلم أن أقوى رابطة جامعة لأمر الجماعة قبل وبعد كل الروابط السننية (كحسن التخطيط والتدبير والتنظيم والإنجاز..) هي رابطة تأليف القلوب على الله تعالى والتي هي رابطة الأخوة والمحبة في الله تعالى.. رحمه الله رحمة واسعة دائمة.

ومازلت أذكر منه نكتة “للا حنيشة” التي مفادها أن قوما جاؤوا إلى أعرابي نائم وربطوا إلى ثوبه قطعة حبل صغير، فأيقظوه فزعا أن ثعبانا لاصقا به، فنهض وظل يركض في محاولة للتخلص من الثعبان المزعوم حتى هدّه العياء من الجري دون فائدة والحبل بثوبه، فسقط أرضا مستسلما قائلا ها أنا ذا “كلني أ للا حنيشة!”. فقد يركض الإنسان (وقد يكون داعية يا حسرة!) في هذه الحياة الدنيا سنوات خوفا من عدو موهوم مزعوم، ولو ثبت على الحق وتوكل على الحق المبين لعلم أنه يأوي إلى ركن شديد، ما أصابه ما كان ليخطئه وما أخطأه ما كان ليصيبه وهو على سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلا نامت أعين الجبناء ودام العز للأوفياء.

عقد كامل تقريبا على وفاة الرجل، تغير فيه الكثير على خارطة الحركة الإسلامية خاصة في مرحلة الربيع العربي وما أعقبها، ورأى باحثون أنها مرحلة عرفت وتعرف تراجعا ملحوظا للإسلاميين. كيف هي العدل والإحسان اليوم؟ وكيف تواجه تلكم التحديات والتراجعات والتحولات الصعبة؟

إن الأحداث الراهنة، كما أشرت سابقا، زادت الجماعة يقينا في استراتيجية فعلها، حيث أثبتت التجربة أن الانخراط في مشاركة سياسية صورية لا تمتلك صلاحيات التغيير ومقومات الفعل ستزيد الوضع استفحالا، لكن نسجل بالمقابل ارتفاع منسوب الوعي لدى أفراد الأمة وتياراتها الحية. فإذا كانت الظرفية صعبة في بعض الأقطار، لا سيما بعد الالتفاف على إرادة الشعوب والرجوع إلى استبداد أخطر مما كان عليه الوضع قبل الربيع العربي، فإن دروس هذه المرحلة ستسهم في ترشيد فعل الحركة الإسلامية، وتساعد بعض تياراتها على مراجعة خياراتها.

أما الجماعة فهي ماضية في سيرها، لا سيما وأن الواقع قد أثبت صواب خياراتها على المستوى الوطني، كما أنها ظلت فاعلة في المجتمع رائدة في تيار الممانعة ضد التراجعات والتضييقات التي تلحق حقوق الأفراد السياسية والاجتماعية والاقتصادية. كل ذلك دون الانسياق إلى ردود الأفعال، لأن لها مشروعا تعمل من أجله، وتنفتح على مختلف تيارت البلد الحية التي تسعى لخير البلاد، من أجل الإسهام في بناء مستقبل يليق بتاريخ البلد ومقوماته وخيراته وطاقات أبنائه.